2026/01/05

سطحية

حين أتأمل ما حولي، يلحّ عليَّ تساؤل: لماذا قُدِّر للأشياء أن تنقسم إلى ظاهرٍ وباطن؟ هل الغاية حقاً أن نرى الخارج فنحكم؟ أن نقرأ المواقف كما جاءت، ونمرَّ على الآيات والرسائل مرور الكرام دون أن نكبّد أنفسنا عناء الغوص في مقاصدها؟ هل خُلقنا لنكتفي بالشكل ونهرب من المعنى؟

أظن أن السطحية -في جوهرها- ليست سوى محاولة يائسة لجعل الحياة ملساء، سهلة... هي اختزالٌ لألوان الوجود اللامتناهية في لونين فقط (أبيض وأسود)، وقولبةٌ للمفاهيم في قوالب صمّاء لا تتغير ولا تشعر. وربما السطح ليس مجرد "خارج"، بل هو "خديعة الاكتمال"...ذلك الشعور الزائف بأننا "فهمنا" كل شيء، بينما نحن لم نمسس الحقيقة بعد.

لذلك، فإن نقيض السطحية في رأيي هو "اللا اكتمال". العمق هو تلك التضاريس الوعرة للنفس، العيوب التي نخجل منها، الأسئلة الحائرة التي لا إجابة لها.
 إن كل ما في جوف الأرض لا يغازل البصر ولا يستجدي المديح، وكل ما هو حيّ وحقيقي فينا يقبع خلف سطحٍ سميك يحميه ويمنعه من الانكشاف السهل. حتى الحقائق الكبرى، ومعاني القرآن، اختبأت وراء "لغة الكلمات" لتنتظر من يمتلك شجاعة التدبّر، وسرُّ الجمال الأعظم حُجب عن الأعين حتى يحين وقت الرؤيا لمن استحق.

الروح، الشعور، والضعف البشري.. كلها أشياء محفوظة في باطن الداخل. لماذا؟
ربما لأن العمق لا يحمل الجمال فقط... بل يحمل "قبح" المادة الخام
 إنه يحمل فوضى التكوين، ارتباك البدايات، وصدق التجربة الأولى....

إن سألتني الآن، بعد كل ما كتبت: كيف أرى السطحية؟ سأجيبك: هي كل ما هو غير صادق مع أصله، غير منسجم مع فطرته، وغير مستعدٍ لأن يكون "ناقصًا". وربما كل من تمسّك بالسطح، وتشبث بالقشور، كان في الحقيقة يبحث عن "سرعة الوصول" ، ويخاف —أكثر ما يخاف— من أن ينكشف، أو أن يكتشف الحقيقة.

ولكن، هل ثمة منطقة أخرى بين الظاهر والباطن؟ منطقة وسطى تربط بينهما؟
هل هذه المنطقة هي "الإنسان"؟
الذي يعيش على أرض "السطح" بينما هو مسكونٌ بـ "المعنى" وبكل ما هو مخفي وباطني؟
 وهل غاية الوجود وسرها الأكبر يكمن في الربط بينهما، أم في محاولة صهر الباطن والظاهر ليصبحا أقرب ما يكون للتطابق والتماثل؟

No comments:

Post a Comment