أَرْخِ قَبضَتَكَ عَنِّي..
وَافْتَحْ
كَفَّيْكَ لأُغَادِر.
أَطْلِقْ سَرَاحِي مِنْ يَدَيْكَ..
وَارْفَعْ
بَصَرَكَ نَحْوَ السَّمَاءِ لِتَشْهَدَ مَرَاسِيمَ غِيَابِي،
وَرَدِّدْ فِي
ذُهُولٍ: "أَلَمْ تُقْسِمِي يَوْماً أَنْ لا طَاقَةَ لَكِ عَلَى فِرَاقِي؟"
ضُمَّنِي
الآنَ كَمَا شِئْتَ.. وَلَكِنْ.. لا تُرَاهِنْ أَبَداً عَلَى بَقَائِي.
سَأُحَلِّقُ عائِدَةً مِنْ حَيْثُ
جِئْتُ،
فَتَعَامَلْ مَعِي وَكَأَنِّي لَمْ أَمُرَّ يَوْماً بِأَرَاضِيكَ.
احْسَبْنِي
حُلُماً طَارِئاً.. أُكْذُوبَةً، أَوْ خُدْعَةً زَيَّنَهَا لَكَ
الوَهْمُ،
فُرْصَةً عَثَرَ بِهَا القَدَرُ،
أَوْ أُمْنِيَةً حَسِبْتَهَا قَدْ
تَحَقَّقَتْ.. لِتُفْجَعَ بِضَيَاعِهَا.
احْسَبْنِي شَيْئاً فَقَدْتَهُ.. سَهْواً.. أَوْ
عَمْداً.
أَجْبِرْ عَقْلَكَ أَنْ يَكْفُرَ بِي!
وَإِنْ هَمَسَتْ لَكَ نَفْسُكَ
يَوْماً: "عِشْنَا مَعاً مَا يَفُوقُ الخَيَالَ"،
فَأَخْبِرِ الخَيَالَ
أَنَّهُ مَحْضُ خَيَالٍ.
حَتَّى الذِّكْرَيَات.. احْسَبْهَا مَحْضَ
هَذَيَان.
تَعَامَلْ مَعِي كَنَوْمٍ عَمِيقٍ حَانَتْ مِنْهُ الإِفَاقَة،
وَدَعْنِي أَمُرُّ كَنَسِيمٍ عَابِرٍ.. بِكُلِّ بَسَاطَة.
لا تَتَشَبَّثْ بِي.. ولا
تَلُمْنِي، وَلا تَسْتَجْدِ بَقَائِي. ولا تَخْرُجْ فِي نَوْبَةِ غَضَبٍ تَمْحُو بِهَا
كُلَّ ذِكْرَاكَ.
أَخْبِرْ نَفْسَكَ أَنِّي امْرَأَةٌ تَتْقِنُ الغَدْرَ والاختفاء والاختباء،
أَوْ
ادَّعِ تارةً أَنَّ مَشَاعِرِي مَجْنُونَة، وتارةً أخرى بِأَنَّني صَخْرِيَّةُ
الشُّعُورِ.. قاسية.
بِأَيِّ قَنَاعَةٍ شِئْتَ.. دَعْنِي أَغِيبُ.
دَعْنِي أَمُرُّ.. لأَعُودَ
لِعَالَمٍ أَسْتَسِيغُهُ،
فَعَالَمُكَ لا يُلائِمُنِي.. وَلا يَسَعُ قَنَاعَاتِي.
عَالَمٌ
مُكْتَظٌّ بِالغُرَفِ المُغْلَقَةِ.. وَالمَنَاطِقِ الوُسْطَى.
عَالَمُكَ
مَبْنِيٌّ عَلَى المُرَاوَغَة..
أَنْتَ تَخْتَبِئُ مِنَ الشَّمْسِ، وَأَنَا
أَبْحَثُ عَنْهَا.
أَنْتَ تَهْوَى المَشْيَ عَلَى الرِّمَالِ المُتَحَرِّكَةِ
وَالزُّجَاج، وَأَنَا أَبْحَثُ عَنْ أَرْضٍ صُلْبَةٍ تَمْنَحُنِي الثَّبَات.
أَنْتَ
تَسْكُنُ عَتْمَةَ الغُرَفِ الَّتِي لا تَطَالُهَا الأَبْصَارُ، وَأَنَا أَعْشَقُ
الفَضَاءَ والأنوار.
جُدْرَانُكَ -بِمَا اتَّسَعَتْ-
تَخْنُقُنِي،
وَيَدَاكَ -بِكُلِّ حَنَانِهَا- تَقْتَلِعُ مِنِّي الحَيَاة!
وَإِنْ
ضَعُفْتُ أَنَا.. وَتَمَسَّكْتُ بِكَ.. فَقُصَّ حِبَالَ التَّعَلُّقِ، وَاكْسِرْ
جَاذِبِيَّةَ هَذَا القُرْبِ.
أَبْعِدْنِي كَيْ أَعُودَ إِلَيَّ.. حَتَّى
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَوْعاً.. أَرْغِمْنِي!
فَالبَقَاءُ مَعَكَ يُوَرِّطُنِي..
وَيَأْخُذُنِي لِمَتَاهَةٍ لا رُجُوعَ مِنْهَا، وَلا أَمَانَ دَاخِلَهَا، وَلا
وُصُولَ فِيهَا.