في هذه
الإضاءة الخافته، أرصدُ وجهكَ. أحبُّ تلك الابتسامة التي تفتعلُ نظاماً وسط فوضاك،
ونظرتكَ حين تتخففُ من ادعاءاتك لتستحيلَ صادقة. أحبُّ صوتكَ في هيئتهِ
الأولى -خام-، وأقدّسُ صمتنا؛ ذلك الفراغ الهادئ الذي يسكن فيه ضجيجك، فأزهو بوهمِ
قدرتي على ترويض نيرانك.
قلتَ لي
ذات يوم: "أنتِ الماء، وأنا النار"، وظننتَ بجهلِ أنَّ هذا سرُّ
البقاء. لكن أخبرني.. كيف يجتمع النقيضانِ دون أن تكون النتيجة رماداً أو تبخراً؟
كأننا شظايا زجاجٍ حاد؛ فهل نلتحمُ حقاً، أم أننا نُمعنُ في جرحِ بعضنا كلما
اقتربنا؟ لقد كفرتَ أنت بالضوء حتى استوطنتَ العتمة، بينما عبثتُ أنا بالألوان حتى
صارت حياتي لوحةً "سريالية" صاخبة حدَّ النشاز.
أنا
امرأةٌ يبنيها الهدوء، وأنت رجلٌ يقتاته الصخب. تهربُ من وحشة وحدتك إلى الزحام،
وألوذُ أنا بعالمي المكتفي بذاته. لذا، أهابُ صخبك؛ أخشى أن أنجرف فيه
فأفقد ملامحي. أحبُّ طمأنينة "الآن" معك، لكنَّ "الغد" ينهشني.
ربما نحن لسنا عابرين؛ بلغريقانِ اكتشفا فجأة أنَّ الموت معاً أقلُّ وحشةً. كان "اللاشيء" هو رباطنا: الوحشة، والفتنة بالفن، وعدم الانتماء لهذه الأرض، أليس كذلك؟
تسميني
"القطنة"؛ تلك التي خُلقت لتمتصَّ سمومكَ وتمنحكَ بياضها. لكن قل لي..
إلى أي لونٍ سأستحيلُ حين أتشبّعُ بك؟ وكيف سأتآكل؟ ماذا يفعل العشاق بالقطنة
"المُستخدمة" يا سيدي؟ إنها تُرمى حالما تمتلئ. أنت تريدني
"ملاذاً"، وأنا امرأةٌ لا تبحثُ إلا عن حمى؛ قطنةٌ تودُّ لو تظلُّ حبيسة
غلافها، لا تمسُّها يدٌ، ولا تنتزعها أصابعُ الحاجة من مكمنها.
تزعمُ أنني جئتُ على مقاس أوهامك، وأنني وحدي من يضبطُ ميزانك المختل. وأنا أرى فينا خرقاً لنواميس الطبيعة.
أنظرُ
إلى فنجان قهوتك؛ مزيجك الغريب من الهيل والشوكولاتة الذي يصنع ذاكرةً شمّية
لوجودنا. تُشبهُ قهوتك تماماً؛ تبرعُ في دمج ما لا يُدمج، وتصنعُ من التناقض طعماً
مقبولاً.. لكن، هل كلُّ من تذوق قهوتك نجا من إدمانها مثلي؟
مَن أنت؟
المتمرد الأنانّي الذي لا يُجيد الخسارة؟ أم رجلُ "المحطات" الذي يغادر
قبل أن يودع؟ تبدو لي طفلاً ضلَّ طريقه رغم الخبث الذي يلمع في عينيك. طفلٌ يهرعُ
لكتفِ أمه، يبحثُ عن عباءةِ حنانٍ يختبئ في طياتها من صقيع العالم.
تسمي
نفسك "رجلاً سيئاً"، وتتمسك بالظلام كدرع، بينما يفيض بياضُك من شقوق
روحك رغم أنفك. لماذا تخشى التعري من أقنعتك؟ أتؤمن بالكذبِ كدرعٍ يحميك؟ مَن
يخافُ المجاهرة بالحقائق، ينتهي به الأمر منبوذاً في عزلته. أنت تريدُ كلَّ شيء،
لكنَّ نيل "الكل" يتطلبُ شجاعة التضحية بـ "الكل".