مشهد ثلاثي
هو... هي... والآخر.
هو
وقف من بعيد، كمن يشاهد فيلمًا لم يختره.
يراها...
لكنها ليست كما كانت. ليس في المظهر، بل في الحضور.
ليست هي. ليست تلك التي شاركته تفاصيل الخيال.
ما الذي تغيّر؟
متى تحوّل ذلك المهد الذي احتضن أحلامه إلى مسرحٍ عبثي؟
أهذه هي الحقيقة التي نهرب من رؤيتها؟
أهكذا تكون النهايات؟
لا تذبل... بل تترسّب فينا، وتميتنا ببطء.
ينظر إلى ابتسامتها.
إلى دمعتها المواربة تحت المساحيق.
إلى صمتها الفاقع.
شيء بداخله يصرخ:
"ليست بخير!"
تُمثّل. تتأقلم مع مشهد لا يشبهها.
لكنه يعرفها... أليس كذلك؟
أم أنه كان يحب الصورة التي رسمها عنها؟
هل أحبّها حقًا؟
أم أحبّ فكرته عنها؟
هي
لم تره.
لم تشعر به هناك.
غائبة في مشهد آخر.
كمن يؤدي دورًا لا يفهمه، لكنه يكرره بتلقين.
عيناها تدوران بين الوجوه، ولا يعنيها أحد.
شيء بداخلها يهمس:
"لن أكون بخير..."
لكنها تكذب على الإحساس... وتُكمل.
فقط تمضي.
لا تعرف إلى أين، أو لماذا، أو ماذا بعد.
لكنها تمضي.
تمضي كمن يُساق، لا يرى الطريق،
ولا يجرؤ على التوقّف.
تسير... وهي تموت بصمت.
الآخر
يقف بجانبها، بكامل أناقته.
لا يشعر بشيء. لا يفكر بشيء.
ربما لا يفهم شعورًا واحدًا...
لكنه أنجز المهمة.
والآن،
يريد لهذا العبث أن ينتهي.
متى يُطفأ الضوء؟
متى يُسدل الستار؟
متى تنتهي هذه المهزلة؟
ينظر إلى الوجوه،
يبحث عن إعجابهم،
ليتأكد أن كل شيء كما خطّط،
كما أراد له أن يكون.
ثم يلمح ذلك الرجل في الزاوية البعيدة.
تلاقت الأعين.
نظرة غريبة.
لم يفسّرها... ولم يهتم ليفهمها.
أدار وجهه.
وقع نظره عليها...
لكن عينيه لم تتوقفا عندها.
مرّ بها سريعًا،
وكأنها لم تكن.
ثم نظر أمامه،
ابتسم للحضور...
وأكمل المشهد.
وقف "هو" في الزاوية،
كأن شيئًا في قلبه يُنتزع دون صوت.
كل شيء بدا طبيعيًا...
طبيعيًا إلى حدٍ مُخيف.
لكن الإحساس... كان غريبًا حدّ الاختناق.
هي تقف هناك، على المسرح، في المنتصف.
تبتسم كما تبتسم الدُمى،
وتخطو كما يُملى على الراقصات في ختام العرض.
لا تنظر خلفها.
تمضي إلى الأمام...
أو إلى الوراء...
أو إلى اللاشيء.
ولا تهتم.
ترى ضوءًا باهتًا يحتضنها،
فتشعر...
بلا شيء.
ينقبض قلبها، بصمتٍ لم يعد غريبًا.
أما "هو"،
فكان هناك، في الزاوية المظلمة من الحكاية.
يرى كل شيء بوضوحٍ موجع،
ويتساءل:
كيف لا يرون ما أراه؟
يحمل في قلبه كل ما لم يُكتب،
وكل ما لم يُقل،
وكل الاحتمالات التي وُئدت قبل أن تولد.
يغصّ قلبه وهو يراها...
وبجانبها، يقف الآخر.
وجهه لا يحمل سؤالًا،
ولا إجابة،
ولا حتى اهتمامًا.
فقط... جمود.
ثلاثتهم وقفوا في المكان ذاته،
لكن أحدًا منهم... لم يكن في مكانه الحقيقي.
"هو"، من بعيد،
نظر إلى المسرح،
تنهد...
ثم مضى.
وكان في الحكاية...
أكثرهم شجاعة.
No comments:
Post a Comment