أنا بخير.
أو هكذا أظن وأنا أقف في الصف الخلفي،
ربطة عنقي تخنقني أكثر من الحزن. أنظر إلى الوجوه من حولي... وجوه متجهمة، بعضها دامع، وأكثرها يمارس وقارًا قد يكون مصطنعًا، لكنه يليق بالمشهد، بالحدث.
العالم حولي ليس بخير،
لكن ليس للأسباب التي يبكون من أجلها.
المرأة في الصندوق الخشبي أعرفها.
امرأة طيبة... هكذا يقولون عنها الآن. هكذا يصفونها بجملة سهلة، جاهزة، مكررة. جملة تُقال أحيانًا كي لا يُقال شيء
الإمام يواصل حديثه عن حتمية الموت، عن انتهاء الأجل، عن مصيبة الفقد، عن ضرورة الصبر... عن الحساب والدعاء... يكمل، وأكاد أحفظ كلماته عن ظهر قلب.
لكنني لا أفكر فيما يقول، فقد سمعتُه كثيرًا.
لا أفكر في الموت كفعل انتهاء،
بل في الإنسان.
أفكر في هذا العدوّ الخفي الذي نتحاشاه، ننظر إليه بأعين مواربة كي لا نرى وجهه... .
أتدري ما الذي يخيفني وأنا أراهم يستعدون لحملها؟
ليس هذا الرحيل البسيط، ولا الصندوق الضيق، ولا الوجوه التي جاءت لتجامل ثم تنشغل بحياتها وتنسى المرأة وأهلها والمشهد بأكمله.
الخوف ليس فقط في أن نكون مكانها،
بل أن نرحل مثلها... وكأننا لم نأتِ.
أن نغيب دون أن نترك أثرًا،
أن نغعل شيئا
أن نغعل شيئا
دون أن نغير فكرة،
أو نضيف ،
أو نصحّح مسارًا،
أو حتى نحاول.
كيف كانت حياتها؟ هل استمتعت بها؟ هل عاشت فعلًا؟ أم كانت مجرد حلم وانتهى؟ ...
وبينما أسمعهم يعددون مناقبها البسيطة ("كانت لا تؤذي أحدًا")،
أتساءل: هل حقًا هناك من يأتي ويذهب كأن لم يكن؟
،الحقيقة، ولتكن قاسية.
نعم، هناك من تطأ أقدامهم الأرض فلا يتركون علامة.
تنسى الرمال خطواتهم، وتنسى الوجوه ملامحهم، وتنسى الأرض أنهم مرّوا بها.
يرحلون وكأنهم لم يولدوا.
يكونون... وكأنهم لم يكونوا.
لذلك، ربما ليس الصندوق الخشبي هو الموت الأقسى،
ولا القبر هو الموت الحقيقي.
الموت الذي أعرفه هو أن تُنجبك بطن، وتعيش أعوامًا، وتظن أنك تحيا... لكنك في الحقيقة تمارس الموت، لا الحياة.
تمرر لتمر منها.
حملوها أخيرًا على الأكتاف. أنزلوها حيث ستبقى.
أجساد تحمل جسدًا انتهى.
لكنني أفكر فينا نحن الأحياء،
نحن الذين جئنا لنخلّد،
لنصنع ما يبقى بعد أن تُحمل أجسادنا هكذا وتضمنا القبور.
جئنا لنخرج من بين كل ذلك أرواحًا تحيا بأثرها، بما صنعت، بما غيّرت، بما أضافت، بما حاولت.
العالم ليس بخير...
لأنه يصدّق أن هذه هي النهاية،
يظن أننا جئنا لنعيش ثم نموت،
أننا نأتي من العدم ونذهب إلى العدم،
فينعدم معنا أثرنا.
وهذه هي الخسارة الكبرى.
أراهم يبتعدون بالجسد،
وأنا أقف ثابتًا في مكاني.
لا أبكي عليها، بل أبكي علينا.
أبكي من الموت الذي أخشاه...
أخشاه جدًا:
أن يأتي قبل أن أترك في الدنيا أي أثر.
No comments:
Post a Comment