ألقى بجسده داخل السيارة وصفق الباب
بعنف. رمى هاتفه على المقعد المجاور، وأرخى كفيه لتسقطا بثقل فوق فخذيه. النوافذ
مغلقة، والهواء راكد، وهو مستسلم تماماً.
في عتمة الساحة التي تحجب الوجوه،
تهاوت صرامة ملامحه التي طالما جاهد للاحتفاظ بها. هنا، حيث لا شهود، انخرط في
بكاءٍ حارق لم يعهده من قبل. تلاحقت أمامه صور الخذلان المتتالية، تسحب معها كل ما
تبقى من طاقته وحضوره.
فجأة، انتفض وكأن ضعفه أخافه. امتدت
ذراعه إلى الخلف دون أن يلتفت، تحسس علبة المناديل، سحب ورقة تلو أخرى، ومسح وجهه
بعنفوان. تنفس بعمق، ودس المنديل المبلل في جيبه.
اعتدل في جلسته. صوت النداء الأخير
ما زال يتردد في رأسه. ضغط زر التشغيل، فزمجر المحرك، واندفع هواء المكيف البارد
مختلطاً بصوت المذياع. خفض الصوت، وربط حزام الأمان بحركة آلية محضة.
بدأ في التراجع ببطء. لم يكلف نفسه
عناء النظر في المرآة أو الالتفات للخلف؛ فقد حفظ هذه المساحة عن ظهر قلب. لكن مع
كل متر يتراجع فيه، كانت المسافة تبدو وكأنها تضيق. زاد من ضغطه على دواسة الوقود،
مدفوعاً برغبة محمومة في الهروب، في إنهاء هذا التراجع بأسرع ما يمكن.
ضاقت المساحة حتى انعدمت. حرك المقود
يميناً ويساراً، حاول التقدم ليعدل مساره ثم التراجع مجدداً، مرة بعد مرة، بلا
جدوى. صوت احتكاك معدن السيارة بالجدار خدش سكون الليل. أطفأ المحرك، أو ربما
انطفأت رغبته في المحاولة. أسند رأسه إلى عجلة القيادة، وحدق في الفراغ أمامه عبر
الزجاج... لم يكن هناك مسار للتقدم، ولا مساحة للعودة.
No comments:
Post a Comment