الحرية؟
ان تحيا بلا حدود
أن تكونَ أنتَ أينما تكون،
بلا فكرةٍ تُقيّدك،
ولا غايةٍ تُسيّرك،
ولا كلمةٍ تُعرّفك
ولا تعلق يثقلك.
أن تعلو عن صخبِ المألوف،
عن أحكامِ العارفين،
وألا تنظر في مرآةِ الآخرين.
أن تكونَ أنتَ…كما أنت،
أن تطير في الأثير
أن تُتقنَ "الاستغناء"،
أن تعلو على الأشياء
أن تنظرَ إلى الطيور… فلا تغبطها،
وأن تسكنَ الأرض… فلا تمقتها،
أن تُحبَّ الحياة، وتفتحَ قلبكَ لها،
فتتنفّسَ هواءها… دون أن تختنق.
أن تكرهَ القيدَ والتكبّلَ والتبجيل،
ألا تكونَ عبدًا لوصفٍ، أو صنفٍ،
أو "أنا".. أو تشبيه.
أن تتفرّد… وإن انفردت،
أن تسكنَ نفسك… وإن اعتزلت.
ألا تكونَ غيمة تعوم في الأثير،
-------------------
أهذهِ الحرية؟ ما الحرية؟
"أن تفعلَ ما لا يؤذي الآخرين"..
تلكَ الجملةُ التي رضعناها، واختزلنا فيها الوجود،
فكبرنا مكبّلين بوعودِها،
وسقطنا في أقفاصٍ من حرير.
والمأساةُ.. كلُّ المأساة، أننا لم ندركْ أنها قضبان.
طبعَتنا، فألفناها، فتأقلمنا،
حتى تماهينا معها وسكنّاها..
دون أن نعلمَ أننا لا نعانقُ سماءً، بل نقتاتُ على الوهمِ داخلَ السياج.
ثم صرخنا: "البراح".. "السراح"!
تمردنا على الأرضِ والقضبان،
أردنا الحريةَ التي تُعاش.. لا التي تُقال.
وحين تذوّقناها.. ثمّنّاها،
أدمنّا الهروبَ إليها، وصارت هي الفكرةَ والمبدأَ والغاية.
قلنا: "لن نعود".. فالحريةُ وما دونها عَدَم.
لكن.. للحريةِ لعنة! جاذبية
تجذبُكَ كهاويةٍ ، تسحبُكَ بعيداً..
حتى لا تعودَ تُطيقُ قيداً أو استقراراً.
تكرهُ الثبات، وتهربُ من كلِّ فكرةٍ توقفُ تحليقَك.
تطيرُ.. حتى تضيعَ منك ملامحُ الدار،
وتسقطَ في عتمةٍ باردةٍ.. أنانية.
لا تعبأُ بأحد، ولا يبالي بك شيء.
تلكَ كبوةُ الحرِّ حين يُغويهِ المدى
فلا يجدُ "النور" الذي بحثَ عنه،
بل يجدُ نفسَه قد عادَ عبداً..
لشيءٍ آخر، أكثرَ سطوةً، وأشدَّ قسوة.. عبداً لسرابِ مهاجرا من الطيور. أخطر أنواع العبودية هي تلك التي نختارها ونسميها حرية، وأقسى أنواع الضياع هو أن تملك الأجنحة ولا تملك وطناً تهبط فيه