2026/02/19

باب زجاجي

 يضع المفتاح في الباب الزجاجي، لا يدخل. هل العطب في الباب أم في المفتاح أم فيهما معا؟ يكرر المحاولة؛ يسحب المفتاح، يعيده إلى موضعه، يحركه في الاتجاه الآخر لعله يفلح، لكنه يفشل وتبقى النتيجة ثابتة. يسحبه بعنف ناتج عن غضب اليأس، ومن شدة السحبة يتحرك الباب ويفتح!

يتساءل: هل انكسر؟ أم أنه كان مفتوحا منذ البداية ولم ينتبه؟

يدخل، وجوه تنظر إليه بعيون مصوبة مباشرة نحوه، وآذان تنتظر تفسيرا: لماذا اقتحم عالمهم؟ وأفواه صامتة لا تعلق. يخطو بقلق، والخوف يطغى بداخله، وصوته يغطي على الصمت كله: لماذا فتحنا الباب؟ لماذا دخلنا من الأساس؟ ألم يكن أولى لنا أن نستسلم لذلك الإغلاق؟

ينظر خلفه إلى الباب الذي لا يزال مفتوحا إثر مروره، لكن شيئا في داخله —ربما الفضول الذي يتغذى على المجهول، أو الحدس — يأمره بالعدول عن فكرة الرجوع. لا تراجع ولا عودة. يمضي، ولأول مرة لا يمنعه الخوف.

يبادر أحدهم بأكثر سؤال منطقي: أين نحن؟

يجيبه الآخر بلا مبالاة: إذا كنت لا تعرف أين أنت، فلا تسأل. كان عليك أن تسأل قبل أن تأتي، لا بعد أن وصلت.

لم يفهم، ولكن النبرة أجبرته على الصمت.
 ويمضى.

يرى طفلا لم يتجاوز الرابعة، يحدق فيه بعينين واسعتين، فيبتسم له. لكن وجه الطفل رغم براءته كان خاليا من أي تعبير سوى ابتسامة تبدو مرسومة أكثر منها حقيقة.
يسأل الطفل: ما اسمك؟ لا جواب. يغير السؤال: أين أهلك؟
 صمت. هل الطفل لا يسمع؟ ولماذا يبتسم إذن؟ الأطفال لا يملكون خبث الكبار، لو سمع لأجاب، بالتأكيد لم يسمع.

ينظر الى الطفل فيشعر وكأن الطفل باستسلامه وهدوئه يشجعه على الا يسأل ان يقنع بوجوده.
لكن الطفل يفاجئه بسؤال: الباب كان زجاجي، ألم ترى خلفه؟
يحاول أن يتذكر، هل كان الباب يكشف ما خلفه؟ لم ينتبه ام كان مركز في الفتح اكثر من النظر؟
يتخطى الطفل ويكمل.

يمشي، فيراها. تلك المرأة التي التقاها ذات صدفة في لحظة عابرة من العمر. ولأول مرة منذ دخوله، يعود إلى نفسه، يلتصق بكيانه، وتتدفق الذاكرة كاملة إلى عقله، يتذكر اسمها وملامحها وقصتهما والدرب التي جمعتهما. أما النهاية؟ هل كانت هناك نهاية أصلًا؟ لا يتذكر ما صار، وهل صار شيء من الأساس؟

بتلقائية خالصة تقوده قدماه إليها، يقف أمامها، لا يعرف كيف تشكلت تعابيره في هذه اللحظة، ولكنها كانت تبتسم.

يسألها: أين نحن؟
يتوقع أن تطمئنه كما كانت تفعل دائما، لكنها تجيبه: لا أعرف.

شيء في داخله يتحرك، شعور قديم أم جديد؟ كيف يجتمع الشعوران معًا ويمتزجان ليخرجا "شعور الآن"؟ وحتى هذا الشعور لا يعرف ماهيته. يقترب أكثر، ينظر في عينيها كأنه يبحث عن تكملة لقصتهما: أين انتهيا أم ترى الحكاية اكتملت؟

تسأله هي: كيف جئت
-كان الباب مغلقًا، لكنه فتح من تكرار المحاولة.
-وهل الأبواب المغلقة تفتح دون مفاتيحها؟
-نعم، وقد تفتح من تلقاء نفسها.
-إذن هو القدر أنت لم تبذل جهد؟
-اخترت أن أفتحه، فأذعن القدر. أين نحن الان؟

لا تجيب، ولكنها تباغته بسؤل: لو رأيت النهاية بوضوح عبر ذلك الزجاج، هل كنت ستضع المفتاح في الباب؟

استدار بحدة لينظر خلفه، ليتأكد.
مشى نحو الباب...وهناك، ظهرت الحقيقة: الباب زجاجي تماماً، ولكنه عاكس...لا تظهر عليه إلا صورته.


No comments:

Post a Comment