2026/03/29

سراب الطيور

 الحرية؟

ان تحيا بلا حدود

أن تكونَ أنتَ أينما تكون،

بلا فكرةٍ تُقيّدك،

ولا غايةٍ تُسيّرك،

ولا كلمةٍ تُعرّفك

ولا تعلق يثقلك.

أن تعلو عن صخبِ المألوف،

عن أحكامِ العارفين،

وألا تنظر في مرآةِ الآخرين.

أن تكونَ أنتَ…كما أنت،

أن تطير في الأثير

أن تُتقنَ "الاستغناء"،

أن تعلو على الأشياء


أن تنظرَ إلى الطيور… فلا تغبطها،

وأن تسكنَ الأرض… فلا تمقتها،

أن تُحبَّ الحياة، وتفتحَ قلبكَ لها،

فتتنفّسَ هواءها… دون أن تختنق.

أن تكرهَ القيدَ والتكبّلَ والتبجيل،

ألا تكونَ عبدًا لوصفٍ، أو صنفٍ،

أو "أنا".. أو تشبيه.

أن تتفرّد… وإن انفردت،

أن تسكنَ نفسك… وإن اعتزلت.

ألا تكونَ غيمة تعوم في الأثير،

-------------------

أهذهِ الحرية؟ ما الحرية؟

"أن تفعلَ ما لا يؤذي الآخرين"..

تلكَ الجملةُ التي رضعناها، واختزلنا فيها الوجود،

فكبرنا مكبّلين بوعودِها،

وسقطنا في أقفاصٍ من حرير.

والمأساةُ.. كلُّ المأساة، أننا لم ندركْ أنها قضبان.

طبعَتنا، فألفناها، فتأقلمنا،

حتى تماهينا معها وسكنّاها..

دون أن نعلمَ أننا لا نعانقُ سماءً، بل نقتاتُ على الوهمِ داخلَ السياج.

ثم صرخنا: "البراح".. "السراح"!

تمردنا على الأرضِ والقضبان،

أردنا الحريةَ التي تُعاش.. لا التي تُقال.

وحين تذوّقناها.. ثمّنّاها،

أدمنّا الهروبَ إليها، وصارت هي الفكرةَ والمبدأَ والغاية.

قلنا: "لن نعود".. فالحريةُ وما دونها عَدَم.

لكن.. للحريةِ لعنة! جاذبية

تجذبُكَ كهاويةٍ ، تسحبُكَ بعيداً..

حتى لا تعودَ تُطيقُ قيداً أو استقراراً.

تكرهُ الثبات، وتهربُ من كلِّ فكرةٍ توقفُ تحليقَك.

تطيرُ.. حتى تضيعَ منك ملامحُ الدار،

وتسقطَ في عتمةٍ باردةٍ.. أنانية.

لا تعبأُ بأحد، ولا يبالي بك شيء.

تلكَ كبوةُ الحرِّ حين يُغويهِ المدى

فلا يجدُ "النور" الذي بحثَ عنه،

بل يجدُ نفسَه قد عادَ عبداً..

لشيءٍ آخر، أكثرَ سطوةً، وأشدَّ قسوة.. عبداً لسرابِ مهاجرا من الطيور. أخطر أنواع العبودية هي تلك التي نختارها ونسميها حرية، وأقسى أنواع الضياع هو أن تملك الأجنحة ولا تملك وطناً تهبط فيه

2026/03/25

 ثَمّةَ حُبٌّ لا نُعلنه، نَستودِعُه خَزائنَ السِّرِّ، ونُخبّئُه في مَواطِنِ الغَيْب، ونُسمّيهِ "شيئاً خاصاً جداً"
 خُلقَ فينا ولنا.
نَخشى عليهِ هَواءَ الأرضِ وضَوْءَ العَلَن؛ مخافةَ أن يَتلوَّثَ، أو يَتسرَّبَ إلى لسانِ الحكاياتِ فيَفْسُد.
كأنَّه شأنٌ سَماويٌّ بَحْت، أرَقُّ وأطهَرُحتى مِن انْهِمارِ المَطَر.

نَكادُ مِن فَرْطِ الحِرصِ ألّا نَعترِفَ بهِ لأنفُسِنا، نَذودُ عنه سِهامَ الأعين، ورَجمَ الظنون، ولَغْوَ القول.
يسكنُ "هُنا" فقط
 في حَنايا القَلْب، وأغوارِ الرُّوح، وبَينَ الجَفْنِ والـمُقْلَة.
لا يُترجمُه لَفْظٌ، ولا يَمُرُّ عبرَ حَنْجَرة؛ نَعتكِفُ بهِ في الدّاخلِ وننأى بهِ عن الخارج،
كالصَّلاةِ، كالدُّعاء، ككلِّ عِبادةٍ لا نُجاهرُ بها.

ليسَ لأنَّه هَشٌّ، بل مِن فَرْطِ قَداسَتِه ونُدرتِه،ومِن شِدَّةِ التحامِه بِنا؛
 فكلُّ ما يخرجُ للعَلَنِ يَستحيلُ "مادّةً" مَلموسة، ونحنُ نُريدُه مَشاعرَ لا تُمسّ.
هذا هو الحُبُّ كما أعرف: خاصٌّ، قُدسيٌّ، ومُترَفِّعٌ عَن المَشاع فِعلٌ حَميميٌّ لا يَقبَلُ الشَّراكة، خُلِقَ لَنا، وبِنا، ولِأجلِنا
 لِنَعيشَه وَحْدنا .

2026/03/17

قطرة

وهذه هي الحكاية إذاً.. هكذا تبدأ الأشياء، وهكذا تبدو.. تتضح وتتبلور.

هكذا يرتب الله المشاهد والشواهد، هكذا يقرّب ويباعد. هكذا يسير بنا، يَسُرُّ قلوبنا، ونُسَرُّ لبعضنا.
وإلى هنا يأتي بنا، نلتقي فنتلاقى، نألف الآخَر فنتآلف.

هكذا يزيل الله المساحات والمسافات والأمتار، والعراقيل، والمفارقات، ليضعنا في أماكننا، في الطرق الأنسب لنا
 يأخذنا إليها بلا جهدٍ منا.

هكذا يصرّف ويغيّر، وهكذا تتعرقل السبل، تتداخل وتتعقد؛  لتتضح الصورة فيما بعد، لتظهر التفاصيل، ونفهم ما لم نفهمه سابقاً.

يصبح الشبه، والتماهي، والتقارب والتماثل والتلاقي بيننا وبين ما يناسبنا كالمعجزة، كالقدر وكالحدث المنتظر.

هكذا تبدو الأشياء سهلة، ميسرة، مناسبة، منسابة، مترقرقة ومتماشية بلا جهدٍ ولا مجهود، بلا محاولات ولا إجبار، بلا حيرة، ولا تحفزوبلا قلقٍ أو تفكير.

هكذا إذاً تأتي الأشياء

هكذا تسقطُ في بحرنا؛ موجةً تلو موجة، في تناغمٍ وإحلال لا تضاد ولا فوارق. تأتي حيث تنتمي فتذوب.

ينسابُ الماءُ بتلقائيةٍ مذهلة. أطرافُ الموج تتلامس، تتشابك، وتتعانق  يصعبُ فراقها. تعلو لتبلغَ ذروة المدى، ثم تهبطُ معاً إلى القاع.. دون أن ينفكَّ وثاقها
. هنا عالمٌ أوحد، مقتطعٌ من صخبِ العالمِ الأكبر. ربما لا أحد يدركُ السرَّ سوى البحر؛ كيف يأذن لقطرةٌ بالدخول.. فتصيرُ هي البحر

2026/03/09

تأملات ال 33

 أقف أحيانًا أمام نفس الأبواب التي أغلقتها يومًا، بعدما نالني ما نالني من التواجد خلفها، أكاد أعيد فتحها بعد أن أنسى. ذلك النسيان، تلك الغمامة الرحيمة التي تمسح عن أعيننا قسوة المشهد القديم لتدفعنا خطوةً إلى الأمام، تسرق منا أيضًا بخبثٍ ذاكرة الوجع. ننسى كيف انقبضت قلوبنا، وكيف بهتت ملامحنا، ننسى طعم الوجع وتضاريس التجربة، فننظر إليها بحياد، أو بذاكرة من لم يعشها، لنجد أنفسنا نمدّ أيدينا مرة أخرى لنفس الباب، لنفتحه وندخل إلى النار، ظنًا منا أنها هذه المرة قد تكون بردًا وسلامًا.

كنت أظن أنني أُمسك بخيوط حياتي؛ أتحكم فيها، أقرر وأخطط وأحسب. ثم أدركت من التجارب أن يدي لا تمسك شيئا ولا تلمس الا هواء وأن العين لا ترى ، وأنني مهما أمعنت النظر لا أبصر، ومهما بدت الأشياء واضحة تظل رؤيتنا ناقصة. صرت أجلس مع استخاراتي مع مطالباتي الالهيه، أُسكت ذلك الصوت اللجوج في رأسي، وأهمس بصدق : "دبّر لي، فإني لا أحسن التدبير. أرِني طريقي، اختر لي، اجعلني أنظر فأرى، وامشِ بي."

أصبحت أُفلت كل الخيوط، وأسلّم، وأمحو ترقّب النتيجة من قلبي. أنتظر اختياراته وقراراته، وأتيقن بأن الطريق سيظهر، وبأن الأسفلت سيتحوّل إلى طريق، وبأن شيئًا ما سيأخذني حيث الخير الذي يريده لي. أصبحت أجد سكينة التسليم تتسلل إليّ، تسليمٌ لمن لا يضيع أجر من أحسن عملًا... تسليمٌ لمن لا يترك، ولا يُخيّب، ولا يظلم.

في الماضي، كانت أي كلمة نقد تستنفر كل جيوشي الدفاعية. أما الآن، حين تُرمى الكلمة، لا أفكر في من قالها، بل أسأل نفسي: "ماذا لو كان هذا الناقد يحمل مصباحًا ينير لي زاويةً معتمة كنت أتعمد تجاهلها؟

وبنفس هذا الهدوء، تساقطت جدران خوفي من غضب الآخرين. أتذكر المرة الأولى التي جفّ فيها حلقي وأنا أنطق كلمة "لا" خائفة؛ كنت أنتظر عاصفة الغضب، لكن الصدمة كانت في السكون الذي تلاها. لم يغضب أحد، بل أصبحت المساحات بيننا أوسع وأكثر نقاءً.

أدركت حينها أن الناس يتحركون مثقلين بندوبهم وطبقاتهم النفسية، وأن سهامهم غالبًا ما تكون طائشة؛ لا تقصدني شخصيًا، بل تعكس فوضاهم الداخلية. فتعلمت أن أتركهم لما يحملون، وانسحبت بهدوء خلف جداري الزجاجي.

من فرط ما فقدت، تبدلت نظرتي لكل شيء. لم يكن درسًا سهلًا، بل ضريبة قاسية دفعتها من رصيد قلبي الذي اعتاد التشبث. محوت جملة "مستحيل أن أفعل ذلك" من قاموسي، حين رأيت الأرض تميد تحت أقدام ثوابتي القديمة، وكيف أن ما نعيبه اليوم قد نرتديه غدًا. صرت أمشي بخفة، لا أحمل معي ما يثقل خطوتي في الرحلة، فقد علّمني الاستغناء أن هذا العالم، بكل ما فيه من صخب، أصغر بكثير من أن نقبض عليه بأيدينا.

ولطالما توهمت أن الشجاعة هي أن أظل واقفة في ساحات غير قابلة للحياة، أردم طرقًا حجرية وأرمم جدرانًا آيلة للسقوط حتمًا. لكنني تعلمت، بعد طول استنزاف، أن البطولة الحقيقية تكمن أحيانًا في الانسحاب. أن تعرف متى تحارب بشراسة، ومتى تدير ظهرك لطريق ليس لك.

وما بين السعي والانسحاب، يقف الصبر كالصحراء الممتدة؛ تمشي فيها ولا ترى نهاية لخطواتك، وأحيانًا تساق لك نتائج عكس ما تمنيت. لكن قلبك يظل موقنًا بأن خلف هذه الرمال واحة خبأها الله لك، وأن الغد يحمل اختلافًا يليق بوعده:
"ولسوف يعطيك ربك فترضى."

ألتفت إلى الوراء الآن، فأرى كيف تقاطعت طرقي مع غرباء صاروا ملاذًا، وكيف أرسلني الله أو أرسلهم في اللحظة الدقيقة التي كاد فيها الخيط أن ينقطع. تترتب المشاهد أمامي لتخبرني أن الحياة، على قصرها، أبسط بكثير من هذا التعقيد المنهك الذي ننسجه حولها. وأن النجاة الوحيدة، وسط كل هذا التيه، هي أن تظل بوصلة القلب، وبصر الروح، وسكن النفس معلّقة دائمًا بالله.

2026/03/05

خذلان

ألقى بجسده داخل السيارة وصفق الباب بعنف. رمى هاتفه على المقعد المجاور، وأرخى كفيه لتسقطا بثقل فوق فخذيه. النوافذ مغلقة، والهواء راكد، وهو مستسلم تماماً.

في عتمة الساحة التي تحجب الوجوه، تهاوت صرامة ملامحه التي طالما جاهد للاحتفاظ بها. هنا، حيث لا شهود، انخرط في بكاءٍ حارق لم يعهده من قبل. تلاحقت أمامه صور الخذلان المتتالية، تسحب معها كل ما تبقى من طاقته وحضوره.

فجأة، انتفض وكأن ضعفه أخافه. امتدت ذراعه إلى الخلف دون أن يلتفت، تحسس علبة المناديل، سحب ورقة تلو أخرى، ومسح وجهه بعنفوان. تنفس بعمق، ودس المنديل المبلل في جيبه.

اعتدل في جلسته. صوت النداء الأخير ما زال يتردد في رأسه. ضغط زر التشغيل، فزمجر المحرك، واندفع هواء المكيف البارد مختلطاً بصوت المذياع. خفض الصوت، وربط حزام الأمان بحركة آلية محضة.

بدأ في التراجع ببطء. لم يكلف نفسه عناء النظر في المرآة أو الالتفات للخلف؛ فقد حفظ هذه المساحة عن ظهر قلب. لكن مع كل متر يتراجع فيه، كانت المسافة تبدو وكأنها تضيق. زاد من ضغطه على دواسة الوقود، مدفوعاً برغبة محمومة في الهروب، في إنهاء هذا التراجع بأسرع ما يمكن.

ضاقت المساحة حتى انعدمت. حرك المقود يميناً ويساراً، حاول التقدم ليعدل مساره ثم التراجع مجدداً، مرة بعد مرة، بلا جدوى. صوت احتكاك معدن السيارة بالجدار خدش سكون الليل. أطفأ المحرك، أو ربما انطفأت رغبته في المحاولة. أسند رأسه إلى عجلة القيادة، وحدق في الفراغ أمامه عبر الزجاج... لم يكن هناك مسار للتقدم، ولا مساحة للعودة.

2026/02/27

لحظة خروج

 لم يعلم يعد هناك سوى ذلك الممر الضيق الذي يبتلعها، صمت مطبق يغلف روحها وهي تتلاشى عن الأنظار نحو جوف الطائرة. هذا هو المشهد الأخير إذا.

قبل دقائق، كانت أصابعها ترتجف وهي تطوي شاشة الهاتف، ونبضاتها تقرع صدرها بعنف. الكلمات التي التهمتها في الرسائل المتلاحقة كانت إقرارا قاطعا بأن قرار الرحيل حتمي. لم تُجب...اكتفت بالصمت وهي تقف خلف الزجاج العريض، ترمق الطائرة كوحش معدني ينتظر انتزاعها من أرضها، أو ربما كطائر أبيض خرافي جاء من السماء لإنقاذها، الأيام وحدها هي من سيصنف هذا الكائن.

كانت قاعة الانتظار باردة، تماما كبرود مشاعرها، أو ربما كانت تحاول "ألا تشعر" هربا من طوفان تعرف أنها لن تقوى على مواجهته. وقفت أمام الزجاج الذي بحجم جدار، تتساءل عن الكاذب الذي أقنعها بأن الهدم أسهل من البناء، بينما تشعر أن هدم حياتها السابقة كان أشبه باقتلاع الروح من الجسد.

طخ...
ذلك الصوت المدوي لختم جواز السفر لا يزال يطن في أذنيها، وربما لن يغادرها أبدا. لم يكن حبرا، كان فأسا يهوي على ما تبقى من صلتها بهذا المكان. قبل هذا الصوت بلحظات، كانت تهمس لنفسها برجاء مستميت: "لا تراجع"، وهي تتخطى الضابط بخطوات آلية، هاربة من عينيه...عيني سجانها التي لم تجرؤ على النظر فيهما وهي تودعه. مضت نحو الطائرة، تسحب جسدها سحبا
.

المستقبل أمامها ضبابي، والقلب استنزِف حتى آخر قطرة، بينما تتخدر الأفكار بالتركيز على روتين المطار الرتيب. عيناها تنظران ولا تريان سوى أطلال حياة تهدم، وتدرك أن التفاتة واحدة للوراء كفيلة برؤية حياتها وهي تسقط كناطحة سحاب تخور في صمت.

"ألا تريدين العودة؟كانت هذه آخر جملة سمعتها بصوته، خرجت من أعمق نقطة في روحه. ولأول مرة، رأت الدموع تترقرق في عينيه. في تلك اللحظة، فكرت في التراجع. شعرت بالشفقة تأكل أحشاءها، وتساءلت بمرارة: "أهذا هو مرض الضحية التي تقع في غرام جلادها؟"

خافت أن تتمعن فيه وتضعف. أتعود؟ وإلى أي طريق؟ وهل تبقت طريق أصلا تحت قدميها؟ رأفة به، لم تجبه. ورأفة بنفسها، ودعته وجرت خطواتها نحو بوابات المغادرة كآلة مبرمجة.

ورغم رسالته الأخيرة، لا تزال تتذكر انكساره، وملامحه المنسحبة. التعاسة لا تكفي لوصف ارتعاشة يديه أو انطفاء بريق عينيه اللتين طالما رمقتاها بقسوة. حتى نبرته انكسرت...لأول مرة تراه بهذا الشكل. ورغم ذلك، ظل يمارس دوره المعتاد في حمايتها، يحمل حقائبها، وينهي الإجراءات نيابة عنها بصوت خافت.

مع كل خطوة كان يخطوها لأجلها، كان ذنب ثقيل يتسلل إلى صدرها، قابعا هناك منذ زمن، يتغذى على أفكارها، منتظرا هذه اللحظة ليشل كيانها ويحثها على التراجع. ولكنها ثبتت.

في بداية ذلك اليوم، وقبل أن تطأ قدماها أرض المطار، تذكرت مقولة طبيبها النفسي: "لحظة خروج المسجون من زنزانته غالباً ما تكون أقسى من سنوات سجنه". الآن فقط، وهي تتنفس هواء الطائرة الغريب، أدركت ما كان يقصده. الحرية ليست دائماً خلاصاً، أحياناً تكون هي الزنزانة الأكبر لمن اعتاد القيد.

منبه

 يرن المنبه.
تنتظر أن يصمت من تلقاء نفسه، كأنها تختبر صمود عناده. لكنه لا يسكت، يتمادى، يتمدد صوته في أرجاء الغرفة.تمد يدها... هي الحركة ذاتها، والزاوية ذاتها، وملمس الهواء البارد ذاته. تتحسس سطح الطاولة... فراغ. تتوغل يدها تحت الوسادة، تمررها فوق الملاءة، على أطراف السرير، وفي الفراغ الذي يشاركها الوسادة كل ليلة... لا تجده. تقرر ألا تبذل جهدا إضافيا، تستسلم للنوم، وليستمر هو في صراخه.بعد خمس دقائق من المحاولات اليائسة، ينهكه الصمت المتعمد... فيسكت فعلا.يتمدد هناك، تحت السرير، في بقعة غبار لم تتغير منذ عشرات "الأيام" المكررة. لا يدرك كيف انتهى به المطاف في هذا الموقع، هو الذي وضع يوماً بعنايةٍ فوق الطاولة. هل سقط؟ هل دُفع بضجر؟ لا يهم، ففي قانون التكرار، تتعدد الأسباب والنتيجة واحدة.هو يحاول... وهي لا تستجيب. هذا هو السيناريو الذي لا يتبدل. يحاول أن يقتلعها من السرير، أن يغريها بملابس التمرين التي شحب لونها من كثرة الانتظار، أن يدفعها إلى "خارجٍ" لم يعد له وجود، لأن كل الطرق في نهايتها تعود إلى هذه الغرفة، وإلى هذا السرير.لكن... ماذا لو كان هو العالق في الفخ؟ ماذا لو لم تكن هي من تؤجل حياتها، بل هو الذي يعاد تدويره في عبث مطلق؟ هو لا يعرف خيارا ولا يملك إرادة التغيير، يضبط مساء فينتظر الصبح، يلقى تحت السرير فينتظر النهار، ييأس... ثم يعاد إلى الحياة بلمسة من يدها، ليبدأ عذاب الرنين من جديد.يرن. ييأس. يعاد ضبطه.يرن. ييأس. يعاد ضبطه.وفي ليلة، قرر المنبه أن يكسر "الدائرة".ماذا لو صمت؟

حل الصبح، وجاء الوقت المعروف، وللمرة الأولى... لم يخرج منه صوت. بقي في مكانه، يحبس أنفاسه، يراقب السرير، منتظرا أن يذوب الزمان طالما أن "صافرة" البداية لم تنطلق. ظن للحظة أنه انتصر، أنه أحدث الثقب الأول في جدار التكرار.ولكن... أيقظها"غياب الصوت". استيقظت لأن جسدها مبرمج على التكرار. بحثت عنه بذعر،عبثت بيديها في الفراغ، همست باستغراب: "أين اختفى؟"وجدته. أمسكته، أعادت ضبطه، رجعت لتستكمل نومها.

أدرك المنبه حينها الحقيقة الكاملة: لا نهاية لهذا التكرار.

وفي الصبح التالي
استسلم
ورن.