2026/02/27

لحظة خروج

 لم يعلم يعد هناك سوى ذلك الممر الضيق الذي يبتلعها، صمت مطبق يغلف روحها وهي تتلاشى عن الأنظار نحو جوف الطائرة. هذا هو المشهد الأخير إذا.

قبل دقائق، كانت أصابعها ترتجف وهي تطوي شاشة الهاتف، ونبضاتها تقرع صدرها بعنف. الكلمات التي التهمتها في الرسائل المتلاحقة كانت إقرارا قاطعا بأن قرار الرحيل حتمي. لم تُجب...اكتفت بالصمت وهي تقف خلف الزجاج العريض، ترمق الطائرة كوحش معدني ينتظر انتزاعها من أرضها، أو ربما كطائر أبيض خرافي جاء من السماء لإنقاذها، الأيام وحدها هي من سيصنف هذا الكائن.

كانت قاعة الانتظار باردة، تماما كبرود مشاعرها، أو ربما كانت تحاول "ألا تشعر" هربا من طوفان تعرف أنها لن تقوى على مواجهته. وقفت أمام الزجاج الذي بحجم جدار، تتساءل عن الكاذب الذي أقنعها بأن الهدم أسهل من البناء، بينما تشعر أن هدم حياتها السابقة كان أشبه باقتلاع الروح من الجسد.

طخ...
ذلك الصوت المدوي لختم جواز السفر لا يزال يطن في أذنيها، وربما لن يغادرها أبدا. لم يكن حبرا، كان فأسا يهوي على ما تبقى من صلتها بهذا المكان. قبل هذا الصوت بلحظات، كانت تهمس لنفسها برجاء مستميت: "لا تراجع"، وهي تتخطى الضابط بخطوات آلية، هاربة من عينيه...عيني سجانها التي لم تجرؤ على النظر فيهما وهي تودعه. مضت نحو الطائرة، تسحب جسدها سحبا
.

المستقبل أمامها ضبابي، والقلب استنزِف حتى آخر قطرة، بينما تتخدر الأفكار بالتركيز على روتين المطار الرتيب. عيناها تنظران ولا تريان سوى أطلال حياة تهدم، وتدرك أن التفاتة واحدة للوراء كفيلة برؤية حياتها وهي تسقط كناطحة سحاب تخور في صمت.

"ألا تريدين العودة؟كانت هذه آخر جملة سمعتها بصوته، خرجت من أعمق نقطة في روحه. ولأول مرة، رأت الدموع تترقرق في عينيه. في تلك اللحظة، فكرت في التراجع. شعرت بالشفقة تأكل أحشاءها، وتساءلت بمرارة: "أهذا هو مرض الضحية التي تقع في غرام جلادها؟"

خافت أن تتمعن فيه وتضعف. أتعود؟ وإلى أي طريق؟ وهل تبقت طريق أصلا تحت قدميها؟ رأفة به، لم تجبه. ورأفة بنفسها، ودعته وجرت خطواتها نحو بوابات المغادرة كآلة مبرمجة.

ورغم رسالته الأخيرة، لا تزال تتذكر انكساره، وملامحه المنسحبة. التعاسة لا تكفي لوصف ارتعاشة يديه أو انطفاء بريق عينيه اللتين طالما رمقتاها بقسوة. حتى نبرته انكسرت...لأول مرة تراه بهذا الشكل. ورغم ذلك، ظل يمارس دوره المعتاد في حمايتها، يحمل حقائبها، وينهي الإجراءات نيابة عنها بصوت خافت.

مع كل خطوة كان يخطوها لأجلها، كان ذنب ثقيل يتسلل إلى صدرها، قابعا هناك منذ زمن، يتغذى على أفكارها، منتظرا هذه اللحظة ليشل كيانها ويحثها على التراجع. ولكنها ثبتت.

في بداية ذلك اليوم، وقبل أن تطأ قدماها أرض المطار، تذكرت مقولة طبيبها النفسي: "لحظة خروج المسجون من زنزانته غالباً ما تكون أقسى من سنوات سجنه". الآن فقط، وهي تتنفس هواء الطائرة الغريب، أدركت ما كان يقصده. الحرية ليست دائماً خلاصاً، أحياناً تكون هي الزنزانة الأكبر لمن اعتاد القيد.

No comments:

Post a Comment