يعيش أغلب النرجسيين على السطح...
يلامسون قشور الأشياء ويتحاشون جوهرها، فيرون الظاهر دون أن ينفذوا إلى العمق.
فالعمق يهدد صورتهم المزيفة، وغرورهم يوهمهم أنهم مبصرون، بينما هم في الحقيقة لا يرون إلا بأعينهم، لا ببصائرهم.
يحكمون على المواقف بمقياس انفعالي بحت، إذ تقف الأنا حائلًا منيعًا دون التحليل أو التدقيق أو التعاطف
ميزانهم الوحيد في هذا الوجود هو أنفسهم: كيف اقترب الموقف منهم؟ كيف أظهرهم أمام الملأ؟ وكيف مسّ صورتهم التي يقدسونها؟
ومن فرط هشاشة هذه الأنا، لا يحتملون أن يمسها أحد ولو بغير قصد.
إنها في داخلهم كيان زجاجي رقيق، يخشون عليه أكثر من أي شيء آخر… ولو تخلّوا عنه، لنجوا.
النرجسي مفارقة حيّة: ظاهره استعلاء، وباطنه خواء وانعدام ثقة.
لذلك يثور بعنف عند أي اقتراب... فكل نظرة تُحسب نقدًا، وكل كلمة عابرة تتحول في ذهنه إلى تهديد وجودي ماحق.
ولهذا يشبّههم البعض بالشيطان، ذاك الذي لم يكن اعتراضه على السجود لآدم مجرّد عصيان، بقدر ما كان ذعرًا على المكانة.
لقد استشعر أن الأنا مهددة، وأن صورته ستتلاشى حين يرى العالمين يسجدون لغيره، فيبدو هو أصغر وأقل.
ولعل كثيرًا من صراعات البشر الأزلية — من قابيل وهابيل إلى يوسف وإخوته — لم يحركها الحسد المجرّد وحده، بل حرّكتها تلك الأنا المتضخمة: الرغبة الجامحة في التفرد، والعلو، واحتكار التبجيل، حتى يغدو مجرد وجود الآخر خطرًا يستوجب الإقصاء.
في النهاية، النرجسي لا يكره الآخر لذاته، ولا يغار منه حقًا... إنما يخوض صراعًا مريرًا مع نفسه، ومع صورته المهتزّة، ومع هوسه بالسطح والمكانة.
ولو التفت قليلًا إلى العمق، وواجه هشاشته بدلًا من تطويقها بأسوار وهمية
وشريطٍ من نارٍ يحرس صورة -فقط صورة- ويحرق من يقترب ،
لأصبح أقل نرجسية… وأكثر إنسانية.
No comments:
Post a Comment