2026/02/27

لحظة خروج

 لم يعلم يعد هناك سوى ذلك الممر الضيق الذي يبتلعها، صمت مطبق يغلف روحها وهي تتلاشى عن الأنظار نحو جوف الطائرة. هذا هو المشهد الأخير إذا.

قبل دقائق، كانت أصابعها ترتجف وهي تطوي شاشة الهاتف، ونبضاتها تقرع صدرها بعنف. الكلمات التي التهمتها في الرسائل المتلاحقة كانت إقرارا قاطعا بأن قرار الرحيل حتمي. لم تُجب...اكتفت بالصمت وهي تقف خلف الزجاج العريض، ترمق الطائرة كوحش معدني ينتظر انتزاعها من أرضها، أو ربما كطائر أبيض خرافي جاء من السماء لإنقاذها، الأيام وحدها هي من سيصنف هذا الكائن.

كانت قاعة الانتظار باردة، تماما كبرود مشاعرها، أو ربما كانت تحاول "ألا تشعر" هربا من طوفان تعرف أنها لن تقوى على مواجهته. وقفت أمام الزجاج الذي بحجم جدار، تتساءل عن الكاذب الذي أقنعها بأن الهدم أسهل من البناء، بينما تشعر أن هدم حياتها السابقة كان أشبه باقتلاع الروح من الجسد.

طخ...
ذلك الصوت المدوي لختم جواز السفر لا يزال يطن في أذنيها، وربما لن يغادرها أبدا. لم يكن حبرا، كان فأسا يهوي على ما تبقى من صلتها بهذا المكان. قبل هذا الصوت بلحظات، كانت تهمس لنفسها برجاء مستميت: "لا تراجع"، وهي تتخطى الضابط بخطوات آلية، هاربة من عينيه...عيني سجانها التي لم تجرؤ على النظر فيهما وهي تودعه. مضت نحو الطائرة، تسحب جسدها سحبا
.

المستقبل أمامها ضبابي، والقلب استنزِف حتى آخر قطرة، بينما تتخدر الأفكار بالتركيز على روتين المطار الرتيب. عيناها تنظران ولا تريان سوى أطلال حياة تهدم، وتدرك أن التفاتة واحدة للوراء كفيلة برؤية حياتها وهي تسقط كناطحة سحاب تخور في صمت.

"ألا تريدين العودة؟كانت هذه آخر جملة سمعتها بصوته، خرجت من أعمق نقطة في روحه. ولأول مرة، رأت الدموع تترقرق في عينيه. في تلك اللحظة، فكرت في التراجع. شعرت بالشفقة تأكل أحشاءها، وتساءلت بمرارة: "أهذا هو مرض الضحية التي تقع في غرام جلادها؟"

خافت أن تتمعن فيه وتضعف. أتعود؟ وإلى أي طريق؟ وهل تبقت طريق أصلا تحت قدميها؟ رأفة به، لم تجبه. ورأفة بنفسها، ودعته وجرت خطواتها نحو بوابات المغادرة كآلة مبرمجة.

ورغم رسالته الأخيرة، لا تزال تتذكر انكساره، وملامحه المنسحبة. التعاسة لا تكفي لوصف ارتعاشة يديه أو انطفاء بريق عينيه اللتين طالما رمقتاها بقسوة. حتى نبرته انكسرت...لأول مرة تراه بهذا الشكل. ورغم ذلك، ظل يمارس دوره المعتاد في حمايتها، يحمل حقائبها، وينهي الإجراءات نيابة عنها بصوت خافت.

مع كل خطوة كان يخطوها لأجلها، كان ذنب ثقيل يتسلل إلى صدرها، قابعا هناك منذ زمن، يتغذى على أفكارها، منتظرا هذه اللحظة ليشل كيانها ويحثها على التراجع. ولكنها ثبتت.

في بداية ذلك اليوم، وقبل أن تطأ قدماها أرض المطار، تذكرت مقولة طبيبها النفسي: "لحظة خروج المسجون من زنزانته غالباً ما تكون أقسى من سنوات سجنه". الآن فقط، وهي تتنفس هواء الطائرة الغريب، أدركت ما كان يقصده. الحرية ليست دائماً خلاصاً، أحياناً تكون هي الزنزانة الأكبر لمن اعتاد القيد.

منبه

 يرن المنبه.
تنتظر أن يصمت من تلقاء نفسه، كأنها تختبر صمود عناده. لكنه لا يسكت، يتمادى، يتمدد صوته في أرجاء الغرفة.تمد يدها... هي الحركة ذاتها، والزاوية ذاتها، وملمس الهواء البارد ذاته. تتحسس سطح الطاولة... فراغ. تتوغل يدها تحت الوسادة، تمررها فوق الملاءة، على أطراف السرير، وفي الفراغ الذي يشاركها الوسادة كل ليلة... لا تجده. تقرر ألا تبذل جهدا إضافيا، تستسلم للنوم، وليستمر هو في صراخه.بعد خمس دقائق من المحاولات اليائسة، ينهكه الصمت المتعمد... فيسكت فعلا.يتمدد هناك، تحت السرير، في بقعة غبار لم تتغير منذ عشرات "الأيام" المكررة. لا يدرك كيف انتهى به المطاف في هذا الموقع، هو الذي وضع يوماً بعنايةٍ فوق الطاولة. هل سقط؟ هل دُفع بضجر؟ لا يهم، ففي قانون التكرار، تتعدد الأسباب والنتيجة واحدة.هو يحاول... وهي لا تستجيب. هذا هو السيناريو الذي لا يتبدل. يحاول أن يقتلعها من السرير، أن يغريها بملابس التمرين التي شحب لونها من كثرة الانتظار، أن يدفعها إلى "خارجٍ" لم يعد له وجود، لأن كل الطرق في نهايتها تعود إلى هذه الغرفة، وإلى هذا السرير.لكن... ماذا لو كان هو العالق في الفخ؟ ماذا لو لم تكن هي من تؤجل حياتها، بل هو الذي يعاد تدويره في عبث مطلق؟ هو لا يعرف خيارا ولا يملك إرادة التغيير، يضبط مساء فينتظر الصبح، يلقى تحت السرير فينتظر النهار، ييأس... ثم يعاد إلى الحياة بلمسة من يدها، ليبدأ عذاب الرنين من جديد.يرن. ييأس. يعاد ضبطه.يرن. ييأس. يعاد ضبطه.وفي ليلة، قرر المنبه أن يكسر "الدائرة".ماذا لو صمت؟

حل الصبح، وجاء الوقت المعروف، وللمرة الأولى... لم يخرج منه صوت. بقي في مكانه، يحبس أنفاسه، يراقب السرير، منتظرا أن يذوب الزمان طالما أن "صافرة" البداية لم تنطلق. ظن للحظة أنه انتصر، أنه أحدث الثقب الأول في جدار التكرار.ولكن... أيقظها"غياب الصوت". استيقظت لأن جسدها مبرمج على التكرار. بحثت عنه بذعر،عبثت بيديها في الفراغ، همست باستغراب: "أين اختفى؟"وجدته. أمسكته، أعادت ضبطه، رجعت لتستكمل نومها.

أدرك المنبه حينها الحقيقة الكاملة: لا نهاية لهذا التكرار.

وفي الصبح التالي
استسلم
ورن.


2026/02/19

شعور أول

 ابتسمت

جميلة هي الدهشة الأولى، تلك النظرة البِكر التي لم يلوثها الاعتياد، ولم يسلب التكرار ألوانها الزاهية. هي الوقوف الفاتن أمام المجهول، حيث كل حجرٍ تحت قدميها يهمس بقصة لم تسمعها، وكل وجه يعبرها يحمل لغزا لا يعنيها حله. كانت تتوق لهذا الأدرينالين الذي يتدفق في عروقها حين تطأ أرضا "غريبة"، أن تستيقظ ولا منبه لها إلا فضولها، أن تحجز تذكرة قطار بقرار وليد لحظة تهور، دون خطط معقدة أو حقائب مثقلة بالتبعات. حقيبة يد صغيرة فقط، وروح تتسع للكون وللكشف عن كل جديد.

كانت بحاجة ماسة للهروب. أغلقت الأبواب خلفها وارتحلت. نظرت إلى الطيور التي تحوم فوق الساحة العامة، هل تهاجر الطيور هربا من البرد، أم هربا من رتابة الأفق؟ أليس هؤلاء المارة، بوجوههم المتعبة ومعاطفهم الثقيلة، يهربون هم أيضا؟ ربما الهروب هو المحرك الخفي لهذا الوجود، وكلنا نحاول الإفلات من شيء ما.

قاطع شرودها صوت السائق. كلمات غريبة، حروف تتصادم ولا تشكل معنى في أذنيها. حاول أن يستفهم، أعاد السؤال، لكن سياج اللغة حال بينهما. وحين توقفت السيارة والتفت إليها يطلب منها النزول، أدركت فجأة أنها لم تخبره بوجهتها، وكيف تخبره بما لا تعرفه هي أصلا؟

نزلت من السيارة البيضاء، ناولته ما تيسر من نقود، وأغلقت الباب خلفها بصوت مسموع. انطلقت السيارة، ولفحها فراغ الهواء الذي تركته خلفها، لينفتح أمام عينيها شارع طويل يمتد نحو المجهول.

فجأة، شعرت بشيء يلامس خصلات شعرها القصير، ثم ينزلق ببطء على حافة وجهها ليستقر في ذلك الفراغ، في المسافة الرقيقة بين ملابسها وجسدها. رفعت رأسها للسماء لتتأكد من ماهية ما التصق بها، كان المطر.

أغمضت عينيها، فلم تعد تشم رائحة المدينة الجديدة. لقد أعادها المطر بملمسه ورائحته وعبوره فوق جلدها إلى مدن وأراض ووجوه حاولت جاهدة نسيانها. أعادها إلى كل "قديم" هربت منه، وكل شعور ظنت أنها استهلكته حتى سئمت منه، ليتحول الاعتياد في تلك اللحظة، وبفعل قطرة مطر واحدة، إلى شعور جديد تعيشه.

 


باب زجاجي

 يضع المفتاح في الباب الزجاجي، لا يدخل. هل العطب في الباب أم في المفتاح أم فيهما معا؟ يكرر المحاولة؛ يسحب المفتاح، يعيده إلى موضعه، يحركه في الاتجاه الآخر لعله يفلح، لكنه يفشل وتبقى النتيجة ثابتة. يسحبه بعنف ناتج عن غضب اليأس، ومن شدة السحبة يتحرك الباب ويفتح!

يتساءل: هل انكسر؟ أم أنه كان مفتوحا منذ البداية ولم ينتبه؟

يدخل، وجوه تنظر إليه بعيون مصوبة مباشرة نحوه، وآذان تنتظر تفسيرا: لماذا اقتحم عالمهم؟ وأفواه صامتة لا تعلق. يخطو بقلق، والخوف يطغى بداخله، وصوته يغطي على الصمت كله: لماذا فتحنا الباب؟ لماذا دخلنا من الأساس؟ ألم يكن أولى لنا أن نستسلم لذلك الإغلاق؟

ينظر خلفه إلى الباب الذي لا يزال مفتوحا إثر مروره، لكن شيئا في داخله —ربما الفضول الذي يتغذى على المجهول، أو الحدس — يأمره بالعدول عن فكرة الرجوع. لا تراجع ولا عودة. يمضي، ولأول مرة لا يمنعه الخوف.

يبادر أحدهم بأكثر سؤال منطقي: أين نحن؟

يجيبه الآخر بلا مبالاة: إذا كنت لا تعرف أين أنت، فلا تسأل. كان عليك أن تسأل قبل أن تأتي، لا بعد أن وصلت.

لم يفهم، ولكن النبرة أجبرته على الصمت.
 ويمضى.

يرى طفلا لم يتجاوز الرابعة، يحدق فيه بعينين واسعتين، فيبتسم له. لكن وجه الطفل رغم براءته كان خاليا من أي تعبير سوى ابتسامة تبدو مرسومة أكثر منها حقيقة.
يسأل الطفل: ما اسمك؟ لا جواب. يغير السؤال: أين أهلك؟
 صمت. هل الطفل لا يسمع؟ ولماذا يبتسم إذن؟ الأطفال لا يملكون خبث الكبار، لو سمع لأجاب، بالتأكيد لم يسمع.

ينظر الى الطفل فيشعر وكأن الطفل باستسلامه وهدوئه يشجعه على الا يسأل ان يقنع بوجوده.
لكن الطفل يفاجئه بسؤال: الباب كان زجاجي، ألم ترى خلفه؟
يحاول أن يتذكر، هل كان الباب يكشف ما خلفه؟ لم ينتبه ام كان مركز في الفتح اكثر من النظر؟
يتخطى الطفل ويكمل.

يمشي، فيراها. تلك المرأة التي التقاها ذات صدفة في لحظة عابرة من العمر. ولأول مرة منذ دخوله، يعود إلى نفسه، يلتصق بكيانه، وتتدفق الذاكرة كاملة إلى عقله، يتذكر اسمها وملامحها وقصتهما والدرب التي جمعتهما. أما النهاية؟ هل كانت هناك نهاية أصلًا؟ لا يتذكر ما صار، وهل صار شيء من الأساس؟

بتلقائية خالصة تقوده قدماه إليها، يقف أمامها، لا يعرف كيف تشكلت تعابيره في هذه اللحظة، ولكنها كانت تبتسم.

يسألها: أين نحن؟
يتوقع أن تطمئنه كما كانت تفعل دائما، لكنها تجيبه: لا أعرف.

شيء في داخله يتحرك، شعور قديم أم جديد؟ كيف يجتمع الشعوران معًا ويمتزجان ليخرجا "شعور الآن"؟ وحتى هذا الشعور لا يعرف ماهيته. يقترب أكثر، ينظر في عينيها كأنه يبحث عن تكملة لقصتهما: أين انتهيا أم ترى الحكاية اكتملت؟

تسأله هي: كيف جئت
-كان الباب مغلقًا، لكنه فتح من تكرار المحاولة.
-وهل الأبواب المغلقة تفتح دون مفاتيحها؟
-نعم، وقد تفتح من تلقاء نفسها.
-إذن هو القدر أنت لم تبذل جهد؟
-اخترت أن أفتحه، فأذعن القدر. أين نحن الان؟

لا تجيب، ولكنها تباغته بسؤل: لو رأيت النهاية بوضوح عبر ذلك الزجاج، هل كنت ستضع المفتاح في الباب؟

استدار بحدة لينظر خلفه، ليتأكد.
مشى نحو الباب...وهناك، ظهرت الحقيقة: الباب زجاجي تماماً، ولكنه عاكس...لا تظهر عليه إلا صورته.


2026/02/13

وجهة نظر

 الغرفة تعج بالناس، لكنها لا تسمع إلا صوته. تهمس لنفسها بيأس: "تمنيت له حياة تشبه قلبه بيتا أكثر رحابة، وقلوبا تعرف كيف تستوعب هذا الغضب، كيف تتحمله. هنا لا أحد يرحمه."

الضجيج بالخارج يزداد، وهي ترفع صوتها الضعيف لعله يصل إليه، تستجديه أن يهدأ، لكنه غارق في عاصفته، لا يسمع.

تقرر أن تنهض. تترك عكازها خلفها، وتمشي نحوه بخطوات بطيئة. ترى فمه يتحرك بعنف، لكن ملامحه ليست غاضة إنها متغيرة بفعل الحزن. يصلها صوته أخيرا، واضحا ومطالبا وصريحا: ابتعدي!

تعرف أنه لا يطردها، بل يحاول حمايتها من أن تصبح ترف في المشهد. تخطو خطوة أخرى، تمد يدها لتقبض على كفه، وفجأة يدفعها بقوة. تكاد تهوي لولا يد امتدت من الخلف لتسندها. لم تحزن، هي تفهم أنه أراد فقط أن يبعدها عن
"المشهد"، رأفة بسنواتها التي لم تعد تحتمل التوتر.

-------------------------------

هو يوقن تماماً أنهم بدونه مجرد حطام. هو البوصلة التي يكسرونها عمدا ثم يشتكون من التيه. لن يترك تلك المرأة ترحل، فأين ستذهب في عالم لا تعرف عنه شيئا، ولا أحد فيه يعرف فك شفراتها مثله؟

وفجأة، تظهر "الأخرى" في كادر المشهد. يراها تتقدم نحوه، تلك العجوز التي لا تمل من ممارسة دور البطولة في رواية لم تعد هي كاتبتها. يراقب حركاتها التي يحفظ زيفها، تقتحم غضبه لتنتزع لقطة أخيرة، عيناها تبحثان عن جمهورها، تقول بصمتها المستفز: "أنا الوحيدة التي يلين أمامها".

قرر أن يضع حدا لهذا العرض المبتذل. يجب أن تعود لصمتها. حين اقتربت، أبعدها بلمسة رآها هو مجرد لمسة ، لكنها كانت ممثلة متمكنة، أدركت أن السقوط هو الحل الوحيد لاستعادة الأضواء.

تمايلت ببراعة، كي تجبره بحيلتها أن يترك كل شيء خلفه ويذهب إليها ليطمئن.

لكنه، أبعد عينيه عنها.

لحمة نية - خيانة

 يقطع اللحمة ببطء شديد، يرفع الشوكة إلى فمه، ثم يسحب طرف القطعة بأسنانه. تخرج الشوكة فضية لامعة، خالية من أي أثر، كأنها لم تلمس شيئا، يضعها بهدوء لتستقر في الطبق، ويمضغ بآلية وهو يراقبها. 

هي لا تراه، عيناها غارقتان في ضوء هاتفها.

-اللحمة مش مستوية؟ جربتيها؟

ترفع عينيها من الهاتف، ترد باقتضاب:

-مخدتش بالي، ممكن.

يلتفت إلى طبقها، قطعة اللحم كما هي في المنتصف، كاملة، لم تمس.

-طيب دوقيها، محتاج أسمع رأيك.

-بعرف من شكلها، ومفيش حاجة مريبة.

يقطع قطعة أخرى، يضغط عليها بالسكين كأنه يستنطقها. هي تضع الهاتف جانبا، تمسك بالشوكة والسكين، وتبدأ في تقطيع القطعة إلى مكعبات صغيرة جدا.

-كل ده عشان تتأكدي؟

-لازم أشوف كل القطع قدامي.

-الطعم بيبان من أول لقمة.

يهتز رنين الهاتف على الطاولة. لا تنظر هي إليه، بينما تلاحقه عيناه هو بنظرة ثاقبة، وهي تواصل التركيز في طبقها.

يرفع هو قطعة لحم تنضح بحمرة خفيفة على شوكته، ويقربها من وجهها:

-نية

لا تتناول الشوكة، ترفع يدها لتنادي النادل، لتطلب له طبقا آخر.

يبعد الطبق من أمامه ويبادر بالكلام:

-لو سمحت، الحساب.

مشهد مظلم

-أتشعر بالاهتزاز؟

-نعم، لا تقلق.

-لا، هذه المرة أقوى، الظلام أثقل. لا أرى يدي. كيف تجلس هكذا وكأن الأمر عادي؟

-لأنه عادي. أنت تخاف أكثر من اللازم.

- أخاف أن أضيع، أخاف الجهل، أن أكون بين شيء لا أراه ولا أعرفه.

-أحيانا يكفي أن نثق بالمسار، بمن يقود، بالطريق.

-لكن لا أرض تحت قدمي، نحن معلقون.

-تخاف السقوط؟

-ليس السقوط فقط، بل "الما بين". اللحظة التي نصبح فيها معلقين، لا أرض، لا سماء، فقط فراغ.

ماذا عنك؟

-خوفي، من استمرار الظلمة بعد الوصول.

اهتزاز عنيف

-هذا، ليس عاديًا!

-كل شيء هنا عادي هكذا هو الطريق.

-الطريق أكثر رعبا من الوصول!

-أغمض عينيك.

-لن أستطيع، أشعر أننا نقترب من اللحظة التي أخافها.

-ولكنك لا ترى شيئا،  فلتغلقهما لعلك تهدأ.

-لن أستطيع.

-لماذا تصرعلى فتح عينيك رغم أنك وسط هذا الظلام لا ترى؟

-لأنني أنتظر اللحظة التي يعود فيها النور.

2026/02/08

فراغ

 أقف الآن فارغا... إلا مني. 
لا أحتوي سوى قطرات عالقة بحوافي، تتشبث بجوانبي الداخلية. أتركها، فوجودها لم يعد يعنيني.

يظنون أن الفراغ يرعبني، لكن الحقيقة أنني لم أشعر بفرق حين أُفرِغت. ربما نعتاد الفقد بسرعة ، أو ربما نكتشف أننا لطالما كنا ممتلئين بأشياء لا تخصنا. على كل حال، لا يهم... لن أعتاد هذا التغيير فحسب، بل سأستمتع به.

لكن، ماذا يحدث؟ فجأة يتآمر عليّ كل شيء. الهواء الذي لم أكن أشعر بوجوده، صار فجأة عدواً شرساً، يحركني بعنف، يحاول اقتلاعي، ويصارع ثباتي على الطاولة. 

رغم ما يحدث، أجد الفراغ أجمل مما توقعت. لا ثِقل، لا ازدحام، ولا هوية تفرض علي. في الفراغ، أستطيع أخيراً أن أتنفسني. كنت أظن أن الاكتمال لا يكون إلا بالامتلاء، فاكتشفت أنه كان مجرد "احتلال". هذه المرة لن أسمح لهم بانتهاك شفافيتي، سأظل هكذا فارغا، حراً.

لكن الريح تشتد...سأسقط.

 وفي تلك اللحظة ترفعني يد. لثانية واحدة، أظن أن السقوط كان بداية للطيران، وأن لي جناحين، وأن العالم سيتسع خلف حدود هذه الزاوية الرخامية. لكن اليد تعصر عنقي، وتميل برأسي رغماً عني.

ينهمر السائل...بارداً، ثقيلاً، غامراً. يحاول أن يسكنني عنوة.

لن استسلم. 

استجمع كل الثقل، وبدلاً من أن أحمله، انحني مع تمايل الطاولة بفعل الريح. سأتحد مع الجاذبية.

ارتطم بالأرض، أنكسر إلى شظايا. يسيل السائل بعيداً عني.

أقف -في كل مكان- فارغا وعصياً على الاحتواء.

2026/02/07

تؤام

أنظر إلى النافذة بجانبي.. عتمة الخارج وأضواء الداخل حولت الزجاج إلى مرآة عاكسة. لم أحتج لإطالة النظر، فمن اللحظة الأولى.. رأيتها أمامي.

رأيتها وكأنها لا تزال تجلس في تلك الغرفة المكدسة بالأشياء، تتكور بجانب السرير الكبير، وتبكي. قد لا تنزلق الدموع من عينيها، وقد تواري وجهها بيديها، لكنها تبكي في الداخل. أتعرف شعور أن يبكي الإنسان داخلياً؟ أن ينهار المبنى على ساكنيه دون أن يتصاعد غبار إلى الخارج؟ أنا أعرفه.. أعرفه جيداً لأنني عايشته معها.

تركتها هناك.. في ذلك المنزل الكبير، في الدولة التي أكلت أعمارنا، وبين الجدران التي استُخرجت منها شهادة ميلادنا، وشهدت هي ذاتها على انتهائنا. لا تزال عالقة في نفس الدائرة؛ تسميها حياةً 'فُرضت عليها'، وأسميها أنا حياةً 'لم تفعل هي شيئاً لتغييرها'.

أراها الآن وقد استيقظت متأخرة، تقبع على حافة السرير بيأس، تجر قدميها لوظيفة لا تحبها، تتقبل كل شيء بخضوع، وتمرر الأيام دون أن تتوقف لحظة لتسأل: 'أين أنا من كل هذا؟'.. والموجع أكثر، أنها تسمي هذا 'نجاحاً واستمراراً'.

هل ستتغير حياتها بعد رحيلي؟ أشفق عليها، وددت لو مددت يدي لإنقاذها، لكن.. هل كنت صادقة بما يكفي؟ أم كنت أنانية حين تركتها؟
هل تعمدت ألا آخذها معي للمستقبل الذي اخترته لنفسي؟
نعم.. لم أرغب في صحبتها. تسللتُ من المنزل، وتركتها خلفي دون أن أخبرها. كان عليّ أن أحملها، أن أرفعها، لكنني لم أرد تكبّد عناء حمل الأثقال.. كان مبدئي في هذه الرحلة هو 'التخفف'.

ولكن.. هل هذا الفراق سينسف تأثيرها عليّ؟ أم أن صوتها سيظل يوسوس في قراراتي ورؤيتي للعالم؟
السيارة تمضي، وصورتها مرتسمة على النافذة، ملتصقة بالطريق.
 أحاول الهروب منها، فتسبقني نظراتها في الانعكاس.. وحين أشيح بوجهي عن النافذة، أفقد معرفتي بالطريق.

2026/02/06

موطن احواس

 إن كانت الكلمات كطعام نمضغه ونتذوقه لنفهم معناه، فهل أساس شعورنا بها هو المعدة، الأمعاء؟ أم جوف القلب؟

تخيل أنك لا تسمع الكلمة بأذنك، بل تستقبلها مباشرة في حلقك. تُقدم إليك الجملة، فتغرس فيها الشوكة وتمررها ببساطة إلى فمك.. تبدأ بعملية المضغ -بطريقتك المعتادة، بتروٍّ أو بسرعة- وفي تلك اللحظة، لا تفهم المعنى، بل تتذوقه
تتحسس المكون الرئيسي.. تعرف الطعم الطاغي، وتكتشف البهار السري الذي وضعه المتحدث في جوف كلمته. تبتلعها.. ثم تغرس الشوكة في لقمة أخرى. تتكرر عملية الأكل، ولكن لسبب تجهله يتغير المذاق! رغم أن الحروف هي ذاتها، إلا أن كل لقمة تحمل طعماً مختلفاً... إحداها قد تحمل ثقلاً من بهار الصدق أكثر من سابقتها، وأخرى تجد فيها المكون الرئيسي "النية" غير مدموج بما يكفي في باقي المكونات.
ولكن.. ليست عملية المرور والتذوق هي الأساس، بل ما يليها هو ما يصنع الأثر الحقيقي....تأثرك بما يقال
حين تنزلق الكلمة من فمك إلى أمعائك، تُختبر اللقمة: كيف ستجدها أمعاؤك؟ كيف ستستقبلها؟ أم أنها ستلفظها لأن طعمها كان غريباً على فطرتك؟ حينها تلمس الكلمات مواطن الشعور في الأحشاء، تماماً كما تلامس أصابعنا الأشياء التي اعتدنا ملمسها.
وبعد لمس الأمعاء، نصل إلى الخطوة الأخيرة: القلب.
كيف سيتعامل القلب مع هذا "الطعم" الذي اقتحم أرضه المجاورة؟ القلب هو موطن الحواس... هو الذي يشم، ويلمس، ويتذوق كل ما يحدث خارجه وداخله. حين تصل إليه نكهة الكلمة، سيتخذ قراره: إما أن ينقبض مرارةً، أو يتسع عذوبة. قد يزداد منسوب الدماء، تشعر برجفة أو ثبات… اتزان أو خفقان.
القلب لا يقيس الكلمة بميزان الحروف، بل يذيبها في أحماضه الخاصة. يبحث فيها عن الصدق...المعنى أو الخديعة... إن كان طعم الكلمة منفرا له، يفرز فورًا مادة الارتياب، فتتغير كيمياء دمك...وترتفع النبضات...تشعر ببرودة الأطراف أو ثقل الصدر. أما إذا كانت الكلمة صادقة، محببه...فيمتصها القلب كإسفنجة عطشى، يحولها إلى طاقة تتدفق في عروقك، وتتزان النبضات...فتشعر بخفة، وكأن الكلمة لم تُؤكل، بل أصبحت محركًا لجسدك.
ميزان القلب دقاته: إما أن تعلو بتأثير تلك النكهة، أو تظل على وتيرتها، أو تخرج تمامًا من نطاقها. وعلى أثر "طعم" الكلمة في قلبك، يتشكل الشعور في كامل جسدك...
لذلك في النهاية، تكتشف أن القلب هو موطن الحواس (أو الحاسة) الأصدق.

2026/02/04

 ورقةٌ خضراء تتشبثُ بطرفِ الغصن، تتمايلُ مع النسمات بهدوءٍ وبساطةٍ مذهلة. يستهويني هذا المشهد...
 تلك اللقطة المقتطعة بعناية من لوحة الطبيعة الكبرى. أحبُّ ملمس الأرض النديّة، ووخز العشب القصير تحت قدميّ الحافيتين؛ ذلك الألم العذب الذي يوقظ الحواس ولا يوجعنا. أعشقُ زبد الموج وهو يداعب كاحلي، وطعم الملوحة الذي يحمله الهواء إلى ثغري. أحب الشمس حين تطلُّ من خلف غمام شتوي بارد لتسكب الدفء في مسامنا، ووجه القمر حين يباغتنا في السماء مكتملاً... لم نحسب له موعداً، لكنه أضاء عتمتنا فابتسمنا له.

هل تعرف تلك العطايا التي تأتي فجأة؟ بهدوءٍ وسلام، ودون إرباك. تلك التي تهطل علينا دون سعيٍ، أو بحثٍ، أو انتظار.. وربما دون أن ننتبه لوجودها أصلاً. لا صخب يسبقها، ولا ضوضاء تتبعها؛ لا تبعثر ترتيب أشيائنا، ولا تربك أيامنا، ولا تصطدم بثوابت الحياة. هي أشياء لطيفة، هادئة، ومتزنة.. نندمج فيها وتندمج فينا، لتصنع توازن الكون وتوازننا بمجرد مرورها العذب.

بهذه البساطة.. أحبك. بهذا الهدوء، وهذه الطمأنينة.. بهذا الانسياب وتلك التلقائية. أحبك كشيءٍ فطريّ؛ لم يُفرض عليّ، ولم أهرع إليه بقلق، ولم أطلبه بتوسل، ولم أمشِ نحوه بجهد. لقد تسللتَ إليّ، وانسبتَ في تفاصيل أيامي كما يجري الماء في مجراه الطبيعي. لم أتوقف أمامك بذهولٍ يربكني، ولم يملأني قدومك بالأسئلة أو الشك. أنت تشبه كل تلك الأشياء التي تظهر فجأة في سمائنا فلا تقلقنا، تلك التي لا نتحقق من وجودها كل صباح... لأن غيابها ببساطة.. مستحيل.

لم يكن حبك العاصفة التي تقتلعُ الأبواب، بل كان تلك "السكينة" التي تحلُّ في المكان بعد ضجيجٍ طويل. تسللتَ إليّ كعطرٍ غامض ملأ الغرفة فجأة، لم أسأل من أين أتى، لكنني شعرتُ بأنه كان ينبغي له أن يكون هنا دائماً. وكدفءٍ غامر، يسري في أوصالٍ باردة... لم أرَ نوره، لكنني تلمستُ أثره.

لذلك، أنت تشبه تلك الأشياء التي نحبها باطمئنان، دون أن يخفقَ القلبُ لها خفقان الخوف؛ بل يتزن النبض، وينضبط إيقاع الدم في الشرايين، ويثبت القلب في مكانه، وإن كان به صدعٌ التأم. تنسابُ بداخلنا كالماء دون أن تفيض، ونسبح فيك دون أن نغرق. نحتفل بك دون ذهولٍ مقلق، ونعيش معك دون أن نضطر لتغيير وجه الحياة لنتواءم معك. 

2026/02/02

حرب

تخيل أنك تمنح عمرك لأرضٍ جرداء... تحرث شقوقها بأظافرك، وتروي عطشها بماء روحك،
بداخلك يقينٌ بأنك قادر على إحالة العدم إلى جنة،
وأن كل خرابٍ في هذا الكون قابلٌ للإصلاح والتعمير.
تتعدد محاولاتك، وتفنى سنواتك، والنتيجة "الا شيئ"
 لا زرع ينمو، ولا تربة تستجيب.
لتكتشف متأخراً -بعد فوات العمر- أن العلة لم تكن في بذورك ولا في جهدك،
بل في الأرض ذاتها.. كانت "بوراً" منذ البدء،
وأنت لم تدرك!

هنا تماماً تكمن خدعة "المواجهة" التي يقدسونها..
إذ يُقال لنا دائماً إن الصواب هو ألا تستسلم،
وألا تغادر موقعك مهما عصفت بك الظروف.
يرددون أن السلامة في قلب المعركة،
ويحرضوننا على خوض الحروب كخيار وحيد لإثبات القوة والفوز والوجود.

لكنني، صرت أرى خيطاً رفيعاً، وشعرةً دقيقة بين "الصبر" المحمود، وبين "الانتحار" البطيء في معركة تدرك يقيناً أنها لن تؤول إلى شيء.

لقد تعلمتُ ألا أخوض الحروب الخاسرة، وألا أخجل من رفع الراية البيضاء
 فالانسحاب  يتطلب شجاعة تفوق بكثير شجاعة البقاء.

نحن نكرر المحاولات، ونوهم أنفسنا بأن "كل شيء قابل للإصلاح"، فنزجُّ بأرواحنا داخل صراعات عدمية.
 لذلك، لا تتعجب حين تستنهضني لأكون "محاربة"، فيأتيك صوتي: "لقد تعلمتُ ألا أحارب".

ولكن السؤال الذي يظل يؤرقني: كيف نميز بين الأرض التي تخفي كنوزها، والأرض التي لن تنبت؟
 ونحن نسير في ضباب النتائج متلحفين بالأمل؟

ربما تعلمت: أنك حين تحارب من أجل ما هو ميؤوس منه، لن ترث التعب فقط، بل ستفقد ثقتك بأن هناك شيئاً في هذا العالم يستحق المحاولة أصلاً.
لذلك... أصبحت أتحاشى أن أمشي في طريق "إصلاح المستحيل"، وأسميه حرباً وأراه بطولة