هل تنام المشاعر فينا حتى يوقظها نقيضها؟
يبدو أننا لا ندرك وجود شعورٍ ما إلا حين يزورنا طيفه المعاكس.
لا نعرف معنى الهدوء إلا حين تنحتُ القلقُ في أرواحنا فراغًا له.
ولا نفهم قيمة السلام إلا على أنقاض حربٍ داخلية.
ولا نتذوق السكينة إلا بعد أن يجلدنا التوتر.
الحب نفسه قد يظل معنىً باهتًا، حتى يأتي الجمود فيعلّمنا كيف كان دافئًا.
والحرية تظل كلمةً نظرية، حتى ندرك سعة السماء من خلف قضبان القيد.
لكن، هل أعظم هذه الدروس هو أننا لا نفهم "التقبّل" إلا بعد أن يصفعنا "الفقد"؟
الفقد ليس مجرد غياب، إنه مرآةٌ تظهر فجأةً لتعكس لنا صورة ما كان موجودًا ولم نكن نراه.
هو الشبح الذي يرسم حدود ما كان حيًا، فيجعلنا ندرك شكله وحجمه وقيمته لأول مرة.
فهل نحن لا نختبر المشاعر حقًا، بل نختبر غيابها فقط؟
أم أن التجربة لا تكتمل إلا بفقدانها، كما لا تكتمل القصة إلا بنهايتها؟
يقولون إن فاقد الشيء لا يعطيه،
لكن الحقيقة الأعمق أن فاقد الشعور هو الوحيد القادر على منحه كامل معناه والشعور به بالكامل.
لأنه لا يمنح من فيض الوفرة، بل من عمق الإدراك.
فحين يعود إليه شعورٌ افتقده طويلًا، لا يستقبله كضيفٍ عادي، بل كمعجزةٍ يفهم أبعادها.
وربما ندرتها
وصعوبة الحصول عليها
فيتمسك أكثر بها
إذن، هل تكمن قيمة الفقد كلها فيما يليه من معرفة؟
نعم.
فالفقد لا يعلّمنا قيمة ما رحل فقط،
بل يمنحنا "بصيرة" جديدة.
إنه يعيد تعريف الحواس، فيجعلنا نرى ما كان مخفيا لنا،
ونسمع ما كان بدون صوت.
إنه الثمن الذي ندفعه مقابل الوعي الحقيقي.
القيمة ليست في الشعور ذاته،
بل في القدرة على رؤيته أخيرًا.
والفقد هو ذلك الضوء القاسي الذي يسمح لنا بالرؤية.
No comments:
Post a Comment