مالَ إلى سِواكَ فاستُبيح، ووثِقَ
بغيرِكَ فغُدِر، وأسندَ ظهرهُ إلى مَن دونِكَ فخُذِل.
ها هو قلبي؛ الذي استُنزِفَ
نَبضُهُ وتفرّقت في التيهِ أوصالُه، يعودُ اليومَ إليكَ يا الله.
يُريدُ أن يلوذَ
ببابِكَ مِن جديد، أن يطرقَهُ على استحياءِ مُحبّ، وانكسارِ نادم، وجرأةِ واثقٍ لا يرى في الوجودِ سِوى سَعةِ رحمتِك.
أُحبُّكَ يا ربّ
وما زالَ الفؤادُ
بكَ مُعَلَّقاً، يَنشُدُكَ حتى في مُنتهى تِيهِه، وكأنّهُ مَشدودٌ إليكَ بِعُروةٍ
خفيّةٍ لا تُنفَصم؛
يَبتعدُ، ويمتدُّ به المسير،
ثمّ تغلِبُهُ فِطرةُ الشّوقِ
فتجذِبُهُ لِيأويَ إليك.
قلبٌ عاصٍ يُحبُّك، ونفسٌ أثقلتها الخَطايا؛ فهلّا
قَبِلتنا؟
أتحبُّني كما أحبُّك؟ وكيفَ لِمُضغةٍ
مُثقلةٍ بالذنوبِ أن تتّسعَ لطُهرِ حُبِّك ؟
مَن أنا يا ربِّ لِتَسمحَ لي بأن
أحبَّكَ بهذا القدر؟
تَمُرُّ بي لَحظاتٌ تفيضُ فيها عيناي بالدّمعِ بِلا نَحيب، لا
لشيءٍ؛ إلّا لأنّي أستشعرُ حُبَّكَ يملأُ كلَّ ما خلقتَ فِيّ، وأحِسُّ بِحنانٍ
يُجاوِزُ إدراكي يَمسحُ بلُطفٍ على كلّ ذرةٍ مني.
أتأمّلُ سَكناي في قُربِك،
وأتذوّقُ حلاوةَ حُبّي لك، فتسيلُ الدموع، ثمّ أهدأ، ثمّ أطمئنُّ.. وأسكن.
يا ربّ.. أريدُ القَبول، أرجو
المُكوثَ قُربك، وأبتغي طَريقاً لا يَنتهي إلّا عندك
أُريدُكَ أنت.
كيف
تقرّبني منكَ يا ربِّ لتُوقظني وتُنقذني؟ وتنتشلني لِتُنجيني؟
وكيفَ تغمرُ قلبي
بحبِّك، فتُحرّرهُ من كُلِّ ما تعلّقَ به؟
تُفرِغُهُ يا الله من أشياءِ الأرضِ
كلِّها، ليبقى خالصاً لِوَجهك، فارغاً إلّا من حُبِّك؛
تَملؤهُ بِكَ، حتّى لا
يُبقي في زواياهُ مُتّسعاً لِغَيرِك، ولا يبتغي، ولا يحتاجُ سِواك.
اليومَ أعودُ إليك.. لا أدري كيف
أذنتَ لي!
وأنا التي حاولتُ مِراراً وضلَّ سعيي.
أَلِأَنَّ نوايايَ الآنَ فقط
صَدَقَت؟
بِقُدرتِكَ، بِرحمتِكَ، وبواسعِ حُبِّكَ؛ تُطهِّرُ قلبي وتُعيدُهُ إلى
مَهدِهِ الأوّل.
أخلو بِنفسي، أتأملُ سَمائكَ وأرضِك، أتنفّسُ هواء صنعته ، وأنظرُ
إلى قمرِكَ وأنوارٍ تُزيِّنُ جدار السماء..
فيغمرني بَغتةً ذلكَ الشّعورُ القديم الذي أوشكتُ على نسيانِه:
شعورُ السَّلام، والسّكينةِ، والأمانِ في كَنَفِ قُربِك، والاكتفاءِ التامِ بك،
فأُوقنُ حينها أنَّ الأرضَ بما رَحُبت، لا تُساوي لَحظةً واحدةً من هذا الشعور.
وأعودُ لأتفقّدَ قلبي، وأتلمّسَ
أطيافَ مَن تعلّقَ بِهم يوماً، فلا أجدُ فيهِ أحداً سِواك!
أهكذا تُنقِذُني منهم
ومِن نَفسي؟ أهكذا تَرُدُّني إليكَ رَدّاً جميلاً وتَحميني؟
أُحبُّكَ يا ربّ..
بِقلبٍ مهما امتدّت مَساحاتُهُ، واتّسعت تضاريسُه، سيبقى صغيراً جداً، ضئيلاً،
ومُتوارياً جِدّاً.. أمامَ شعورحبِّك.
اليومَ عُدتُ إليكَ يا ربِّ؛ فلا
تسمح لروحي أن تتغرّب، ولا لقلبي -الذي بينَ يديك- أن يبتعدَ عنكَ شُعورياً.. من
جديد.