2026/02/07

تؤام

أنظر إلى النافذة بجانبي.. عتمة الخارج وأضواء الداخل حولت الزجاج إلى مرآة عاكسة. لم أحتج لإطالة النظر، فمن اللحظة الأولى.. رأيتها أمامي.

رأيتها وكأنها لا تزال تجلس في تلك الغرفة المكدسة بالأشياء، تتكور بجانب السرير الكبير، وتبكي. قد لا تنزلق الدموع من عينيها، وقد تواري وجهها بيديها، لكنها تبكي في الداخل. أتعرف شعور أن يبكي الإنسان داخلياً؟ أن ينهار المبنى على ساكنيه دون أن يتصاعد غبار إلى الخارج؟ أنا أعرفه.. أعرفه جيداً لأنني عايشته معها.

تركتها هناك.. في ذلك المنزل الكبير، في الدولة التي أكلت أعمارنا، وبين الجدران التي استُخرجت منها شهادة ميلادنا، وشهدت هي ذاتها على انتهائنا. لا تزال عالقة في نفس الدائرة؛ تسميها حياةً 'فُرضت عليها'، وأسميها أنا حياةً 'لم تفعل هي شيئاً لتغييرها'.

أراها الآن وقد استيقظت متأخرة، تقبع على حافة السرير بيأس، تجر قدميها لوظيفة لا تحبها، تتقبل كل شيء بخضوع، وتمرر الأيام دون أن تتوقف لحظة لتسأل: 'أين أنا من كل هذا؟'.. والموجع أكثر، أنها تسمي هذا 'نجاحاً واستمراراً'.

هل ستتغير حياتها بعد رحيلي؟ أشفق عليها، وددت لو مددت يدي لإنقاذها، لكن.. هل كنت صادقة بما يكفي؟ أم كنت أنانية حين تركتها؟
هل تعمدت ألا آخذها معي للمستقبل الذي اخترته لنفسي؟
نعم.. لم أرغب في صحبتها. تسللتُ من المنزل، وتركتها خلفي دون أن أخبرها. كان عليّ أن أحملها، أن أرفعها، لكنني لم أرد تكبّد عناء حمل الأثقال.. كان مبدئي في هذه الرحلة هو 'التخفف'.

ولكن.. هل هذا الفراق سينسف تأثيرها عليّ؟ أم أن صوتها سيظل يوسوس في قراراتي ورؤيتي للعالم؟
السيارة تمضي، وصورتها مرتسمة على النافذة، ملتصقة بالطريق.
 أحاول الهروب منها، فتسبقني نظراتها في الانعكاس.. وحين أشيح بوجهي عن النافذة، أفقد معرفتي بالطريق.

No comments:

Post a Comment