يضع المفتاح في الباب الزجاجي، لا يدخل. هل العطب في الباب أم في المفتاح أم فيهما معا؟ يكرر المحاولة؛ يسحب المفتاح، يعيده إلى موضعه، يحركه في الاتجاه الآخر لعله يفلح، لكنه يفشل وتبقى النتيجة ثابتة. يسحبه بعنف ناتج عن غضب اليأس، ومن شدة السحبة يتحرك الباب ويفتح!
يتساءل: هل انكسر؟ أم أنه كان مفتوحا منذ البداية ولم ينتبه؟
يدخل، وجوه تنظر إليه بعيون مصوبة مباشرة نحوه، وآذان تنتظر تفسيرا: لماذا اقتحم عالمهم؟ وأفواه صامتة لا تعلق. يخطو بقلق، والخوف يطغى بداخله، وصوته يغطي على الصمت كله: لماذا فتحنا الباب؟ لماذا دخلنا من الأساس؟ ألم يكن أولى لنا أن نستسلم لذلك الإغلاق؟
ينظر خلفه إلى الباب الذي لا يزال مفتوحا إثر مروره، لكن شيئا في داخله —ربما الفضول الذي يتغذى على المجهول، أو الحدس — يأمره بالعدول عن فكرة الرجوع. لا تراجع ولا عودة. يمضي، ولأول مرة لا يمنعه الخوف.
يبادر أحدهم بأكثر سؤال منطقي: أين نحن؟
يجيبه الآخر بلا مبالاة: إذا كنت لا تعرف أين أنت، فلا تسأل. كان عليك أن تسأل قبل أن تأتي، لا بعد أن وصلت.
يمشي، فيراها. تلك المرأة التي التقاها ذات صدفة في لحظة عابرة من العمر. ولأول مرة منذ دخوله، يعود إلى نفسه، يلتصق بكيانه، وتتدفق الذاكرة كاملة إلى عقله، يتذكر اسمها وملامحها وقصتهما والدرب التي جمعتهما. أما النهاية؟ هل كانت هناك نهاية أصلًا؟ لا يتذكر ما صار، وهل صار شيء من الأساس؟
بتلقائية خالصة تقوده قدماه إليها، يقف أمامها، لا يعرف كيف تشكلت تعابيره في هذه اللحظة، ولكنها كانت تبتسم.
شيء في داخله يتحرك، شعور قديم أم جديد؟ كيف يجتمع الشعوران معًا ويمتزجان ليخرجا "شعور الآن"؟ وحتى هذا الشعور لا يعرف ماهيته. يقترب أكثر، ينظر في عينيها كأنه يبحث عن تكملة لقصتهما: أين انتهيا أم ترى الحكاية اكتملت؟
لا تجيب، ولكنها تباغته بسؤل: لو رأيت النهاية بوضوح عبر ذلك الزجاج، هل كنت ستضع المفتاح في الباب؟
No comments:
Post a Comment