2025/09/28

تؤمن أمي أن النهايات لا تُؤجَّل ولا تُلطَّف؛
بل تهبط صاعقة، قاطعة، لا رجعة بعدها.
لا ترى في الرمادي ملاذًا،
وتقول:
«ما يؤذينا لا نداويه، بل نستأصله.
القدم التي تُتعبنا نبتُرها.
لا انتظار،
لا تدرّج في الانسحاب،
قرارٌ لحظي صارم.
أن نمشي بقدمٍ واحدة خيرٌ من أن نجرّ أخرى تئنّ في كل خطوة».

لا أنصاف حلول لديها، لا مهادنة.
في عينيها الحسم هو عين الرحمة،
والقرار طوق نجاة.

أما أنا،
فأؤمن بالألوان كلّها،
بالترميم لا بالبتر،
بقداسة الفرصة الثانية،
بالتدرّج في الانسحاب،
وبإغلاق الأبواب بلطف.
أؤمن أن الألم ليس دائمًا إعلانًا للنهاية،
بل نداءٌ خفيّ للإصلاح.
أن ما يجرحنا يحمل في ندبته قصّة شفائه،
وأن ما يُكسر يمكن أن يُجبَر،
ومن يؤذينا قد يرقّ إذا قابلناه بإحساننا.

لكن…
دعك من الأشخاص والعلاقات وكل ما هو عابر.
حدّثني عن الأثر الباقي:
عن المشاعر والأفكار،
عن الاشتياق الذي يسري في العروق.

هل تُبتر المشاعر حقًّا؟
هل نملك اقتلاعها من تربة الروح؟
وكيف نتخلّص من شيءٍ لم يعُد يسكننا، بل أصبحنا نحن مسكنه؟
شيءٍ يسبقنا إلى اليقظة،
ويتأخّر عنّا في المنام،
ويهمس في كل لحظة صمت حتى يملأها بضجيجه.

كيف تُبتر شعورًا
تجده في مرارة أوّل رشفة قهوة،
في ثِقَل الخطوة الأولى من السرير،
في الضوء الشاحب خلف الستائر،
في ظلّ شجرة وحيدة،
في صدى أغنية بعيدة،
في الكلمة التي حبستها،
وفي الفراغ الذي يخلّفه صمتك؟

كيف تُبتر شعورًا
لم يعُد زائرًا بل صار هو الدار،
لم يعُد عابرًا بل أصبح جزءًا من تكوينك؟
كيف يا أمي يُمكن أن نبتر شعورًا،
حتى وإن كان يؤذينا؟

ربما نستطيع أن نعيد تلوين مشاعرنا،
أن نُسكِتها أو نُسمّيها بأسماء غير أساميها،
أن نراوغها ونتجاهلها،
أن نحاول ألّا نشعر بها حين نشعر .

لكن كيف نبترها
دون أن نبتر الروح معها؟
أم أنّ الشفاء لا يأتي بالبتر أصلًا،
بل بالقبول،
بالصبر على ما يبقى حتى يتبدّل؟
يتغير من تلقاء نفسه

وربما…
حان الوقت أن أجلس أمامها لأول مرة
وأقول في سري:
علّميني يا أمي كيف يكون البتر،
...فلعلّي أتعلم منك قسوة الرحمة
فأطبق نظريتك على مشاعري

No comments:

Post a Comment