2026/07/28

 

مالَ إلى سِواكَ فاستُبيح، ووثِقَ بغيرِكَ فغُدِر، وأسندَ ظهرهُ إلى مَن دونِكَ فخُذِل.
ها هو قلبي؛ الذي استُنزِفَ نَبضُهُ وتفرّقت في التيهِ أوصالُه، يعودُ اليومَ إليكَ يا الله.
يُريدُ أن يلوذَ ببابِكَ مِن جديد، أن يطرقَهُ على استحياءِ مُحبّ، وانكسارِ نادم، وجرأةِ واثقٍ لا يرى في الوجودِ سِوى سَعةِ رحمتِك
.

أُحبُّكَ يا ربّ
وما زالَ الفؤادُ بكَ مُعَلَّقاً، يَنشُدُكَ حتى في مُنتهى تِيهِه، وكأنّهُ مَشدودٌ إليكَ بِعُروةٍ خفيّةٍ لا تُنفَصم؛
 يَبتعدُ، ويمتدُّ به المسير،
ثمّ تغلِبُهُ فِطرةُ الشّوقِ فتجذِبُهُ لِيأويَ إليك.
قلبٌ عاصٍ يُحبُّك، ونفسٌ أثقلتها الخَطايا؛ فهلّا قَبِلتنا؟

أتحبُّني كما أحبُّك؟ وكيفَ لِمُضغةٍ مُثقلةٍ بالذنوبِ أن تتّسعَ لطُهرِ حُبِّك ؟

مَن أنا يا ربِّ لِتَسمحَ لي بأن أحبَّكَ بهذا القدر؟
تَمُرُّ بي لَحظاتٌ تفيضُ فيها عيناي بالدّمعِ بِلا نَحيب، لا لشيءٍ؛ إلّا لأنّي أستشعرُ حُبَّكَ يملأُ كلَّ ما خلقتَ فِيّ، وأحِسُّ بِحنانٍ يُجاوِزُ إدراكي يَمسحُ بلُطفٍ على كلّ ذرةٍ مني.
أتأمّلُ سَكناي في قُربِك، وأتذوّقُ حلاوةَ حُبّي لك، فتسيلُ الدموع، ثمّ أهدأ، ثمّ أطمئنُّ.. وأسكن
.

يا ربّ.. أريدُ القَبول، أرجو المُكوثَ قُربك، وأبتغي طَريقاً لا يَنتهي إلّا عندك
أُريدُكَ أنت.
 كيف تقرّبني منكَ يا ربِّ لتُوقظني وتُنقذني؟ وتنتشلني لِتُنجيني؟
وكيفَ تغمرُ قلبي بحبِّك، فتُحرّرهُ من كُلِّ ما تعلّقَ به؟
تُفرِغُهُ يا الله من أشياءِ الأرضِ كلِّها، ليبقى خالصاً لِوَجهك، فارغاً إلّا من حُبِّك؛
تَملؤهُ بِكَ، حتّى لا يُبقي في زواياهُ مُتّسعاً لِغَيرِك، ولا يبتغي، ولا يحتاجُ سِواك
.

اليومَ أعودُ إليك.. لا أدري كيف أذنتَ لي!
 وأنا التي حاولتُ مِراراً وضلَّ سعيي.
أَلِأَنَّ نوايايَ الآنَ فقط صَدَقَت؟
بِقُدرتِكَ، بِرحمتِكَ، وبواسعِ حُبِّكَ؛ تُطهِّرُ قلبي وتُعيدُهُ إلى مَهدِهِ الأوّل.
أخلو بِنفسي، أتأملُ سَمائكَ وأرضِك، أتنفّسُ هواء صنعته ، وأنظرُ إلى قمرِكَ وأنوارٍ تُزيِّنُ جدار السماء..
فيغمرني بَغتةً ذلكَ الشّعورُ القديم الذي أوشكتُ على نسيانِه: شعورُ السَّلام، والسّكينةِ، والأمانِ في كَنَفِ قُربِك، والاكتفاءِ التامِ بك، فأُوقنُ حينها أنَّ الأرضَ بما رَحُبت، لا تُساوي لَحظةً واحدةً من هذا الشعور
.

وأعودُ لأتفقّدَ قلبي، وأتلمّسَ أطيافَ مَن تعلّقَ بِهم يوماً، فلا أجدُ فيهِ أحداً سِواك!
 أهكذا تُنقِذُني منهم ومِن نَفسي؟ أهكذا تَرُدُّني إليكَ رَدّاً جميلاً وتَحميني؟
أُحبُّكَ يا ربّ.. بِقلبٍ مهما امتدّت مَساحاتُهُ، واتّسعت تضاريسُه، سيبقى صغيراً جداً، ضئيلاً، ومُتوارياً جِدّاً.. أمامَ شعورحبِّك
.

اليومَ عُدتُ إليكَ يا ربِّ؛ فلا تسمح لروحي أن تتغرّب، ولا لقلبي -الذي بينَ يديك- أن يبتعدَ عنكَ شُعورياً.. من جديد.

2026/07/27

امسحيها

وكلما أمسكتُ بنظارتي الشمسية لأخبئ عينيّ خلفها، تذكرتك. تذكرتُ كلمتك المعتاده: "امسحيها".

كنتَ تتهمني بالعشوائية والإهمال، وتستنكر كيف ارتديها قبل أن أتأكد من خلو عدساتها من البقع. لم تكن تقتنع يوماً بمحاولاتي، فتنتزعها من يدي بحدة، وتمسحها بعصبية وأنت تردد:
"حتى أبسط الأشياء لا تجيدين فعلها"
 ثم تناولني إياها متأففاً، وكأنك تمنحني الإذن بالرؤية
.

كنتُ أضعها على عينيّ في صمت؛ نصفٌ مني يوهِم نفسه بالامتنان لاهتمامك بتفاصيلي،
ونصفٌ آخر يشتعل باعتراضٍ مبهمٍ لم أمتلك شجاعة فهمه حينها
.

ثم افترقنا...

لكن مع كل مرةٍ أرفع فيها النظارة لأرتديها، كنت ألمح وجهك الحانق ونظرتك المعترضة. وبتلقائيةِ الخائف، وحين يتردد صدى تأففك في أذني، كنت أبالغ في تنظيفها، أفركها بهلع؛ خشية غضبٍ لم يعد موجوداً، وهروباً من لومك اللاذع ونظراتك المشمئزة التي ظلت تطاردني.

إلى أن تبدل الأمر. شيئاً فشيئاً، أصبحتُ أتعمد تركها متسخه.
 أضعها فوق عيني ببقعها، بعشوائيتي التي تكرهها.
 أتركها تحجب عني شمس الظهيرة، وتثبت لي أنني تحررت، وأنني أصحت قادره على رؤية العالم بطريقتي.
فهل تحررت فعلا منك أم أنني لازلت ارى الحياه ببقعك؟

2026/07/12

"هذا فراقٌ بيني وبينك"

 "هذا فراقٌ بيني وبينك"
هو كالإدمان
كأعراض انسحاب النيكوتين من الجسد.
 الوحدة حين تخيّم،
والصمت حين يسيطر
 إنه الفراغ.
 أن توصد الأصوات من حولك فجأة،
 أن تفقد الشعور بالأشياء.
أن تنطفئ الأنوار، وتتوقف الأحداث.
أن تشعر بالبرودة تسيطر عليك؛ تصل إلى أطرافك، تزرقّ أظافرك،
 يخفت صوتك،
ويتشقق من فرط الجفاف حلقك.
أن يتكلموا حولك فلا تسمع.
 أن تحزن عيناك ولا تدمع،
 أن تتسارع نبضاتك
 وتتقلص أمعاؤك، أن تفقد الشهية للطعام، وللحياة، ولكل ما هو مقبل.

أن تمسك بهاتفك، تنبش في احتمالات أن تعود الاتصالات والأحاديث.
أن تتذكر اللحظات، وتومض أمامك الذكريات.
أن تستعيذ بالله من الشيطان؛ لعل وسواس الماضي لا يعاود المرور على عقلك، ولكنه يعود.

أن يستوطنك سؤال: لِمَ؟ وكيف؟ ومتى؟ ولماذا كان ما كان، إن لم يكن الحال سيدوم يوماً؟
أن تشعر بوجوب محاولة النهوض من جديد دون أن تلتفت إلى الوراء
 أن تمضي إلى الأمام وكأن لا قلوباً تعانقت، ولا ذكرياتٍ صُنعت، ولا أوقاتٍ أُهدرت، ولا وعوداً نُكثت...

"هذا فراقٌ بيني وبينك"
تظن الجملة هينةً، خفيفةً، رحيمةً حتى تقع على مسامعك، فتصفعك الحقيقة.
تظل تنتظر أن تكتمل معانيها، وأن يهبك الله العلم والمعرفة لتفهم الحكمة من ورائها؛
 وأن تُنبَّأ بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً في حينه.

2026/07/06

خلفك الشمس

تقف أمام الشمس فتحجب نورها بجسدك. تقف هي خلفك؛ تحجبها فتُخفيك.. تغطيها فتُطفئك. أرقبك ظلاً، كصورة سوداء، وأتأمل المشهد كلوحةٍ فنية: فراغٌ، وغروب، وخلفية، ورجلٌ يتوسط الإطار ليصبح بطله الأوحد. شمسٌ تكاد تغيب، وأنت رغم العتمة، الحاضر الوحيد.

لعل عينيّ تجاوزتا كل ما حولك واستقرتا عليك.
"من أنت؟"؛ سؤالٌ تكرر لشهورٍ واستوطنني. حاولتُ تفكيكه، فرزه، للاقتراب منك حد لمس أعماقك، أن أقرأك بلا حُجب، لكن اليقين ظل يراوغني. أتوهم حيناً أنني رأيتك، وأوقن مراراً أنني لم أفلح.

ربما صدقتَ حين أخبرتني بتضادنا؛ وأن هذا هو سر الانجذاب. غير أن النقيضين لا يجتمعان دون أن يُفني أحدهما الآخر. الأقرب للحقيقة أن كلينا نار؛ نارك متوهجة ظاهرة، وناري خفية قابعة في الأعماق؛ يظنها العابرون رماداً، وهي تستعر تماماً كنارك.

أم نحن مرآةٌ مشروخة تقاوم الالتئام؟ لسنا نقيضين يعجزان عن الالتحام، بل متشابهان يخشى كل منهما الانصهار التام.
أو قد نكون مرآةً يمكن جمع شظاياها لنصنع من الانكسار فناً، كـ "الموزاييك"، حيث يُخلق الجمال من رحم الأشياء المنكسرة
؟

تبدو كمن كفر بالضوء واستوطن الظلام، أو كمن عبث بالألوان طويلاً حتى تحولت حياته إلى لوحة تداخلت أصباغها حد النشاز. تتأرجح صورتك بين رجل متمرد باذخ الأنانية، ومراهق مراوغ يختبئ خلف متاريس الكلمات، وثمة ما يجعلني أراك كطفلي، كطفل ضلّ طريقه؛ فرغم الدهاء الذي يلمع في عينيك، لم يفلح شيء في حجب تلك الومضة التي ألمحها بين الحين والآخر: ومضة ابني الخائف المتردد الذي يبحث دائما عن الدفئ. أم أنني أنا من تختلق ما لا وجود له؟

أو لعلك الزاهد الذي سئم ضجيج الأرض، فيمّم وجهه شطر سماء بلا صراعات، ثم يعود خلسةً إلى المستديره يبحث فيها عما اضاع؟ أم أنك صياد الفرص الذي يرفض الاستسلام والهزيمة؟ من أنت من بين كل هؤلاء؟ الأرجح عندي أنهم جميعاً تواجدوا في تفاصيلك، فصنعوا ذلك الـ "أنت"؛ رجل التناقضات والألوان المجتمعة، المتفرد، الباذخ في كل شئ، مزدحم التفاصيل والصفات، غني الطبائع، مجتمع الشخوص، الواقف الآن أمام الشمس.

تعترف بأنك "رجل سيئ".. ارتكب من الخطايا ما لا يُحصى. ترى في نفسك الظلام، بينما أرى فيك نوراً خافتاً يأبى التجلي. لماذا تتمسك بالعتمة؟ لماذا تصر على الوقوف أمام الشمس؟

— "ممكن تِغَيّر وقفتك؟ تتحرك شوية.. تعالَ كده، مش باين من الشمس".

لا تتحرك. هل لا تسمعني أم لا تراني؟
غارقٌ أنت فيك
أُغير أنا وقفتي، أحيد عن مكاني، أحاول بشتى الطرق أن أضيئ الصورة.. أتحرك، أراوغك وأراوغ الشمس.. ألتف، أُمسك بهاتفي، أصوبه باحثةً عن الضوء.. وأخيراً أفلح.. أضغط الزر.

أفتح الصورة فأراها مهتزة.. لم تأتِ كما تمنيت

. أعود إلى موقعي الأول؛ أنت تقف.. وخلفك الشمس. 

2026/06/29

ثم لماذا

 

والساعة تشير إلى الرابعة فجراً... أخيراً خرج، جاء وظهر. واستبدل مكانه بالفراغ. انتهى شعور الغثيان الذي استمر حتى تمام الشهور واكتمالها.
وانتُزِعَ من بين أحشائي؛ لا، لم ينتزعه أحد... خرج هو... تنفس، أطل، صرخ وبكى بغضب... ليلتقط أنفاسه ويجيء
.

أهذه إذاً الحياة؟ تنفسها، رآها، خرج من هنا، خرج محاطاً بالدم، وبألمٍ لم أعهده من قبل، وجاء استجابة لدعاء وأمنية طال تحقيقها... بإرادة الله؛ لأراه، وألمسه، وأتنفسه، وأقرّبه، وأحتضنه... ولأبقيه حبيس القلب، محفوفاً بالعين، ومحفوظاً بالذكر والدعاء. كنت أخاف... كثيراً عليه...

لكنني كنت أستبقيه بالقرآن، وأستبقي معه الحياة، أراقبها تمرّ من خلاله، وأمررها معه، وأتحمل مرارتها به... كان الأمنية الأهم... والدعاء المجاب. أراقبه نائماً، فأرقيه... أمرر يدي فوق قلبه لأطمئن... بأن نعمة الله لا زالت قائمة، ففي بعض الأحيان من كثرة تعلقنا بالشيء نخاف فقده...
كنت أخاف عليه ملمس الأيدي، واقتراب الأنفاس... وعبث القبلات... كان الأهم... ووحده أصبح المهم... وبه تبدّلت الأولويات، وتغيّر شكل الأيام، وبه تحوّلت مسيرة المشاعر... ومسار الحياة... وكل ما أحمله من حب تحول وقعه منهم إليه
...

ثم ماذا؟

انفلت كل ما فيه. ورغم أنه لم يُنتزع من أحشائي، إلا أنه انتُزع من حياتي. لم يحدث قط أني فرطت، ولكن حدث أن سُلِبَ مني بغتةً.. ذهب ولم يَعُد. كان يقف بجانبي، ممسكاً بيدي، وفجأة، نظرت أمامي وحين عدت لأنظر بجانبي، لم أجده! ذُهلت؛ ألم يكن هنا للتو؟ أنظر إلى يميني ويساري، في الأمام والخلف، حولي، وبيني وبين نفسي: أين ذهب؟ كيف تُسلب منا الأشياء وهي معنا؟

أهذا هو الابتلاء في شكله الأقسى؟ ماذا بعد؟ وكيف أحتمل البُعد؟ أهذا اختبار الصبر أم اختبار الفقد؟ أم اختبار كل ما تعلق به القلب؟ أهذا اختبار التخلي؛ أن تُبتلى فيما تحب؟

مشيتُ أبحث عنه، ألتفتُّ يمنةً ويسرةً، أُجيل بصري وأرفع صوتي. أبحث عنه بحواسي كلها، بمنتهى التعقل.. وبمنتهى حرقة القلب.

ثم ماذا؟

بدأ القلب يبرد، يستسلم، ويحيد عن التفكير. أهذه هي الأمومة في كفرها وقنوطها، أم في ضعفها؟ ألم يقولوا قديماً إن البعد يُقسي القلوب؟ فلماذا فتر قلبه، وانفطرعليه قلبي؟

أشتاق، وأتأذى، ويُعلن قلبي احتجاجه على الحياة بأكملها.
يتردد سؤال "لماذا؟"، ويتكرر...فأتعامل معه وكأنه لم يأتِ.

أكمل الحياة. أمشي فيها. ولكن لا يتركني سؤال "لماذا؟"

2026/06/19

زجاج

أراقبك
 كيف تمشي فوق الزجاج حافياً دون أن تُجرَح؟
الزجاج يتناثر تحت أقدامك، لكنك تمضي فوقه وكأنك تطأ أرضاً صلبة، أو رمال طريه أو دروباً مألوفة تعرف خباياها وتتقن مسايرتها
. هل ثمة من يمشي فوق الزجاج المنكسر، فوق الشظايا الجارحة والقطع الحادة حافياً، دون أن تنغرس إحداها في قدمه؟ دون أن تمزق نسيجه؟ دون أن تُحدث جرحاً، أو نزفاً، أو أثراً؟

أراقبك
 كلما تهشم لوحٌ زجاجي تحت قدمك، قفزت فوراً إلى آخر.
تتوالى قفزاتك، واحدة تلو أخرى، حتى استحالت خطواتك إلى قفزاتٍ متتالية.
لقد أدمنت المضي بهذه الطريقة، يتشقق الزجاج تحتك، وفي اللحظة الحاسمة تنجو بنفسك، وتقفز قبل أن تطالك الشظايا
.. ولكن، هل هي حقاً لا تطالك؟

ألفت الخطر، واستهويتك المغامرة، وتعددت محطاتك، حتى نسيت شكل الأرض، ومعنى الثبات وضرورة المشي.
حتى جاءت تلك اللحظة حين اشتد الهواء وعصفت الرياح، وتطايرت الشظايا لتصفع إحداهن وجهك، وتصيب أخرى رأسك، وكأن الأرض انقلبت لتصبح سماءً تمطر شظايا. تناثرت حولك في كل اتجاه، فجرحت كل ما فيك
.

كيف لك إذن أن تمشي فوق الزجاج فتنجو أقدامك، بينما يتمزق كل ما فيك؟

  

2026/06/06

رماد اسود

 

وتتذكر... البداية.

تتذكر أنها راهنت ذات يوم على "البياض"؛ على قدرته أن يبتلع السواد، وأن يسود على الظلام. راهنت على معادلة النور، وعلى طاقة اللون الأبيض في الاجتياز، والانتشار، ومحو ما دونه حتى وإن حدث ذلك ببطء. راهنت على الخير، والصواب، والفضيلة، وأقسمت أن النور إن فاض وزاد، سيمحو كل بقعة قاتمة.

لكنها تغافلت عن حقيقة أن أساس المعادلة معكوس؛ وأن السواد أقوى، وأطغى، وأكثر شراهة لالتهام كل الألوان. السواد إن ظهر غطّى، وإن استُخدم طمس، وأن مجازفتها بقلب الموازين كانت محض وهم.

وأنت... أنت ذلك السواد الذي توهمتُ قدرتي على تغييره، فغيّرني هو. أنت السواد القوي الطاغي. بفرشاة، بحركة، وبخطوةٍ بدأتَ. بخطةٍ، بترتيب، وبخطواتٍ صغيرة محسوبة ودقيقة زحفتَ. بفرشاةٍ سوداء على ورقةٍ بيضاء، وضعتَ نقطة، فأخرى، ثم أخرى. رسمتَ خطوطاً، شكلتَ وجوهاً، ثم كسرتَ كل الحدود... لتختنق الورقة البيضاء بسوادك، وتتلطخ بالكامل، وتُسلب هويتها.

والآن... كيف نغسل ما اسودّ؟ وكيف نسترد بياضاً افتقدناه؟

تفرج عن شفتيها، فيتسرب الدخان من بينهما، ثم تعاود الكَرّة. تطبق شفتيها علبها وكأنها تمتص شيئاً إلى أعمق نقطة في جوفها... تغمض عينيها، وتشد جفنيها بقوة، ثم تطلق سراح أنفاسها ليتسع فمها في شكل دائري يلفظ ذلك الدخان الأبيض. تفتح عينيها لتراقبه وهو يشكل أطيافاً تتأملها حتى تتلاشى. ترفع كفها، تمرر أصابعها عبر الدخان، تريد أن تلمسه، أن تستشعره...

ثم تعيد الفعل ذاته؛ تسحب شيئاً إلى داخلها، ليخرج على إثره شيء آخر. إلى أين يذهب هذا الهواء المصنوع؟ المصبوغ؟ أين تذوب أشكاله في الطبيعة؟ وفيمَ تتغلغل رائحته؟ ولماذا لا تصمد الأبخرة طويلاً؟ تتلاشى أمامها بلمح البصر، بينما تتوق لو تبقيها عالقة في الهواء لفترة أطول. كيف السبيل إلى القبض عليها؟ ولماذا تلحّ في طلب بقائها؟

تنفث الدخان ببطء شديد لعله يمكث، لكنه يرحل بنفس السرعة... تحتفظ به في جوفها لوقت أطول، تظن أنه سيصبح أكثف وأثقل ليطول أمد بقائه، لكن محاولاتها جميعها تبوء بالفشل. ذلك الهواء، ذلك الدخان الأبيض، يأبى البقاء. أشكاله ترحل دائماً.

تغمض عينيها مجدداً... وتستسلم لإيقاع شفتيها بين الجماد والهواء. وفي عتمة الجفون، تتخيل رسومات الدخان.

تفتح عينيها فجأة... لتجد الرماد الأسود قد ملأ الطفاية البيضاء. تحدق في بياضها الذي شوهه السواد المتراكم. تسدل رأسها ببطء، وتنفث الهواء بقوة نحو ذلك الرماد المتبقي لعلّه يطير، لعلّه يرحل كما رحل الدخان الأبيض الخفيف... لكنه يبقى قابعاً هناك، ثقيلاً، عنيداً، لا يتزحزح.