2026/01/25

خُطوط.. وخُطط

خُطوطٌ وخُطط.. تحرّكاتٌ فنيةٌ محسوبة، وهندسةٌ فكريةٌ محبوكة.
هو فنانٌ، رسّامٌ، وخطّاط..
رجلٌ يتقنُ الإمساك بأداة الرسم، أيّاً كانت.
يعلمُ أين يضعها، بأي هيئةٍ يخطُّ بها، وبأي جلالٍ يرفعها.. قبل أن يسكبَ حِبرها على الورق.

يدركُ "صاحبُ الصنعة" كيمياء المادة.... أيّ ورقٍ يختار، وأيّ حبرٍ يُلائم مَسامه.
يؤمنُ أن الحرف لا يستوي حرفاً إن لم يُرسم بدقّة، وأن النقطة قد تصنعُ فرقاً.. فناً.. أو شرخاً.
فالخطأُ على بياضه لا يُُمحى، بل يتركُ أثراً يحكمُ على الورقةِ بالتلف.

حين يبدأ، يعي تماماً من أي نقطةٍ ينطلق، وأين ينبغي أن يقف... فالإستمرار بعد التمام "جناية" في عُرف الفن.
 يفهمُ قيمة "التأنّي".. في الرسم، في الفعل، في القرار، وحتى في اللفظ.
يتعامل مع الورق برقةٍ بالغة، ويقضي ساعاتٍ في صمتٍ وصبر.. يتخيّل.. يتصوّر.. يحلل تناغم الألوان، ويدرسُ مفاصل الوصل بين الحروف.
 وقبل أن تلمس "القصبةُ" بياضَ الورق، تكون اللوحة قد اكتملت في ذهنه، ليطمئن أن تلك "الرقيقة" لن تلفظ ما سيُودِعُ فيها.


جلس..
 أحكم قبضته على قصبة الخط. عقلٌ يركّز، وعينٌ تُصوّب.. فكرٌ ينسج، وخيالٌ يكتمل.
حين استوت الصورة في ذهنه، أذن للحبرِ بمعانقة الورق.
حدث التلامس بمنتهى التمهّل، والتماهي، والرقة..
نقطةٌ.. فنقطة.. فمدّة.. فخط...فتشكّل الحرف الأول: "ا".
كأن الورقة انتشت بقدومه، فازدادت بياضاً ليظهر فيها.

رفع كفّه، لكنّ جسده ظلّ ساكناً، ونظره مُسمّراً في مكانه.
 هكذا كان، وهكذا أصبح.. رجلٌ يمتلك عينين تعرفان " مُستقرّ حِبره" من أول نظرة.. عينان لا تُخطئان.

بمنتهى الهدوء، رسم الحرف الذي يليه.. أمهل الحبر لكي يجف ثم أكمل.
الحبرُ الأسود لا يجورُ على حدوده، ولا يتحرك في غير موضعه.
كل شيءٍ دقيق.. رقيق جداً،
بلا عنفٍ، أو تصادمٍ، أو إرغام.
ينساب.. ينطلق..
لا تجاوز.. لا خطأ.. لا شيء في غير مكانه.
كل نقطة حبر وُضعت لتتناغم مع الورق، لتتسلّل إلى مسامها، تُداخلها، تغوص فيها، وتُجمّلها.. دون أن تثقلها.
لا تنافر، لا اختلاف.. بل امتزاجٌ فني رغم تضادّ الألوان.

سار بأصابعه نحو الخطوة الأخيرة،
وضع الهمزة الختامية.
اكتملت اللوحة
تراجع قليلاً، ونظر إلى ما صنع.
وقرأ الكلمة التي حوّلت الورقة إلى لوحةٍ يمتلكها: احتواء.

No comments:

Post a Comment