تترنّح المركبة.. تندفع.. أشعر بالموج يضرب القاع، يصل صداه في مسام جسدي، أسمع أنينه في الأعماق. أتشبثُ بالمقعد، أضغط بيدي على الخشبَ الجامدَ خوفاً من سقوطٍ وشيك. أعتدلُ في جلستي، أحاولُ أن أنغرسَ في صلبِ الكرسي علّني أجدُ ثباتاً، لكنّ الاهتزاز يستمر.. والجسدُ يتحركُ دون إرادةٍ مني.
ورغم هذا الاضطراب، ما زلتُ—كما كنتُ دوماً—أعشقُ البحر. أحبُّ لونه، عبقه، رذاذه، وصورته، صوته وصفاته. أحبُّ أنفاسه المالحة وتقلّباته. حتى غدره.. تصالحتُ معه. وهل نتصالحُ حقاً مع الغدر؟ نعم.. حين نتصالحُ مع "الحقيقة".
ونقبل بها
بدأتُ أتعاملُ مع واقعه المجرّد دون أوهامٍ أو مخاطرة. لا أمنحهُ الأمان الكامل أبداً، وأبقى على حذرٍ كلما اقتربتُ منه. لا أطيلُ المكثَ في أعماقه؛ خشى أن يسحبني إلى جوفه فأغرق.. ولا أدري.
حتى وجهه الليليّ بات يرهبني... فصرتُ أحبّه بشروط، بتعقّلٍ، بتروٍّ وبنضوج. أفهمه، أحبُّ فيه ما أحب، وأتجنّبُ منه ما لا أهوى. أما أن يبادلني الشعور؟ فلا يهم، لم يعد الأمرُ يعنيني في شيء. ما يعنيني اليوم هو أنني أراه بوضوح، بجميع حقائقه، عارياً من أي زيف.
أراقبه من فتحات القارب الخشبية، من تلك النوافذ الضيقة.. يبدو ثائراً، محتداً، غاضباً—وكأنه يقرأ ما يدور في ذهني، أو كأنّ غضبه نابعٌ من كوني كشفتُ سره ورأيته على حقيقته. أو ربما.. هذه هي طبيعته فحسب... لا شيء غامض، ولا شيء خارج عن المألوف.
وفجأة.. رفعتُ عينيَّ عن الماء. فصلتُ حواسي عن البحر، وأشحتُ بنظري عن ذلك "المحبوب" الذي سحرني يوماً وأبهرني... وقعت عيني على الجالس أمامي .. بلا صخب، بلا استعراض، بلا إبهار، وبلا طلب.
أراه اليوم وكأنها المرة الأولى. قائدُ المركبة.. الربان. يمسكُ بزمام الأمور، يقتادنا عبر المجهول، يحمينا ويحمي مأوانا الخشبي. تهاجمه الأمواج فيثبت، تترنح السفينة فيقاوم ويقوّمُ مسارها بلمسةٍ خبيرة. يسوقه الموج فلا ينساق، ويمضي في طريقه الذي اختاره منذ اللحظة التي قرر فيها خوض الغمار. يراقبُ الوقت، المؤشرات، والرياح.. لا يخافُ البحر، يفهمه فيواجهه بهدوءٍ واتزان.
أهكذا يكون الأمان؟ أن تدرك أن هنالك قلباً وروحاً تعمل لأجلك في صمت.. لأول مرة منذ زمن، أشعر بالسكينة تسري في داخلي، تتأصل وتتجذر. وتتعمق أستشعرها، أفهمها.. كدفءٍ عارم.. كرائحة فانيلا.... كأريج يخرج من فوّاحة عطر جدتي القديم... كأن تقف في ليلة شتوية أمام مدفأة وجدتها صدفة... كأن تنام بهدوء بعد يوم شاق متواصل... كالوصول إلى منزلك الساكن بعد سفر مجهد... كصمتٍ يعقب الضجة...
No comments:
Post a Comment