ولعلنا...
ولعلنا من بعد البُعد نلتقي...
أو لعلنا من بعد اللقاء لا نلتقي.
فلعل اللقاء ليس شرطًا للُّقى،
ولا الغاية، ولا مستقرّ القلوب.
لعلّ الشعور هو المبتغى،
ولعلنا نلتقي دون أن نلتقي،
فالحب، إن وجد موطنه في القلب،
جاء بنا دون موعد، دون حضور، دون ملتقى.
حين التقيتك...
أتذكّر أول لحظة جمعنا فيها القدر،
أول نظرة، أول ابتسامة، وأول سلام...
شعرت وكأني أعرفك.
لا أقولها من باب الكليشيه، بل لأني صدقًا شعرت بذلك.
وقفت أمامك وكأني عدت... أو وصلت.
من أين عدت؟ وإلى أين وصلت؟
لا أدري...
ولا يهم.
لكن ذلك ما شعرت به.
في وجهك، في ملامحك، في ابتسامتك،
كان هناك شيء مألوف...
شيء لا يُنسى.
ربما لأننا لا ننسى اللحظات الخارجة عن المألوف.
ورغم بساطة لقائنا، وهدوئه،
رغم أنه لم يكن صاخبًا أو دراميًا،
إلا أنه كان مختلفًا...
ببساطته، بتلقائيته، براحة شعوري فيه.
كان شعورًا لا يشبه شيئًا عرفته من قبل.
أتدري؟
لم أعترف لنفسي بكل ما أكتبه الآن،
كذبت شعوري،
وأقنعت نفسي أنه لقاء عابر لا يحمل شيئًا خاصًا.
لكن كنت "أنت"...
أنت بكل تفاصيلك،
ربما ما كنت أبحث عنه دون أن أعلم.
وكنت "أنا"...
بكل خوفي، تحفظي، وهروبي.
هل أحببتك؟
لم أعترف.
وربما... حتى الآن، أُزيّف، أُخفي، أبتعد،
لكنني هذه المرة... لن أنفي.
تفاجأت بتشابهنا...
ألم تحدّثني عن "التوافق"؟
وجدت توافقي فيك.
لم أكن أعلم أنه الحب،
كان شعورًا بالطمأنينة، بالسكينة،
برغبة لا تفسير لها في الاقتراب،
في الحديث دون سبب،
وفي البقاء دون مبرر.
وكأن جاذبية خفية تشدّني إليك،
وأنا أقاوم...
وكلما اشتدّ الجذب،
هربت.
هكذا كان اللقاء،
وهكذا كان ما بعده...
فضاء، فراغ،
كأن شيئًا لم يكن.
أو كأن كل شيء كان... لكنه لم يحدث.
فهل يجب أن يكون الحضور ماديًا؟
أم يكفي حضوره الوجودي... الشعوري... العميق؟
أليس هذا اللقاء الكافي؟
الآن، أكتب... ولا أعرف لماذا.
وربما ليس دائمًا هناك "لماذا" لما نكتب،
ولا لما نشعر.
أجلس الآن،
أنظر من نافذتي الصغيرة إلى الخارج.
أترقب المغادرة،
وأراقب المشهد يبتعد بسرعة،
وصوت المذيع يعلن بداية الرحلة.
كل شيء يتحرك بسرعة...
نرتفع، نعلو،
وأنا أُمعن النظر في الخارج،
لأهرب من الداخل.
بعد دقائق،
أحاط بي اللون الأزرق،
وصغرت الأرض شيئًا فشيئًا.
ابتعدت عنها،
فارقْت،
ولا أعلم إن كنت سأعود.
لكن لساني يتمتم:
"لا يهم..."
أنظر إلى ما أتركه ورائي،
خلفي، تحتي، حولي...
نرتفع أكثر، حتى تغيب الأرض تمامًا.
حتى أعيش البُعد.
وأنا أفكر:
في كل ما يأتي ثم يغادر،
في ما نفقده بقصد أو بقدر،
في كل ما يبتعد... ولا يبتعد.
أبتعد من الأرض إلى السماء...
ولكن،
هل هذا يعني أن ارتباطي بالأرض قد انتهى؟
ثم أغلقت النافذة،
وأنا أشعر أننا...
لا نزال على الأرض.
No comments:
Post a Comment