2026/02/19

شعور أول

 ابتسمت

جميلة هي الدهشة الأولى، تلك النظرة البِكر التي لم يلوثها الاعتياد، ولم يسلب التكرار ألوانها الزاهية. هي الوقوف الفاتن أمام المجهول، حيث كل حجرٍ تحت قدميها يهمس بقصة لم تسمعها، وكل وجه يعبرها يحمل لغزا لا يعنيها حله. كانت تتوق لهذا الأدرينالين الذي يتدفق في عروقها حين تطأ أرضا "غريبة"، أن تستيقظ ولا منبه لها إلا فضولها، أن تحجز تذكرة قطار بقرار وليد لحظة تهور، دون خطط معقدة أو حقائب مثقلة بالتبعات. حقيبة يد صغيرة فقط، وروح تتسع للكون وللكشف عن كل جديد.

كانت بحاجة ماسة للهروب. أغلقت الأبواب خلفها وارتحلت. نظرت إلى الطيور التي تحوم فوق الساحة العامة، هل تهاجر الطيور هربا من البرد، أم هربا من رتابة الأفق؟ أليس هؤلاء المارة، بوجوههم المتعبة ومعاطفهم الثقيلة، يهربون هم أيضا؟ ربما الهروب هو المحرك الخفي لهذا الوجود، وكلنا نحاول الإفلات من شيء ما.

قاطع شرودها صوت السائق. كلمات غريبة، حروف تتصادم ولا تشكل معنى في أذنيها. حاول أن يستفهم، أعاد السؤال، لكن سياج اللغة حال بينهما. وحين توقفت السيارة والتفت إليها يطلب منها النزول، أدركت فجأة أنها لم تخبره بوجهتها، وكيف تخبره بما لا تعرفه هي أصلا؟

نزلت من السيارة البيضاء، ناولته ما تيسر من نقود، وأغلقت الباب خلفها بصوت مسموع. انطلقت السيارة، ولفحها فراغ الهواء الذي تركته خلفها، لينفتح أمام عينيها شارع طويل يمتد نحو المجهول.

فجأة، شعرت بشيء يلامس خصلات شعرها القصير، ثم ينزلق ببطء على حافة وجهها ليستقر في ذلك الفراغ، في المسافة الرقيقة بين ملابسها وجسدها. رفعت رأسها للسماء لتتأكد من ماهية ما التصق بها، كان المطر.

أغمضت عينيها، فلم تعد تشم رائحة المدينة الجديدة. لقد أعادها المطر بملمسه ورائحته وعبوره فوق جلدها إلى مدن وأراض ووجوه حاولت جاهدة نسيانها. أعادها إلى كل "قديم" هربت منه، وكل شعور ظنت أنها استهلكته حتى سئمت منه، ليتحول الاعتياد في تلك اللحظة، وبفعل قطرة مطر واحدة، إلى شعور جديد تعيشه.

 


No comments:

Post a Comment