ورقةٌ خضراء تتشبثُ بطرفِ الغصن، تتمايلُ مع النسمات بهدوءٍ وبساطةٍ مذهلة. يستهويني هذا المشهد...
تلك اللقطة المقتطعة بعناية من لوحة الطبيعة الكبرى.
أحبُّ ملمس الأرض النديّة، ووخز العشب القصير تحت قدميّ الحافيتين؛ ذلك الألم العذب الذي يوقظ الحواس ولا يوجعنا. أعشقُ زبد الموج وهو يداعب كاحلي، وطعم الملوحة الذي يحمله الهواء إلى ثغري.
أحب الشمس حين تطلُّ من خلف غمام شتوي بارد لتسكب الدفء في مسامنا، ووجه القمر حين يباغتنا في السماء مكتملاً... لم نحسب له موعداً، لكنه أضاء عتمتنا فابتسمنا له.
هل تعرف تلك العطايا التي تأتي فجأة؟ بهدوءٍ وسلام، ودون إرباك. تلك التي تهطل علينا دون سعيٍ، أو بحثٍ، أو انتظار.. وربما دون أن ننتبه لوجودها أصلاً. لا صخب يسبقها، ولا ضوضاء تتبعها؛ لا تبعثر ترتيب أشيائنا، ولا تربك أيامنا، ولا تصطدم بثوابت الحياة. هي أشياء لطيفة، هادئة، ومتزنة.. نندمج فيها وتندمج فينا، لتصنع توازن الكون وتوازننا بمجرد مرورها العذب.
بهذه البساطة.. أحبك. بهذا الهدوء، وهذه الطمأنينة.. بهذا الانسياب وتلك التلقائية. أحبك كشيءٍ فطريّ؛ لم يُفرض عليّ، ولم أهرع إليه بقلق، ولم أطلبه بتوسل، ولم أمشِ نحوه بجهد. لقد تسللتَ إليّ، وانسبتَ في تفاصيل أيامي كما يجري الماء في مجراه الطبيعي. لم أتوقف أمامك بذهولٍ يربكني، ولم يملأني قدومك بالأسئلة أو الشك. أنت تشبه كل تلك الأشياء التي تظهر فجأة في سمائنا فلا تقلقنا، تلك التي لا نتحقق من وجودها كل صباح... لأن غيابها ببساطة.. مستحيل.
لم يكن حبك العاصفة التي تقتلعُ الأبواب، بل كان تلك "السكينة" التي تحلُّ في المكان بعد ضجيجٍ طويل. تسللتَ إليّ كعطرٍ غامض ملأ الغرفة فجأة، لم أسأل من أين أتى، لكنني شعرتُ بأنه كان ينبغي له أن يكون هنا دائماً. وكدفءٍ غامر، يسري في أوصالٍ باردة... لم أرَ نوره، لكنني تلمستُ أثره.
لذلك، أنت تشبه تلك الأشياء التي نحبها باطمئنان، دون أن يخفقَ القلبُ لها خفقان الخوف؛ بل يتزن النبض، وينضبط إيقاع الدم في الشرايين، ويثبت القلب في مكانه، وإن كان به صدعٌ التأم. تنسابُ بداخلنا كالماء دون أن تفيض، ونسبح فيك دون أن نغرق. نحتفل بك دون ذهولٍ مقلق، ونعيش معك دون أن نضطر لتغيير وجه الحياة لنتواءم معك.
No comments:
Post a Comment