2025/09/16

الشعور...الصمت

هل الشعور شيءٌ أحاديّ يمكن أن نُطلِق عليه اسمًا واحدًا، فنُحيطه بالتعريف ونرتاح؟ أم أن كل شعورٍ، في حقيقته، يحمل في طيّاته مجموعة كاملة من المشاعر المتشابكة؟ يبدو الأمر أشبه بغيمةٍ نراها من بعيد بلونٍ واحد، لكنها من الداخل مزيجٌ معقد من ضبابٍ وماء، نورٍ وظل.

لنأخذ الخوف مثالًا؛ فهو لا يأتي وحده أبدًا. قد يمرّ فينا كظلٍ عابر، لكنه يخلّف وراءه سلسلة من الأحاسيس: إحساسٌ بالعجز، يتبعه رغبةٌ جامحة في السيطرة، ثم يتفجر غضبٌ على كل ما لا يمكننا تغييره. وهكذا، قد نبدو للعالم غاضبين، بينما الحقيقة أننا خائفون. لكننا لا نجرؤ على الاعتراف بهذا الخوف، فنُخفيه خلف قناع الغضب أو اللامبالاة، فيضيع عنّا الشعور الأصلي، ويضيع معه الطريق إلى فهم أنفسنا.

والحب؟ أليس هو الآخر رحلة تحولات؟ قد يبدأ دفئًا وقربًا وحضورًا طاغيًا يملأ الكون، ثم يغيب الطرف الآخر، فيولد الشوق. وحين يطول الاشتياق، يتحوّل إلى ألم، وقد ينقلب الألم إلى غضبٍ مكبوت، لأن هذا الحب الذي يفيض فينا لا يجد طريقه للخروج والتعبير.

المشاعر إذًا ليست كائناتٍ بأسماء ثابتة، بل هي سماءٌ متقلبة؛ تتلبّد، تُمطر، تشرق، تختلط ألوانها وتربكنا، حتى أننا أحيانًا لا نعرف ما إذا كنا ننتظر مطرًا يروي الروح، أم نخشى عاصفة تقتلع كل شيء. في تلك اللحظات من الحيرة، نحاول أن نضع أيدينا على الشعور فلا نلمسه، نبحث له عن اسمٍ فلا نجده. وحين تفشل اللغة، لا يبقى سوى الصمت.

وفي هذا الصمت تتشابك الأحاسيس وتتداخل وتتراكم. لكن ما الذي يحوّل الشعور من حالٍ إلى حال؟ ما الذي يقلب الحنين حزنًا، والحزن غضبًا، والغضب لا مبالاة؟ هل هي أفكارنا التي تتدخل باستمرار؟ أم أن الشعور بطبيعته كائنٌ حيّ، يتطوّر ويتبدّل كلما لمسناه أو فكّرنا فيه؟ يبدو أننا لا نكتفي بالشعور كما هو، بل نُفرط في تحليله وتهذيبه ومحاولة احتوائه، فنخنقه دون قصد، تمامًا كمن يُعدّل في قطعة قماش بسيطة، يخيطها ويلوّنها ويرقّعها، حتى لا تعود صالحة للّبس.

وفي نهاية هذا التيه، حين تختلط الأسماء وتضيع الحدود بين المشاعر، فلا نعود نعرف ما إذا كنا حزانى أم غاضبين، مشتاقين أم متألمين، قد نختار الصمت مرة أخرى. لكن، ماذا عن هذا الصمت؟ هل هو راحة أم هروب؟ هل هو وجهٌ آخر للكذب حين نظهر عكس ما نشعر، ونُطلق كلمات لا تشبه ما بداخلنا؟

لا أعلم إن كان الصمت كذبًا، لكني أعلم أنه وجهٌ أصيلٌ للخوف. نصمت حين نتردد، وحين نشعر أننا عُراة أمام الحقيقة فنختار ألا ننكشف. نبتلع غصبًا ما لا نريد ابتلاعه، لأن البوح يتطلب شجاعة والطريق إليه ليس ممهدًا.

لكن داخل هذا الصمت، يتكوّن شعورٌ آخر: "الامتلاء السلبي". كأنك تحاول إغلاق كوبٍ ممتلئ حتى آخر قطرة دون أن ينسكب منه شيء. يتورّم الشعور في داخلك، يرتطم بجدران الروح، فتريد أن تصرخ، أن تتنفس، لكنك لا تستطيع. خارجيًا، قد يُنقذك الصمت؛ يحفظ كرامتك، يمنع صدامًا، ويُبقيك في منطقة الأمان. لكنه داخليًا، هو الثقل بعينه، هو ما يملأ صدرك بما لا يُحتمل.

والأصعب من كل شيء، أنك لا تجد أحدًا يفهم هذا الصمت، إلا إن شرحته. لكنك لا تريد أن تشرح. فالصمت، في النهاية، هو كل تلك المشاعر المتشابكة التي لم تجد لها اسمًا، ولا مخرجًا، ولا أمانًا كافيًا لتخرج إلى النور.

No comments:

Post a Comment