2026/07/28

 

مالَ إلى سِواكَ فاستُبيح، ووثِقَ بغيرِكَ فغُدِر، وأسندَ ظهرهُ إلى مَن دونِكَ فخُذِل.
ها هو قلبي؛ الذي استُنزِفَ نَبضُهُ وتفرّقت في التيهِ أوصالُه، يعودُ اليومَ إليكَ يا الله.
يُريدُ أن يلوذَ ببابِكَ مِن جديد، أن يطرقَهُ على استحياءِ مُحبّ، وانكسارِ نادم، وجرأةِ واثقٍ لا يرى في الوجودِ سِوى سَعةِ رحمتِك
.

أُحبُّكَ يا ربّ
وما زالَ الفؤادُ بكَ مُعَلَّقاً، يَنشُدُكَ حتى في مُنتهى تِيهِه، وكأنّهُ مَشدودٌ إليكَ بِعُروةٍ خفيّةٍ لا تُنفَصم؛
 يَبتعدُ، ويمتدُّ به المسير،
ثمّ تغلِبُهُ فِطرةُ الشّوقِ فتجذِبُهُ لِيأويَ إليك.
قلبٌ عاصٍ يُحبُّك، ونفسٌ أثقلتها الخَطايا؛ فهلّا قَبِلتنا؟

أتحبُّني كما أحبُّك؟ وكيفَ لِمُضغةٍ مُثقلةٍ بالذنوبِ أن تتّسعَ لطُهرِ حُبِّك ؟

مَن أنا يا ربِّ لِتَسمحَ لي بأن أحبَّكَ بهذا القدر؟
تَمُرُّ بي لَحظاتٌ تفيضُ فيها عيناي بالدّمعِ بِلا نَحيب، لا لشيءٍ؛ إلّا لأنّي أستشعرُ حُبَّكَ يملأُ كلَّ ما خلقتَ فِيّ، وأحِسُّ بِحنانٍ يُجاوِزُ إدراكي يَمسحُ بلُطفٍ على كلّ ذرةٍ مني.
أتأمّلُ سَكناي في قُربِك، وأتذوّقُ حلاوةَ حُبّي لك، فتسيلُ الدموع، ثمّ أهدأ، ثمّ أطمئنُّ.. وأسكن
.

يا ربّ.. أريدُ القَبول، أرجو المُكوثَ قُربك، وأبتغي طَريقاً لا يَنتهي إلّا عندك
أُريدُكَ أنت.
 كيف تقرّبني منكَ يا ربِّ لتُوقظني وتُنقذني؟ وتنتشلني لِتُنجيني؟
وكيفَ تغمرُ قلبي بحبِّك، فتُحرّرهُ من كُلِّ ما تعلّقَ به؟
تُفرِغُهُ يا الله من أشياءِ الأرضِ كلِّها، ليبقى خالصاً لِوَجهك، فارغاً إلّا من حُبِّك؛
تَملؤهُ بِكَ، حتّى لا يُبقي في زواياهُ مُتّسعاً لِغَيرِك، ولا يبتغي، ولا يحتاجُ سِواك
.

اليومَ أعودُ إليك.. لا أدري كيف أذنتَ لي!
 وأنا التي حاولتُ مِراراً وضلَّ سعيي.
أَلِأَنَّ نوايايَ الآنَ فقط صَدَقَت؟
بِقُدرتِكَ، بِرحمتِكَ، وبواسعِ حُبِّكَ؛ تُطهِّرُ قلبي وتُعيدُهُ إلى مَهدِهِ الأوّل.
أخلو بِنفسي، أتأملُ سَمائكَ وأرضِك، أتنفّسُ هواء صنعته ، وأنظرُ إلى قمرِكَ وأنوارٍ تُزيِّنُ جدار السماء..
فيغمرني بَغتةً ذلكَ الشّعورُ القديم الذي أوشكتُ على نسيانِه: شعورُ السَّلام، والسّكينةِ، والأمانِ في كَنَفِ قُربِك، والاكتفاءِ التامِ بك، فأُوقنُ حينها أنَّ الأرضَ بما رَحُبت، لا تُساوي لَحظةً واحدةً من هذا الشعور
.

وأعودُ لأتفقّدَ قلبي، وأتلمّسَ أطيافَ مَن تعلّقَ بِهم يوماً، فلا أجدُ فيهِ أحداً سِواك!
 أهكذا تُنقِذُني منهم ومِن نَفسي؟ أهكذا تَرُدُّني إليكَ رَدّاً جميلاً وتَحميني؟
أُحبُّكَ يا ربّ.. بِقلبٍ مهما امتدّت مَساحاتُهُ، واتّسعت تضاريسُه، سيبقى صغيراً جداً، ضئيلاً، ومُتوارياً جِدّاً.. أمامَ شعورحبِّك
.

اليومَ عُدتُ إليكَ يا ربِّ؛ فلا تسمح لروحي أن تتغرّب، ولا لقلبي -الذي بينَ يديك- أن يبتعدَ عنكَ شُعورياً.. من جديد.

2026/07/27

امسحيها

وكلما أمسكتُ بنظارتي الشمسية لأخبئ عينيّ خلفها، تذكرتك. تذكرتُ كلمتك المعتاده: "امسحيها".

كنتَ تتهمني بالعشوائية والإهمال، وتستنكر كيف ارتديها قبل أن أتأكد من خلو عدساتها من البقع. لم تكن تقتنع يوماً بمحاولاتي، فتنتزعها من يدي بحدة، وتمسحها بعصبية وأنت تردد:
"حتى أبسط الأشياء لا تجيدين فعلها"
 ثم تناولني إياها متأففاً، وكأنك تمنحني الإذن بالرؤية
.

كنتُ أضعها على عينيّ في صمت؛ نصفٌ مني يوهِم نفسه بالامتنان لاهتمامك بتفاصيلي،
ونصفٌ آخر يشتعل باعتراضٍ مبهمٍ لم أمتلك شجاعة فهمه حينها
.

ثم افترقنا...

لكن مع كل مرةٍ أرفع فيها النظارة لأرتديها، كنت ألمح وجهك الحانق ونظرتك المعترضة. وبتلقائيةِ الخائف، وحين يتردد صدى تأففك في أذني، كنت أبالغ في تنظيفها، أفركها بهلع؛ خشية غضبٍ لم يعد موجوداً، وهروباً من لومك اللاذع ونظراتك المشمئزة التي ظلت تطاردني.

إلى أن تبدل الأمر. شيئاً فشيئاً، أصبحتُ أتعمد تركها متسخه.
 أضعها فوق عيني ببقعها، بعشوائيتي التي تكرهها.
 أتركها تحجب عني شمس الظهيرة، وتثبت لي أنني تحررت، وأنني أصحت قادره على رؤية العالم بطريقتي.
فهل تحررت فعلا منك أم أنني لازلت ارى الحياه ببقعك؟

2026/07/12

"هذا فراقٌ بيني وبينك"

 "هذا فراقٌ بيني وبينك"
هو كالإدمان
كأعراض انسحاب النيكوتين من الجسد.
 الوحدة حين تخيّم،
والصمت حين يسيطر
 إنه الفراغ.
 أن توصد الأصوات من حولك فجأة،
 أن تفقد الشعور بالأشياء.
أن تنطفئ الأنوار، وتتوقف الأحداث.
أن تشعر بالبرودة تسيطر عليك؛ تصل إلى أطرافك، تزرقّ أظافرك،
 يخفت صوتك،
ويتشقق من فرط الجفاف حلقك.
أن يتكلموا حولك فلا تسمع.
 أن تحزن عيناك ولا تدمع،
 أن تتسارع نبضاتك
 وتتقلص أمعاؤك، أن تفقد الشهية للطعام، وللحياة، ولكل ما هو مقبل.

أن تمسك بهاتفك، تنبش في احتمالات أن تعود الاتصالات والأحاديث.
أن تتذكر اللحظات، وتومض أمامك الذكريات.
أن تستعيذ بالله من الشيطان؛ لعل وسواس الماضي لا يعاود المرور على عقلك، ولكنه يعود.

أن يستوطنك سؤال: لِمَ؟ وكيف؟ ومتى؟ ولماذا كان ما كان، إن لم يكن الحال سيدوم يوماً؟
أن تشعر بوجوب محاولة النهوض من جديد دون أن تلتفت إلى الوراء
 أن تمضي إلى الأمام وكأن لا قلوباً تعانقت، ولا ذكرياتٍ صُنعت، ولا أوقاتٍ أُهدرت، ولا وعوداً نُكثت...

"هذا فراقٌ بيني وبينك"
تظن الجملة هينةً، خفيفةً، رحيمةً حتى تقع على مسامعك، فتصفعك الحقيقة.
تظل تنتظر أن تكتمل معانيها، وأن يهبك الله العلم والمعرفة لتفهم الحكمة من ورائها؛
 وأن تُنبَّأ بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً في حينه.

2026/07/06

خلفك الشمس

تقف أمام الشمس فتحجب نورها بجسدك. تقف هي خلفك؛ تحجبها فتُخفيك.. تغطيها فتُطفئك. أرقبك ظلاً، كصورة سوداء، وأتأمل المشهد كلوحةٍ فنية: فراغٌ، وغروب، وخلفية، ورجلٌ يتوسط الإطار ليصبح بطله الأوحد. شمسٌ تكاد تغيب، وأنت رغم العتمة، الحاضر الوحيد.

لعل عينيّ تجاوزتا كل ما حولك واستقرتا عليك.
"من أنت؟"؛ سؤالٌ تكرر لشهورٍ واستوطنني. حاولتُ تفكيكه، فرزه، للاقتراب منك حد لمس أعماقك، أن أقرأك بلا حُجب، لكن اليقين ظل يراوغني. أتوهم حيناً أنني رأيتك، وأوقن مراراً أنني لم أفلح.

ربما صدقتَ حين أخبرتني بتضادنا؛ وأن هذا هو سر الانجذاب. غير أن النقيضين لا يجتمعان دون أن يُفني أحدهما الآخر. الأقرب للحقيقة أن كلينا نار؛ نارك متوهجة ظاهرة، وناري خفية قابعة في الأعماق؛ يظنها العابرون رماداً، وهي تستعر تماماً كنارك.

أم نحن مرآةٌ مشروخة تقاوم الالتئام؟ لسنا نقيضين يعجزان عن الالتحام، بل متشابهان يخشى كل منهما الانصهار التام.
أو قد نكون مرآةً يمكن جمع شظاياها لنصنع من الانكسار فناً، كـ "الموزاييك"، حيث يُخلق الجمال من رحم الأشياء المنكسرة
؟

تبدو كمن كفر بالضوء واستوطن الظلام، أو كمن عبث بالألوان طويلاً حتى تحولت حياته إلى لوحة تداخلت أصباغها حد النشاز. تتأرجح صورتك بين رجل متمرد باذخ الأنانية، ومراهق مراوغ يختبئ خلف متاريس الكلمات، وثمة ما يجعلني أراك كطفلي، كطفل ضلّ طريقه؛ فرغم الدهاء الذي يلمع في عينيك، لم يفلح شيء في حجب تلك الومضة التي ألمحها بين الحين والآخر: ومضة ابني الخائف المتردد الذي يبحث دائما عن الدفئ. أم أنني أنا من تختلق ما لا وجود له؟

أو لعلك الزاهد الذي سئم ضجيج الأرض، فيمّم وجهه شطر سماء بلا صراعات، ثم يعود خلسةً إلى المستديره يبحث فيها عما اضاع؟ أم أنك صياد الفرص الذي يرفض الاستسلام والهزيمة؟ من أنت من بين كل هؤلاء؟ الأرجح عندي أنهم جميعاً تواجدوا في تفاصيلك، فصنعوا ذلك الـ "أنت"؛ رجل التناقضات والألوان المجتمعة، المتفرد، الباذخ في كل شئ، مزدحم التفاصيل والصفات، غني الطبائع، مجتمع الشخوص، الواقف الآن أمام الشمس.

تعترف بأنك "رجل سيئ".. ارتكب من الخطايا ما لا يُحصى. ترى في نفسك الظلام، بينما أرى فيك نوراً خافتاً يأبى التجلي. لماذا تتمسك بالعتمة؟ لماذا تصر على الوقوف أمام الشمس؟

— "ممكن تِغَيّر وقفتك؟ تتحرك شوية.. تعالَ كده، مش باين من الشمس".

لا تتحرك. هل لا تسمعني أم لا تراني؟
غارقٌ أنت فيك
أُغير أنا وقفتي، أحيد عن مكاني، أحاول بشتى الطرق أن أضيئ الصورة.. أتحرك، أراوغك وأراوغ الشمس.. ألتف، أُمسك بهاتفي، أصوبه باحثةً عن الضوء.. وأخيراً أفلح.. أضغط الزر.

أفتح الصورة فأراها مهتزة.. لم تأتِ كما تمنيت

. أعود إلى موقعي الأول؛ أنت تقف.. وخلفك الشمس. 

2026/06/29

ثم لماذا

 

والساعة تشير إلى الرابعة فجراً... أخيراً خرج، جاء وظهر. واستبدل مكانه بالفراغ. انتهى شعور الغثيان الذي استمر حتى تمام الشهور واكتمالها.
وانتُزِعَ من بين أحشائي؛ لا، لم ينتزعه أحد... خرج هو... تنفس، أطل، صرخ وبكى بغضب... ليلتقط أنفاسه ويجيء
.

أهذه إذاً الحياة؟ تنفسها، رآها، خرج من هنا، خرج محاطاً بالدم، وبألمٍ لم أعهده من قبل، وجاء استجابة لدعاء وأمنية طال تحقيقها... بإرادة الله؛ لأراه، وألمسه، وأتنفسه، وأقرّبه، وأحتضنه... ولأبقيه حبيس القلب، محفوفاً بالعين، ومحفوظاً بالذكر والدعاء. كنت أخاف... كثيراً عليه...

لكنني كنت أستبقيه بالقرآن، وأستبقي معه الحياة، أراقبها تمرّ من خلاله، وأمررها معه، وأتحمل مرارتها به... كان الأمنية الأهم... والدعاء المجاب. أراقبه نائماً، فأرقيه... أمرر يدي فوق قلبه لأطمئن... بأن نعمة الله لا زالت قائمة، ففي بعض الأحيان من كثرة تعلقنا بالشيء نخاف فقده...
كنت أخاف عليه ملمس الأيدي، واقتراب الأنفاس... وعبث القبلات... كان الأهم... ووحده أصبح المهم... وبه تبدّلت الأولويات، وتغيّر شكل الأيام، وبه تحوّلت مسيرة المشاعر... ومسار الحياة... وكل ما أحمله من حب تحول وقعه منهم إليه
...

ثم ماذا؟

انفلت كل ما فيه. ورغم أنه لم يُنتزع من أحشائي، إلا أنه انتُزع من حياتي. لم يحدث قط أني فرطت، ولكن حدث أن سُلِبَ مني بغتةً.. ذهب ولم يَعُد. كان يقف بجانبي، ممسكاً بيدي، وفجأة، نظرت أمامي وحين عدت لأنظر بجانبي، لم أجده! ذُهلت؛ ألم يكن هنا للتو؟ أنظر إلى يميني ويساري، في الأمام والخلف، حولي، وبيني وبين نفسي: أين ذهب؟ كيف تُسلب منا الأشياء وهي معنا؟

أهذا هو الابتلاء في شكله الأقسى؟ ماذا بعد؟ وكيف أحتمل البُعد؟ أهذا اختبار الصبر أم اختبار الفقد؟ أم اختبار كل ما تعلق به القلب؟ أهذا اختبار التخلي؛ أن تُبتلى فيما تحب؟

مشيتُ أبحث عنه، ألتفتُّ يمنةً ويسرةً، أُجيل بصري وأرفع صوتي. أبحث عنه بحواسي كلها، بمنتهى التعقل.. وبمنتهى حرقة القلب.

ثم ماذا؟

بدأ القلب يبرد، يستسلم، ويحيد عن التفكير. أهذه هي الأمومة في كفرها وقنوطها، أم في ضعفها؟ ألم يقولوا قديماً إن البعد يُقسي القلوب؟ فلماذا فتر قلبه، وانفطرعليه قلبي؟

أشتاق، وأتأذى، ويُعلن قلبي احتجاجه على الحياة بأكملها.
يتردد سؤال "لماذا؟"، ويتكرر...فأتعامل معه وكأنه لم يأتِ.

أكمل الحياة. أمشي فيها. ولكن لا يتركني سؤال "لماذا؟"

2026/06/19

زجاج

أراقبك
 كيف تمشي فوق الزجاج حافياً دون أن تُجرَح؟
الزجاج يتناثر تحت أقدامك، لكنك تمضي فوقه وكأنك تطأ أرضاً صلبة، أو رمال طريه أو دروباً مألوفة تعرف خباياها وتتقن مسايرتها
. هل ثمة من يمشي فوق الزجاج المنكسر، فوق الشظايا الجارحة والقطع الحادة حافياً، دون أن تنغرس إحداها في قدمه؟ دون أن تمزق نسيجه؟ دون أن تُحدث جرحاً، أو نزفاً، أو أثراً؟

أراقبك
 كلما تهشم لوحٌ زجاجي تحت قدمك، قفزت فوراً إلى آخر.
تتوالى قفزاتك، واحدة تلو أخرى، حتى استحالت خطواتك إلى قفزاتٍ متتالية.
لقد أدمنت المضي بهذه الطريقة، يتشقق الزجاج تحتك، وفي اللحظة الحاسمة تنجو بنفسك، وتقفز قبل أن تطالك الشظايا
.. ولكن، هل هي حقاً لا تطالك؟

ألفت الخطر، واستهويتك المغامرة، وتعددت محطاتك، حتى نسيت شكل الأرض، ومعنى الثبات وضرورة المشي.
حتى جاءت تلك اللحظة حين اشتد الهواء وعصفت الرياح، وتطايرت الشظايا لتصفع إحداهن وجهك، وتصيب أخرى رأسك، وكأن الأرض انقلبت لتصبح سماءً تمطر شظايا. تناثرت حولك في كل اتجاه، فجرحت كل ما فيك
.

كيف لك إذن أن تمشي فوق الزجاج فتنجو أقدامك، بينما يتمزق كل ما فيك؟

  

2026/06/06

رماد اسود

 

وتتذكر... البداية.

تتذكر أنها راهنت ذات يوم على "البياض"؛ على قدرته أن يبتلع السواد، وأن يسود على الظلام. راهنت على معادلة النور، وعلى طاقة اللون الأبيض في الاجتياز، والانتشار، ومحو ما دونه حتى وإن حدث ذلك ببطء. راهنت على الخير، والصواب، والفضيلة، وأقسمت أن النور إن فاض وزاد، سيمحو كل بقعة قاتمة.

لكنها تغافلت عن حقيقة أن أساس المعادلة معكوس؛ وأن السواد أقوى، وأطغى، وأكثر شراهة لالتهام كل الألوان. السواد إن ظهر غطّى، وإن استُخدم طمس، وأن مجازفتها بقلب الموازين كانت محض وهم.

وأنت... أنت ذلك السواد الذي توهمتُ قدرتي على تغييره، فغيّرني هو. أنت السواد القوي الطاغي. بفرشاة، بحركة، وبخطوةٍ بدأتَ. بخطةٍ، بترتيب، وبخطواتٍ صغيرة محسوبة ودقيقة زحفتَ. بفرشاةٍ سوداء على ورقةٍ بيضاء، وضعتَ نقطة، فأخرى، ثم أخرى. رسمتَ خطوطاً، شكلتَ وجوهاً، ثم كسرتَ كل الحدود... لتختنق الورقة البيضاء بسوادك، وتتلطخ بالكامل، وتُسلب هويتها.

والآن... كيف نغسل ما اسودّ؟ وكيف نسترد بياضاً افتقدناه؟

تفرج عن شفتيها، فيتسرب الدخان من بينهما، ثم تعاود الكَرّة. تطبق شفتيها علبها وكأنها تمتص شيئاً إلى أعمق نقطة في جوفها... تغمض عينيها، وتشد جفنيها بقوة، ثم تطلق سراح أنفاسها ليتسع فمها في شكل دائري يلفظ ذلك الدخان الأبيض. تفتح عينيها لتراقبه وهو يشكل أطيافاً تتأملها حتى تتلاشى. ترفع كفها، تمرر أصابعها عبر الدخان، تريد أن تلمسه، أن تستشعره...

ثم تعيد الفعل ذاته؛ تسحب شيئاً إلى داخلها، ليخرج على إثره شيء آخر. إلى أين يذهب هذا الهواء المصنوع؟ المصبوغ؟ أين تذوب أشكاله في الطبيعة؟ وفيمَ تتغلغل رائحته؟ ولماذا لا تصمد الأبخرة طويلاً؟ تتلاشى أمامها بلمح البصر، بينما تتوق لو تبقيها عالقة في الهواء لفترة أطول. كيف السبيل إلى القبض عليها؟ ولماذا تلحّ في طلب بقائها؟

تنفث الدخان ببطء شديد لعله يمكث، لكنه يرحل بنفس السرعة... تحتفظ به في جوفها لوقت أطول، تظن أنه سيصبح أكثف وأثقل ليطول أمد بقائه، لكن محاولاتها جميعها تبوء بالفشل. ذلك الهواء، ذلك الدخان الأبيض، يأبى البقاء. أشكاله ترحل دائماً.

تغمض عينيها مجدداً... وتستسلم لإيقاع شفتيها بين الجماد والهواء. وفي عتمة الجفون، تتخيل رسومات الدخان.

تفتح عينيها فجأة... لتجد الرماد الأسود قد ملأ الطفاية البيضاء. تحدق في بياضها الذي شوهه السواد المتراكم. تسدل رأسها ببطء، وتنفث الهواء بقوة نحو ذلك الرماد المتبقي لعلّه يطير، لعلّه يرحل كما رحل الدخان الأبيض الخفيف... لكنه يبقى قابعاً هناك، ثقيلاً، عنيداً، لا يتزحزح.


2026/05/23

 

تظل أثمن لحظات الحياة هي تلك التي نخلو فيها بأنفسنا؛ لا ضجيج، لا كلام، لا أحاديث أو أحداث تستوجب الانفعال. أن تقبع بمفردك، تستمع إلى موسيقاك، تشعل بخورك وشموعك، وتخفت أضواءك لتمارس طقوسك الخاصة. أن تُلقي عن كاهلك وجسدك عباءاتك، وتكون أنت كما أنت.

وإن كنت لا تعرف من أنت... فاستغل تلك الخلوة لتعرف؛ لترى كيف تغيرت، وكيف تحولت، وما الذي اسْوَدَّ بداخلك أو أي أنوارٍ خفت وهجها. لترى ما تبدّل فيك وما يستوجب الانتباه. إنها تلك اللحظات التي أقدرها بحجم الحياة، تعيد فيها حساباتك، تفتح دفاترك، وتُمعن النظر في دواخلك.

سَمِّها هدنة.. سَمِّها هروباً.. أو سَمِّها اختباءً.. سَمِّها ما شئت، فهي -دون أن نشعر- نعيمٌ من الله وأجمل هدايا الحياة.

غير أن دوامة الحياة تأبى إلا أن تنتزعنا من سكينتنا، وتُباعد بيننا وبين ذواتنا. تفرض علينا اندماجاً، يسرقنا منّا، ويذيبنا في الجموع، حتى نصل إلى اغترابٍ موحشٍ؛ نقف فيه أمام المرآة فلا نُبصر سوى ملامح باهتة لا تخصنا.

ولطالما ابتلعتني هذه الدوامة وفقدتُ نفسي في تفاصيلها، غير أنني ما إن أظفر بلحظةِ خلوة، حتى تنتشي روحي وتستعيد توازنها. يغمرني هدوءٌ عميق، وتتضح الرؤية، فأُدرك يقيناً أن شفائي يكمن دائماً في هذا "الابتعاد".

لهذا السبب، أقدس العزلة وأسترق لحظات الهدوء واتتبعها وأبحث عنها وان وجدتها أمسكت بها وقبعت بداخلها. ولهذا أيضاً، تُرهقني فوضى الزحام، وتستنزفني الضوضاء، وكثرة الوجوه، والوجود وثرثرات المجالس.

يستنزفني البشر، وتُثقلني طاقتهم..وان لم أعترف
 ورغم ذلك، ستجدني دوماً في قلب المشهد، لكنني، كي أستمر، أحتاج دائماً للعودة
"إليَّ"؛ الى عزلتي لأن وحدها ما يعينني على البقاء
.

2026/05/20

عطر وموسيقى

يمسك بزجاجة عطره الأولى، ينزع غطاءها، ويرفع ذراعه ليرشّ منها على معصمه. ثم يتناول زجاجة ثانية ليطلق رذاذاً مغايراً تماماً في صفاته وتركيبه عن الأول، باخّاً إياه فوق البقعة ذاتها، قبل أن يتبعهما بعطر ثالث.

لكل عطر منها نوتاته الخاصة، الفريدة، والمتناقضة مع الآخر؛ أحدها عربي شرقي، والآخر فرنسي، وثالثها كلاسيكي معتّق بالزمن. يترقب ثواني، بل ربما دقائق، حتى تمتزج الروائح، وتتداخل، وتهدأ تلك التركيبة التي صنعها. يرفع معصمه ويستنشق المزيج بعمق، ثم ينفث عليه برقة لتتناثر الرائحة وتتشابك بالهواء؛ فتولد رائحه معبقة لا يمكن تشبيهها بعطر واحد. يستنشقها مجدداً، فخور بما صنع من مزيج يحمل كل هذا العمق والتعقيد؛ مزيج لا تجد له وصفاً، لكنه يغويك ويسحبك إليه، مجسداً لذة هروبه نحو دمج ما لا يُدمج، وجمع التناقضات والتمرد على الاكتفاء بمكون واحد.

وفجأة... تتغير الأغنية في مشغل الموسيقى. ينساب اللحن واصلاً إلى مسامعه، فتنتفض حواسه متأثرةً. تلمع عيناه ببريق مبهر، وتبدّل نظراته ملامح وجهه بأكملها. يجلس على الأريكة السوداء التي كان يقف بمحاذاتها قبل قليل.

في تلك اللحظة، يبدو في قمة الارتياح. يستسلم لانتشائه تماماً، يسكن، يهدأ، وتبدو عيناه من شدة اللمعان وكأن فوقهما طبقة مائية سائله شفافة. يركّز في صمت، مبتسماً ابتسامة خفية لا تُظهر أسنانه، محاطاً بهدوء حركي لا يشبهه.

يغمض عينيه، وتبدأ أصابعه في التحرك بحركات إيقاعية، كأنه يمسك غيتاره الخاص ويعزف ذات اللحن دون أداة. ومن شدة اندماجه، يُخيّل إليك أن اللحن نفسه يجري في جسده؛ يحركه، يلمسه، ويثيره، كما يجري الماء في وعاء طيّع، يتدفق فيتحرك الوعاء معه. تنتفخ عروق رقبته مع نوتات الشجن، وتنقبض جفونه المغمضة لتظهر تلك التجاعيد الصغيرة على جانبي عينيه، بينما تتسع الابتسامة الخفية على شفتيه مع نوتات الفرح. يتكئ بظهره أكثر إلى الخلف، وأصابعه الغضّة تواصل عزفها في الهواء، مُرددةً لحناً يحفظه عن ظهر قلب. ومع كل ذروة في الاندماج، تتحد رائحة العطر المصنوع أكثر فأكثر مع الهواء... بينما يستمر هو في العزف على الفراغ.

2026/05/07

قطن أبيض

رفعتُ الفنجان نحو وجهي، فصافحني بخارهُ بحدة؛ مزيجٌ مربك من الروائح. هناك ما أقرُّ بوجوده مما اعترفتَ لي به، وهناك تفاصيل أخرى.. "سر الصنعة" الذي تحرصُ على إبقائه حبيس غموضك، لتُمارس سحرك المعتاد، أو ربما لأنك تخشى الوضوح.

واصلتُ استنشاق قهوتك؛ هيلٌ وشوكولاتة مع القرفة. ورغم اعتيادي على قهوتي "مُرّة" بلا سكر، تنازلتُ في حضرتك عن أرسخ قواعدي، واتبعتُ ذوقك المحلّى. إلى أي حدٍّ سأستمر في هدم ما اعتدت عليه؟

قرّبتُ الفنجان من شفتي.. عبر الطعمُ فوق لساني واستقر في حلقي. بدأتُ رشفه ببطءٍ متعمد لأفكك طلاسمه، ولم يمر الطعم بحاسة التذوق فحسب، بل وكأنه أعطى إشارةً فورية لذاكرتي لِتُؤرشف المذاق ضمن ما لا ينسى.

سألتني بثقة عن رأيي فيما أشرب.

أجبتكَ ببرود مصطنع: "تشبه كل ما تصنع.. في كل شيءٍ تلمسه ثمة مزجٌ بين المتناقضات، جمعٌ لأشياء لا تُجمع، واختلاق لواقعٍ لا يشبه أحداً غيرك."

ابتسمتَ أنت.. وأكملت أنا استطعام القهوة

جلستَ أمامي تبدأ لوحتك الجديدة، أدواتك بجانبك وأنت ثابت في مكانك.  تأملتكَ في صمت.

تراجعتَ أنت إلى الخلف، نظرتَ إلى ما بدأت فيه، ثم نبشتَ بأصابعك بين أدواتك وأمسكتَ بقطنةٍ بيضاء. رفعتها أمامي وقلت:

"أنتِ في حياتي قطنة.. جئتِ لتمتصي سمومي، ولتمنحيني طُهركِ."

أنزلتَ يدكَ والقطنة واتجهتَ نحو لوحتك. أخذتَ بدقة وببطء وحذر تُصلح خطأً كانت ريشتك قد أحدثته للتو. عُدتَ تغرق في تفاصيل اللوحة، بينما غرقتُ أنا في وقع جملتك. كنتُ أنظر إلى يديك وهما تحركان القطنة فوق الورق.. شيئاً فشيئاً، كان بياضها يُطمس بسواد الحبر. وجهك منحنٍ للأسفل، عيناك غارقتان في "التعديل"، وأنا غارقة في طعم القهوة.. وفي يديك، وفي جملتك وفيك.

تسميني "القطنة"؛ تلك التي خُلقت لتمتصَّ أخطاءك وتمنحكَ بياضها الفطري. لكن إلى أي لونٍ ستستحيل قطنتك حين تتشبع بك؟ وماذا ستفعل بها حين تستكفي منها ولا تعود صالحة لتمتص المزيد؟

 أمسكتَ بالقطنة التي اسودّت تماماً، ولم ترمِها في سلة المهملات، بل وضعتها جانباً وأمسكتَ بقطنة جديدة. 

وأنا جلستُ ومذاق القهوة المحلى في فمي، أشاهد كيف تفرط في القطن الأبيض في سبل لوحاتك. 

سياره بلا سقف

هل عدتُ طفلة؟
كانت أسعد لحظاتي دوماً هي تلك التي أترك فيها الهواء يصطدم بوجهي؛ حين يلامسني فأفقد، لوهلة، اتصالي بالأرض. لا أعبأ بخصلات شعري وهي تتناثر، تتشابك، وتغطي عيني، لأبدو كمن استيقظت لتوّها من سُباتٍ طويل. تعيدني اللحظة إلى تلك الطفلة؛ الخفيفة من ثقل التوقعات، الجاهلة بكل شيء، والعارفة به بالفطرة. طفلة لا يعنيها ما سيأتي، مكتفية بـ "الآن" حدّ الامتلاء.

آنذاك، كنت أفتح النافذة خلسة، أترقب صوت أمي من المقاعد الأمامية: "أغلقيها كي لا تمرضي". كنت أستسلم سريعاً، وأنظر إلى العالم من خلف الزجاج، شاعرةً بأن رؤيتي له لا تكتمل إلا بلمسه.

كبرتُ.. وانتقلتُ من المقعد الخلفي إلى جوار "السائق". بضغطةٍ واحدة، كانت النوافذ تُغلق بصوتٍ حازم. "الهواء يفسد ترتيب السيارة، والشمس حارقة". كان يقولها دون أن يلتفت، غارقاً في مكالماته التي لا تنتهي. في سيارته، تعلّمتُ أن أتنفّس هواءً معلباً، وأن أخفض صوتي حتى لا يشتت تركيزه، وألا أشغل الموسيقى لأنها لا تلائم ذوقه. هناك، لكي أسلم.. استسلمتُ.

وحين جلستُ وحيدة في سيارتي ، ظننتُ أنني سأفتح كل النوافذ. لكن يدي ضغطت زر الإغلاق تلقائياً. كان خوفاً من العيون.. من العالم.. من أن يخدش العابرون هشاشتي التي تركتها الخيبات مكشوفة. كان استسلاماً لحارسي الداخلي الذي ظننتُ أنه يحميني، بينما كان يخنقني.

ثم ظهرتَ أنت.

الآن، في سيارتك، أمدّ يدي في الفراغ، أرفعها كطفلةٍ استعادت عالمها المفقود. ألمس الهواء كأنه شيئ يمكن الإمساك به، شيءٌ أحبه، وأعرفه، وافتقدته طويلاً. أغمض عيني، أتنفس.. وكلما أغمضتهما أكثر، اتضح الطريق في مخيلتي بوضوحٍ أكبر.

نحن في سيارةٍ بلا سقف، سماءٌ فوقنا كحليةٍ يكسر سوادها ضوءٌ بعيد. الهواء يحيط بنا من كل اتجاه، يمزج عطرَيْنا ويصنع من اللحظة "حدثاً" يصعب نسيانه. أراك من الجانب: شعرك يتطاير، يدك ثابتة على المقود، وعيناك تلمعان بلونٍ يبدو الآن أفتح، سارحاً، ساحراً.. وأنا مثقلةٌ، ثملةٌ بهذا الشعور. الليل ينتصف، والقمر المكتمل يراقبنا بفضول، والطريق يمتدّ أمامنا بلا وعود.

وبسذاجة، اسأل: "إلى أين نذهب؟". وبلا تردد، تجيب: "وهل يهم؟ التيه معاً أهون من أن يصل أحدنا وحيداً بلا ونس".

أسند رأسي إلى ظهر المقعد، أتركخصلات شعري تتطاير على أركان المكان. أميل برأسي لليسار، أراقبك بصمت. أنت تقود، وأنا أتبعك. تسمّيني "بوصلة"، و"نبراساً".. وأنا التي بالكاد أرى اتجاه قدمي وأتبعك! ومع ذلك، هناك سحرٌ في هذا التيه. ربما لا نعرف إلى أين نمضي، وربما هذا، هو ما يجعلني أُسلّم للمرة الأولى بسلام.

أغمض عينيّ.. أستنشق رائحتك، أستقبل الموسيقى والريح. لا صوت يطالب، ولا يد تمنع.
وأنا استسلم لك وللطريق.

2026/03/29

سراب الطيور

 الحرية؟

ان تحيا بلا حدود

أن تكونَ أنتَ أينما تكون،

بلا فكرةٍ تُقيّدك،

ولا غايةٍ تُسيّرك،

ولا كلمةٍ تُعرّفك

ولا تعلق يثقلك.

أن تعلو عن صخبِ المألوف،

عن أحكامِ العارفين،

وألا تنظر في مرآةِ الآخرين.

أن تكونَ أنتَ…كما أنت،

أن تطير في الأثير

أن تُتقنَ "الاستغناء"،

أن تعلو على الأشياء


أن تنظرَ إلى الطيور… فلا تغبطها،

وأن تسكنَ الأرض… فلا تمقتها،

أن تُحبَّ الحياة، وتفتحَ قلبكَ لها،

فتتنفّسَ هواءها… دون أن تختنق.

أن تكرهَ القيدَ والتكبّلَ والتبجيل،

ألا تكونَ عبدًا لوصفٍ، أو صنفٍ،

أو "أنا".. أو تشبيه.

أن تتفرّد… وإن انفردت،

أن تسكنَ نفسك… وإن اعتزلت.

ألا تكونَ غيمة تعوم في الأثير،

-------------------

أهذهِ الحرية؟ ما الحرية؟

"أن تفعلَ ما لا يؤذي الآخرين"..

تلكَ الجملةُ التي رضعناها، واختزلنا فيها الوجود،

فكبرنا مكبّلين بوعودِها،

وسقطنا في أقفاصٍ من حرير.

والمأساةُ.. كلُّ المأساة، أننا لم ندركْ أنها قضبان.

طبعَتنا، فألفناها، فتأقلمنا،

حتى تماهينا معها وسكنّاها..

دون أن نعلمَ أننا لا نعانقُ سماءً، بل نقتاتُ على الوهمِ داخلَ السياج.

ثم صرخنا: "البراح".. "السراح"!

تمردنا على الأرضِ والقضبان،

أردنا الحريةَ التي تُعاش.. لا التي تُقال.

وحين تذوّقناها.. ثمّنّاها،

أدمنّا الهروبَ إليها، وصارت هي الفكرةَ والمبدأَ والغاية.

قلنا: "لن نعود".. فالحريةُ وما دونها عَدَم.

لكن.. للحريةِ لعنة! جاذبية

تجذبُكَ كهاويةٍ ، تسحبُكَ بعيداً..

حتى لا تعودَ تُطيقُ قيداً أو استقراراً.

تكرهُ الثبات، وتهربُ من كلِّ فكرةٍ توقفُ تحليقَك.

تطيرُ.. حتى تضيعَ منك ملامحُ الدار،

وتسقطَ في عتمةٍ باردةٍ.. أنانية.

لا تعبأُ بأحد، ولا يبالي بك شيء.

تلكَ كبوةُ الحرِّ حين يُغويهِ المدى

فلا يجدُ "النور" الذي بحثَ عنه،

بل يجدُ نفسَه قد عادَ عبداً..

لشيءٍ آخر، أكثرَ سطوةً، وأشدَّ قسوة.. عبداً لسرابِ مهاجرا من الطيور. أخطر أنواع العبودية هي تلك التي نختارها ونسميها حرية، وأقسى أنواع الضياع هو أن تملك الأجنحة ولا تملك وطناً تهبط فيه

2026/03/25

 ثَمّةَ حُبٌّ لا نُعلنه، نَستودِعُه خَزائنَ السِّرِّ، ونُخبّئُه في مَواطِنِ الغَيْب، ونُسمّيهِ "شيئاً خاصاً جداً"
 خُلقَ فينا ولنا.
نَخشى عليهِ هَواءَ الأرضِ وضَوْءَ العَلَن؛ مخافةَ أن يَتلوَّثَ، أو يَتسرَّبَ إلى لسانِ الحكاياتِ فيَفْسُد.
كأنَّه شأنٌ سَماويٌّ بَحْت، أرَقُّ وأطهَرُحتى مِن انْهِمارِ المَطَر.

نَكادُ مِن فَرْطِ الحِرصِ ألّا نَعترِفَ بهِ لأنفُسِنا، نَذودُ عنه سِهامَ الأعين، ورَجمَ الظنون، ولَغْوَ القول.
يسكنُ "هُنا" فقط
 في حَنايا القَلْب، وأغوارِ الرُّوح، وبَينَ الجَفْنِ والـمُقْلَة.
لا يُترجمُه لَفْظٌ، ولا يَمُرُّ عبرَ حَنْجَرة؛ نَعتكِفُ بهِ في الدّاخلِ وننأى بهِ عن الخارج،
كالصَّلاةِ، كالدُّعاء، ككلِّ عِبادةٍ لا نُجاهرُ بها.

ليسَ لأنَّه هَشٌّ، بل مِن فَرْطِ قَداسَتِه ونُدرتِه،ومِن شِدَّةِ التحامِه بِنا؛
 فكلُّ ما يخرجُ للعَلَنِ يَستحيلُ "مادّةً" مَلموسة، ونحنُ نُريدُه مَشاعرَ لا تُمسّ.
هذا هو الحُبُّ كما أعرف: خاصٌّ، قُدسيٌّ، ومُترَفِّعٌ عَن المَشاع فِعلٌ حَميميٌّ لا يَقبَلُ الشَّراكة، خُلِقَ لَنا، وبِنا، ولِأجلِنا
 لِنَعيشَه وَحْدنا .

2026/03/17

قطرة

وهذه هي الحكاية إذاً.. هكذا تبدأ الأشياء، وهكذا تبدو.. تتضح وتتبلور.

هكذا يرتب الله المشاهد والشواهد، هكذا يقرّب ويباعد. هكذا يسير بنا، يَسُرُّ قلوبنا، ونُسَرُّ لبعضنا.
وإلى هنا يأتي بنا، نلتقي فنتلاقى، نألف الآخَر فنتآلف.

هكذا يزيل الله المساحات والمسافات والأمتار، والعراقيل، والمفارقات، ليضعنا في أماكننا، في الطرق الأنسب لنا
 يأخذنا إليها بلا جهدٍ منا.

هكذا يصرّف ويغيّر، وهكذا تتعرقل السبل، تتداخل وتتعقد؛  لتتضح الصورة فيما بعد، لتظهر التفاصيل، ونفهم ما لم نفهمه سابقاً.

يصبح الشبه، والتماهي، والتقارب والتماثل والتلاقي بيننا وبين ما يناسبنا كالمعجزة، كالقدر وكالحدث المنتظر.

هكذا تبدو الأشياء سهلة، ميسرة، مناسبة، منسابة، مترقرقة ومتماشية بلا جهدٍ ولا مجهود، بلا محاولات ولا إجبار، بلا حيرة، ولا تحفزوبلا قلقٍ أو تفكير.

هكذا إذاً تأتي الأشياء

هكذا تسقطُ في بحرنا؛ موجةً تلو موجة، في تناغمٍ وإحلال لا تضاد ولا فوارق. تأتي حيث تنتمي فتذوب.

ينسابُ الماءُ بتلقائيةٍ مذهلة. أطرافُ الموج تتلامس، تتشابك، وتتعانق  يصعبُ فراقها. تعلو لتبلغَ ذروة المدى، ثم تهبطُ معاً إلى القاع.. دون أن ينفكَّ وثاقها
. هنا عالمٌ أوحد، مقتطعٌ من صخبِ العالمِ الأكبر. ربما لا أحد يدركُ السرَّ سوى البحر؛ كيف يأذن لقطرةٌ بالدخول.. فتصيرُ هي البحر

2026/03/09

تأملات ال 33

 أقف أحيانًا أمام نفس الأبواب التي أغلقتها يومًا، بعدما نالني ما نالني من التواجد خلفها، أكاد أعيد فتحها بعد أن أنسى. ذلك النسيان، تلك الغمامة الرحيمة التي تمسح عن أعيننا قسوة المشهد القديم لتدفعنا خطوةً إلى الأمام، تسرق منا أيضًا بخبثٍ ذاكرة الوجع. ننسى كيف انقبضت قلوبنا، وكيف بهتت ملامحنا، ننسى طعم الوجع وتضاريس التجربة، فننظر إليها بحياد، أو بذاكرة من لم يعشها، لنجد أنفسنا نمدّ أيدينا مرة أخرى لنفس الباب، لنفتحه وندخل إلى النار، ظنًا منا أنها هذه المرة قد تكون بردًا وسلامًا.

كنت أظن أنني أُمسك بخيوط حياتي؛ أتحكم فيها، أقرر وأخطط وأحسب. ثم أدركت من التجارب أن يدي لا تمسك شيئا ولا تلمس الا هواء وأن العين لا ترى ، وأنني مهما أمعنت النظر لا أبصر، ومهما بدت الأشياء واضحة تظل رؤيتنا ناقصة. صرت أجلس مع استخاراتي مع مطالباتي الالهيه، أُسكت ذلك الصوت اللجوج في رأسي، وأهمس بصدق : "دبّر لي، فإني لا أحسن التدبير. أرِني طريقي، اختر لي، اجعلني أنظر فأرى، وامشِ بي."

أصبحت أُفلت كل الخيوط، وأسلّم، وأمحو ترقّب النتيجة من قلبي. أنتظر اختياراته وقراراته، وأتيقن بأن الطريق سيظهر، وبأن الأسفلت سيتحوّل إلى طريق، وبأن شيئًا ما سيأخذني حيث الخير الذي يريده لي. أصبحت أجد سكينة التسليم تتسلل إليّ، تسليمٌ لمن لا يضيع أجر من أحسن عملًا... تسليمٌ لمن لا يترك، ولا يُخيّب، ولا يظلم.

في الماضي، كانت أي كلمة نقد تستنفر كل جيوشي الدفاعية. أما الآن، حين تُرمى الكلمة، لا أفكر في من قالها، بل أسأل نفسي: "ماذا لو كان هذا الناقد يحمل مصباحًا ينير لي زاويةً معتمة كنت أتعمد تجاهلها؟

وبنفس هذا الهدوء، تساقطت جدران خوفي من غضب الآخرين. أتذكر المرة الأولى التي جفّ فيها حلقي وأنا أنطق كلمة "لا" خائفة؛ كنت أنتظر عاصفة الغضب، لكن الصدمة كانت في السكون الذي تلاها. لم يغضب أحد، بل أصبحت المساحات بيننا أوسع وأكثر نقاءً.

أدركت حينها أن الناس يتحركون مثقلين بندوبهم وطبقاتهم النفسية، وأن سهامهم غالبًا ما تكون طائشة؛ لا تقصدني شخصيًا، بل تعكس فوضاهم الداخلية. فتعلمت أن أتركهم لما يحملون، وانسحبت بهدوء خلف جداري الزجاجي.

من فرط ما فقدت، تبدلت نظرتي لكل شيء. لم يكن درسًا سهلًا، بل ضريبة قاسية دفعتها من رصيد قلبي الذي اعتاد التشبث. محوت جملة "مستحيل أن أفعل ذلك" من قاموسي، حين رأيت الأرض تميد تحت أقدام ثوابتي القديمة، وكيف أن ما نعيبه اليوم قد نرتديه غدًا. صرت أمشي بخفة، لا أحمل معي ما يثقل خطوتي في الرحلة، فقد علّمني الاستغناء أن هذا العالم، بكل ما فيه من صخب، أصغر بكثير من أن نقبض عليه بأيدينا.

ولطالما توهمت أن الشجاعة هي أن أظل واقفة في ساحات غير قابلة للحياة، أردم طرقًا حجرية وأرمم جدرانًا آيلة للسقوط حتمًا. لكنني تعلمت، بعد طول استنزاف، أن البطولة الحقيقية تكمن أحيانًا في الانسحاب. أن تعرف متى تحارب بشراسة، ومتى تدير ظهرك لطريق ليس لك.

وما بين السعي والانسحاب، يقف الصبر كالصحراء الممتدة؛ تمشي فيها ولا ترى نهاية لخطواتك، وأحيانًا تساق لك نتائج عكس ما تمنيت. لكن قلبك يظل موقنًا بأن خلف هذه الرمال واحة خبأها الله لك، وأن الغد يحمل اختلافًا يليق بوعده:
"ولسوف يعطيك ربك فترضى."

ألتفت إلى الوراء الآن، فأرى كيف تقاطعت طرقي مع غرباء صاروا ملاذًا، وكيف أرسلني الله أو أرسلهم في اللحظة الدقيقة التي كاد فيها الخيط أن ينقطع. تترتب المشاهد أمامي لتخبرني أن الحياة، على قصرها، أبسط بكثير من هذا التعقيد المنهك الذي ننسجه حولها. وأن النجاة الوحيدة، وسط كل هذا التيه، هي أن تظل بوصلة القلب، وبصر الروح، وسكن النفس معلّقة دائمًا بالله.

2026/03/05

خذلان

ألقى بجسده داخل السيارة وصفق الباب بعنف. رمى هاتفه على المقعد المجاور، وأرخى كفيه لتسقطا بثقل فوق فخذيه. النوافذ مغلقة، والهواء راكد، وهو مستسلم تماماً.

في عتمة الساحة التي تحجب الوجوه، تهاوت صرامة ملامحه التي طالما جاهد للاحتفاظ بها. هنا، حيث لا شهود، انخرط في بكاءٍ حارق لم يعهده من قبل. تلاحقت أمامه صور الخذلان المتتالية، تسحب معها كل ما تبقى من طاقته وحضوره.

فجأة، انتفض وكأن ضعفه أخافه. امتدت ذراعه إلى الخلف دون أن يلتفت، تحسس علبة المناديل، سحب ورقة تلو أخرى، ومسح وجهه بعنفوان. تنفس بعمق، ودس المنديل المبلل في جيبه.

اعتدل في جلسته. صوت النداء الأخير ما زال يتردد في رأسه. ضغط زر التشغيل، فزمجر المحرك، واندفع هواء المكيف البارد مختلطاً بصوت المذياع. خفض الصوت، وربط حزام الأمان بحركة آلية محضة.

بدأ في التراجع ببطء. لم يكلف نفسه عناء النظر في المرآة أو الالتفات للخلف؛ فقد حفظ هذه المساحة عن ظهر قلب. لكن مع كل متر يتراجع فيه، كانت المسافة تبدو وكأنها تضيق. زاد من ضغطه على دواسة الوقود، مدفوعاً برغبة محمومة في الهروب، في إنهاء هذا التراجع بأسرع ما يمكن.

ضاقت المساحة حتى انعدمت. حرك المقود يميناً ويساراً، حاول التقدم ليعدل مساره ثم التراجع مجدداً، مرة بعد مرة، بلا جدوى. صوت احتكاك معدن السيارة بالجدار خدش سكون الليل. أطفأ المحرك، أو ربما انطفأت رغبته في المحاولة. أسند رأسه إلى عجلة القيادة، وحدق في الفراغ أمامه عبر الزجاج... لم يكن هناك مسار للتقدم، ولا مساحة للعودة.

2026/02/27

لحظة خروج

 لم يعلم يعد هناك سوى ذلك الممر الضيق الذي يبتلعها، صمت مطبق يغلف روحها وهي تتلاشى عن الأنظار نحو جوف الطائرة. هذا هو المشهد الأخير إذا.

قبل دقائق، كانت أصابعها ترتجف وهي تطوي شاشة الهاتف، ونبضاتها تقرع صدرها بعنف. الكلمات التي التهمتها في الرسائل المتلاحقة كانت إقرارا قاطعا بأن قرار الرحيل حتمي. لم تُجب...اكتفت بالصمت وهي تقف خلف الزجاج العريض، ترمق الطائرة كوحش معدني ينتظر انتزاعها من أرضها، أو ربما كطائر أبيض خرافي جاء من السماء لإنقاذها، الأيام وحدها هي من سيصنف هذا الكائن.

كانت قاعة الانتظار باردة، تماما كبرود مشاعرها، أو ربما كانت تحاول "ألا تشعر" هربا من طوفان تعرف أنها لن تقوى على مواجهته. وقفت أمام الزجاج الذي بحجم جدار، تتساءل عن الكاذب الذي أقنعها بأن الهدم أسهل من البناء، بينما تشعر أن هدم حياتها السابقة كان أشبه باقتلاع الروح من الجسد.

طخ...
ذلك الصوت المدوي لختم جواز السفر لا يزال يطن في أذنيها، وربما لن يغادرها أبدا. لم يكن حبرا، كان فأسا يهوي على ما تبقى من صلتها بهذا المكان. قبل هذا الصوت بلحظات، كانت تهمس لنفسها برجاء مستميت: "لا تراجع"، وهي تتخطى الضابط بخطوات آلية، هاربة من عينيه...عيني سجانها التي لم تجرؤ على النظر فيهما وهي تودعه. مضت نحو الطائرة، تسحب جسدها سحبا
.

المستقبل أمامها ضبابي، والقلب استنزِف حتى آخر قطرة، بينما تتخدر الأفكار بالتركيز على روتين المطار الرتيب. عيناها تنظران ولا تريان سوى أطلال حياة تهدم، وتدرك أن التفاتة واحدة للوراء كفيلة برؤية حياتها وهي تسقط كناطحة سحاب تخور في صمت.

"ألا تريدين العودة؟كانت هذه آخر جملة سمعتها بصوته، خرجت من أعمق نقطة في روحه. ولأول مرة، رأت الدموع تترقرق في عينيه. في تلك اللحظة، فكرت في التراجع. شعرت بالشفقة تأكل أحشاءها، وتساءلت بمرارة: "أهذا هو مرض الضحية التي تقع في غرام جلادها؟"

خافت أن تتمعن فيه وتضعف. أتعود؟ وإلى أي طريق؟ وهل تبقت طريق أصلا تحت قدميها؟ رأفة به، لم تجبه. ورأفة بنفسها، ودعته وجرت خطواتها نحو بوابات المغادرة كآلة مبرمجة.

ورغم رسالته الأخيرة، لا تزال تتذكر انكساره، وملامحه المنسحبة. التعاسة لا تكفي لوصف ارتعاشة يديه أو انطفاء بريق عينيه اللتين طالما رمقتاها بقسوة. حتى نبرته انكسرت...لأول مرة تراه بهذا الشكل. ورغم ذلك، ظل يمارس دوره المعتاد في حمايتها، يحمل حقائبها، وينهي الإجراءات نيابة عنها بصوت خافت.

مع كل خطوة كان يخطوها لأجلها، كان ذنب ثقيل يتسلل إلى صدرها، قابعا هناك منذ زمن، يتغذى على أفكارها، منتظرا هذه اللحظة ليشل كيانها ويحثها على التراجع. ولكنها ثبتت.

في بداية ذلك اليوم، وقبل أن تطأ قدماها أرض المطار، تذكرت مقولة طبيبها النفسي: "لحظة خروج المسجون من زنزانته غالباً ما تكون أقسى من سنوات سجنه". الآن فقط، وهي تتنفس هواء الطائرة الغريب، أدركت ما كان يقصده. الحرية ليست دائماً خلاصاً، أحياناً تكون هي الزنزانة الأكبر لمن اعتاد القيد.