2026/02/06

موطن احواس

 إن كانت الكلمات كطعام نمضغه ونتذوقه لنفهم معناه، فهل أساس شعورنا بها هو المعدة، الأمعاء؟ أم جوف القلب؟

تخيل أنك لا تسمع الكلمة بأذنك، بل تستقبلها مباشرة في حلقك. تُقدم إليك الجملة، فتغرس فيها الشوكة وتمررها ببساطة إلى فمك.. تبدأ بعملية المضغ -بطريقتك المعتادة، بتروٍّ أو بسرعة- وفي تلك اللحظة، لا تفهم المعنى، بل تتذوقه
تتحسس المكون الرئيسي.. تعرف الطعم الطاغي، وتكتشف البهار السري الذي وضعه المتحدث في جوف كلمته. تبتلعها.. ثم تغرس الشوكة في لقمة أخرى. تتكرر عملية الأكل، ولكن لسبب تجهله يتغير المذاق! رغم أن الحروف هي ذاتها، إلا أن كل لقمة تحمل طعماً مختلفاً... إحداها قد تحمل ثقلاً من بهار الصدق أكثر من سابقتها، وأخرى تجد فيها المكون الرئيسي "النية" غير مدموج بما يكفي في باقي المكونات.
ولكن.. ليست عملية المرور والتذوق هي الأساس، بل ما يليها هو ما يصنع الأثر الحقيقي....تأثرك بما يقال
حين تنزلق الكلمة من فمك إلى أمعائك، تُختبر اللقمة: كيف ستجدها أمعاؤك؟ كيف ستستقبلها؟ أم أنها ستلفظها لأن طعمها كان غريباً على فطرتك؟ حينها تلمس الكلمات مواطن الشعور في الأحشاء، تماماً كما تلامس أصابعنا الأشياء التي اعتدنا ملمسها.
وبعد لمس الأمعاء، نصل إلى الخطوة الأخيرة: القلب.
كيف سيتعامل القلب مع هذا "الطعم" الذي اقتحم أرضه المجاورة؟ القلب هو موطن الحواس... هو الذي يشم، ويلمس، ويتذوق كل ما يحدث خارجه وداخله. حين تصل إليه نكهة الكلمة، سيتخذ قراره: إما أن ينقبض مرارةً، أو يتسع عذوبة. قد يزداد منسوب الدماء، تشعر برجفة أو ثبات… اتزان أو خفقان.
القلب لا يقيس الكلمة بميزان الحروف، بل يذيبها في أحماضه الخاصة. يبحث فيها عن الصدق...المعنى أو الخديعة... إن كان طعم الكلمة منفرا له، يفرز فورًا مادة الارتياب، فتتغير كيمياء دمك...وترتفع النبضات...تشعر ببرودة الأطراف أو ثقل الصدر. أما إذا كانت الكلمة صادقة، محببه...فيمتصها القلب كإسفنجة عطشى، يحولها إلى طاقة تتدفق في عروقك، وتتزان النبضات...فتشعر بخفة، وكأن الكلمة لم تُؤكل، بل أصبحت محركًا لجسدك.
ميزان القلب دقاته: إما أن تعلو بتأثير تلك النكهة، أو تظل على وتيرتها، أو تخرج تمامًا من نطاقها. وعلى أثر "طعم" الكلمة في قلبك، يتشكل الشعور في كامل جسدك...
لذلك في النهاية، تكتشف أن القلب هو موطن الحواس (أو الحاسة) الأصدق.

No comments:

Post a Comment