كقطٍ يرتجفُ في ليلٍ صقيعي، يبحثُ عن أي شيءٍ يستدفئ به.. فيجد سيارةً فيرتمي تحتها، طمعاً في دفءٍ ينبعث من عادمها...لا تخنقه الرائحة، ولا يثنيه القلق من أن تتحرك فجأة فيموت تحتها.. هو فقط يكتفي بدفءٍ فشل في أن يجده في مكانٍ آخر.
هكذا هو حالنا حين نستجدي الطمأنينة من أماكن قد تخنقنا، أو نتهشم تحت ثقلها، فقط لنهرب من برودة الخوف.
ذلك الشعور العارم بعدم الأمان. من أين جاء؟ وكيف تسلل؟ أهو نتيجة خذلانٍ متكرر هشّم مرآة الثقة؟ أم هو شعورٌ نولد به؟ أم تراه يأتينا حين نظنُّ الدنيا بلونٍ غير لونها الحقيقي، فتصدمنا الحقيقة وتنتزع منا الشعور بالأمان؟
لقد عشتُ الخوف بكل تجلياته، وتجرعتُ القلق والحيرة والشك لأعوام. أستطيع الآن أن أصف لك طعم "اللا-طمأنينة" بدقة مَن أكل منها حدَّ الامتلاء السلبي.. كأن تُجبر على تجرع شيءٍ يفوق طاقتك ومقدرتك.
أما الأمان؟ فلا أعرف كنهه، ولا مكوناته، ولا مذاقه.. ربما ذقته قديماً ونسيته. كيف يكون؟ وأين نجد؟ أهو نظرة؟ بسمة؟ كلمة؟ أم التفاتة يقين؟ يقولون إن تأمن جانب أحدهم يعني أن تثق فيه، لكنني أظن الأمان منزلةً أسمى من الثقة بكثير.
الأمان هو أن تدرك يقيناً أن قلبك ومشاعرك وعقلك.. جميعها في حرزٍ حريز، لستَ بحاجة للحذر عليها. أن تتيقن بأنك لن تتوجع، ولن تتشكك، ولن تضطر للبحث خلف الكلمات عن ثقوب. الأمان ألا تخبئ شيئاً، وألا تغلق النوافذ، وألا تضع المحاذير والأقفال. هو ألا ترتعد خوفاً، وألا تشعر ببرودة الوقوف عارياً وسط عاصفة ثلجية.
الأمان هو أن يكفي الصمتُ ليؤكد لنا كل شيء، أن تكون النظرةُ كفيلةً بمنح الاستقرار، والكلمةُ وعداً، واللفظُ معاهدة. أن أمضي في الطريق وأنا على يقينٍ بأنني -وإن لم أصل- فلن أضلّ أبداً ولن أخيب.
سألتني يوماً: "ماذا تريدين؟ عماذا تبحثين؟"
لم أجب حينها بوضوح.. لكن الآن، أعد سؤالك لآتيك بالخبر اليقين.
سأجيبك بمنتهى الثقة: "أريدُ الأمان.."
No comments:
Post a Comment