2026/02/08

فراغ

 أقف الآن فارغا... إلا مني. 
لا أحتوي سوى قطرات عالقة بحوافي، تتشبث بجوانبي الداخلية. أتركها، فوجودها لم يعد يعنيني.

يظنون أن الفراغ يرعبني، لكن الحقيقة أنني لم أشعر بفرق حين أُفرِغت. ربما نعتاد الفقد بسرعة ، أو ربما نكتشف أننا لطالما كنا ممتلئين بأشياء لا تخصنا. على كل حال، لا يهم... لن أعتاد هذا التغيير فحسب، بل سأستمتع به.

لكن، ماذا يحدث؟ فجأة يتآمر عليّ كل شيء. الهواء الذي لم أكن أشعر بوجوده، صار فجأة عدواً شرساً، يحركني بعنف، يحاول اقتلاعي، ويصارع ثباتي على الطاولة. 

رغم ما يحدث، أجد الفراغ أجمل مما توقعت. لا ثِقل، لا ازدحام، ولا هوية تفرض علي. في الفراغ، أستطيع أخيراً أن أتنفسني. كنت أظن أن الاكتمال لا يكون إلا بالامتلاء، فاكتشفت أنه كان مجرد "احتلال". هذه المرة لن أسمح لهم بانتهاك شفافيتي، سأظل هكذا فارغا، حراً.

لكن الريح تشتد...سأسقط.

 وفي تلك اللحظة ترفعني يد. لثانية واحدة، أظن أن السقوط كان بداية للطيران، وأن لي جناحين، وأن العالم سيتسع خلف حدود هذه الزاوية الرخامية. لكن اليد تعصر عنقي، وتميل برأسي رغماً عني.

ينهمر السائل...بارداً، ثقيلاً، غامراً. يحاول أن يسكنني عنوة.

لن استسلم. 

استجمع كل الثقل، وبدلاً من أن أحمله، انحني مع تمايل الطاولة بفعل الريح. سأتحد مع الجاذبية.

ارتطم بالأرض، أنكسر إلى شظايا. يسيل السائل بعيداً عني.

أقف -في كل مكان- فارغا وعصياً على الاحتواء.

No comments:

Post a Comment