2026/03/09

تأملات ال 33

 أقف أحيانًا أمام نفس الأبواب التي أغلقتها يومًا، بعدما نالني ما نالني من التواجد خلفها، أكاد أعيد فتحها بعد أن أنسى. ذلك النسيان، تلك الغمامة الرحيمة التي تمسح عن أعيننا قسوة المشهد القديم لتدفعنا خطوةً إلى الأمام، تسرق منا أيضًا بخبثٍ ذاكرة الوجع. ننسى كيف انقبضت قلوبنا، وكيف بهتت ملامحنا، ننسى طعم الوجع وتضاريس التجربة، فننظر إليها بحياد، أو بذاكرة من لم يعشها، لنجد أنفسنا نمدّ أيدينا مرة أخرى لنفس الباب، لنفتحه وندخل إلى النار، ظنًا منا أنها هذه المرة قد تكون بردًا وسلامًا.

كنت أظن أنني أُمسك بخيوط حياتي؛ أتحكم فيها، أقرر وأخطط وأحسب. ثم أدركت من التجارب أن يدي لا تمسك شيئا ولا تلمس الا هواء وأن العين لا ترى ، وأنني مهما أمعنت النظر لا أبصر، ومهما بدت الأشياء واضحة تظل رؤيتنا ناقصة. صرت أجلس مع استخاراتي مع مطالباتي الالهيه، أُسكت ذلك الصوت اللجوج في رأسي، وأهمس بصدق : "دبّر لي، فإني لا أحسن التدبير. أرِني طريقي، اختر لي، اجعلني أنظر فأرى، وامشِ بي."

أصبحت أُفلت كل الخيوط، وأسلّم، وأمحو ترقّب النتيجة من قلبي. أنتظر اختياراته وقراراته، وأتيقن بأن الطريق سيظهر، وبأن الأسفلت سيتحوّل إلى طريق، وبأن شيئًا ما سيأخذني حيث الخير الذي يريده لي. أصبحت أجد سكينة التسليم تتسلل إليّ، تسليمٌ لمن لا يضيع أجر من أحسن عملًا... تسليمٌ لمن لا يترك، ولا يُخيّب، ولا يظلم.

في الماضي، كانت أي كلمة نقد تستنفر كل جيوشي الدفاعية. أما الآن، حين تُرمى الكلمة، لا أفكر في من قالها، بل أسأل نفسي: "ماذا لو كان هذا الناقد يحمل مصباحًا ينير لي زاويةً معتمة كنت أتعمد تجاهلها؟

وبنفس هذا الهدوء، تساقطت جدران خوفي من غضب الآخرين. أتذكر المرة الأولى التي جفّ فيها حلقي وأنا أنطق كلمة "لا" خائفة؛ كنت أنتظر عاصفة الغضب، لكن الصدمة كانت في السكون الذي تلاها. لم يغضب أحد، بل أصبحت المساحات بيننا أوسع وأكثر نقاءً.

أدركت حينها أن الناس يتحركون مثقلين بندوبهم وطبقاتهم النفسية، وأن سهامهم غالبًا ما تكون طائشة؛ لا تقصدني شخصيًا، بل تعكس فوضاهم الداخلية. فتعلمت أن أتركهم لما يحملون، وانسحبت بهدوء خلف جداري الزجاجي.

من فرط ما فقدت، تبدلت نظرتي لكل شيء. لم يكن درسًا سهلًا، بل ضريبة قاسية دفعتها من رصيد قلبي الذي اعتاد التشبث. محوت جملة "مستحيل أن أفعل ذلك" من قاموسي، حين رأيت الأرض تميد تحت أقدام ثوابتي القديمة، وكيف أن ما نعيبه اليوم قد نرتديه غدًا. صرت أمشي بخفة، لا أحمل معي ما يثقل خطوتي في الرحلة، فقد علّمني الاستغناء أن هذا العالم، بكل ما فيه من صخب، أصغر بكثير من أن نقبض عليه بأيدينا.

ولطالما توهمت أن الشجاعة هي أن أظل واقفة في ساحات غير قابلة للحياة، أردم طرقًا حجرية وأرمم جدرانًا آيلة للسقوط حتمًا. لكنني تعلمت، بعد طول استنزاف، أن البطولة الحقيقية تكمن أحيانًا في الانسحاب. أن تعرف متى تحارب بشراسة، ومتى تدير ظهرك لطريق ليس لك.

وما بين السعي والانسحاب، يقف الصبر كالصحراء الممتدة؛ تمشي فيها ولا ترى نهاية لخطواتك، وأحيانًا تساق لك نتائج عكس ما تمنيت. لكن قلبك يظل موقنًا بأن خلف هذه الرمال واحة خبأها الله لك، وأن الغد يحمل اختلافًا يليق بوعده:
"ولسوف يعطيك ربك فترضى."

ألتفت إلى الوراء الآن، فأرى كيف تقاطعت طرقي مع غرباء صاروا ملاذًا، وكيف أرسلني الله أو أرسلهم في اللحظة الدقيقة التي كاد فيها الخيط أن ينقطع. تترتب المشاهد أمامي لتخبرني أن الحياة، على قصرها، أبسط بكثير من هذا التعقيد المنهك الذي ننسجه حولها. وأن النجاة الوحيدة، وسط كل هذا التيه، هي أن تظل بوصلة القلب، وبصر الروح، وسكن النفس معلّقة دائمًا بالله.

No comments:

Post a Comment