2025/09/02

شجرة

في تلك اللحظة...
لم تعد تتذكر شيئًا...
وقفت أمام المرآة، تُحدّق في الفراغ.
حتى الصورة المنعكسة لم تعد تعرفها....
وجه من هذا؟ من تلك التي تبادلها النظر؟
شعرت وكأن بداخلها فراغًا لا تدري كنهه، لا شيء يملأها....كأنها صندوق فارغ يهتز من الداخل، ولكن بلا صوت...تراجعت بخطوات بطيئة إلى الوراء، وهي ما تزال تُحدّق في المرآة.
تحاول أن تتذكّر أي شيء،
أي لحظة،
أي وجه...
 لكن لا شيء ينبثق من داخلها....
وقفت في منتصف الغرفة، تنظر حولها كمن يدور في دائرة مغلقة.
عينُها تبدأ من نقطة وتنتهي عندها،
 لكن عقلها لا يُنتج أي نقاط جديدة،
فقط صور غريبة، تحاول أن تكتسبها من النظر، كأنها تحاول استعارة الذكريات من الجدران.
 شعرت بدوار خفيف، فتوقفت عن النظر...قررت أن تقف بثبات، دون حركة... دون تفكير. فوقعت عيناها على نافذة الغرفة نصف المفتوحة. تتسلل منها شرائط ضوءٍ صفراء، ومن خلفها تلوح شجرة ضخمة، تكاد أوراقها أن تدخل إليها حيث تقف. استمرت في التحديق بالشجرة. ولسببٍ ما، ربما لِجاذبيةٍ خفية،
اقتربت منها. وقفت عند النافذة، أخرجت نصف جسدها، وأخذت تلمس بأصابعها أوراقها المتهدّلة...
وفجأة، شعرت بشيء مختلف. كأن صوتًا يهمس في أذنها. صوت لا تفهمه... لكن لا يُخيفها. قربت ورقة الشجرة إلى أنفها، وأخذت تشمّها بعمق...لكن لا رائحة. لا الملمس، ولا الرائحة، ولا حتى الصورة، يوقظون شيئًا في ذاكرتها.
"هل نضبت ذاكرتي؟
وهل تفرغ ذاكرتنا فجأة... دون مرض؟ دون حادثة؟"تركت الشجرة ببطء، وظلّت تُحدّق فيها،
وكأنها تتوسّل إليها أن تُخبرها بشيء...
شيء لا تعرفه... لكنها تحتاجه.
رأت الشجرة تتحرك بسرعة.
هل الريح تحرّكها؟
أم أنها هي من تتحرّك نحوها؟
تقترب، ثم تبتعد... ثم تعود لتقترب.
ينعكس عليها شعاع أصفر، فيُغيّر لونها قليلًا.
"ماذا لو أغمضتُ عينيّ الآن، وفتحتُهما لأجد أن الشجرة اختفت؟
أيّ فراغ ستترك؟
وهل سأتذكر أنني كنتُ بجانبها؟
هل سأذكر ملمسها؟ صورتها؟ غياب رائحتها؟
أم أن الفراغ سينسيني أنني كنتُ هنا يومًا؟"
"هل الشعور مرتبط بالذاكرة؟
كلما كان الشعور أعمق، كانت الذكرى أقوى؟
هل معنى ذلك أنني لم أعش شعورًا حقيقيًا بما يكفي ليبقى؟"
عادت تُحدّق في الشجرة، بعينٍ مثقلة بالأسئلة...
وفجأة... تذكّرت.

مشهد كامل عاد كوميض برق...
صوت الجرس... تركض لتفتح الباب...
ترتمي في حضن والدها.
يناولها مفاجأة صغيرة: صندوق خشبي وردي،
يُحاط بشريطة حريرية ناعمة.
تفكّ الشريطة بسرعة.
تحاول فتح الصندوق بكفّين صغيرين مرتجفين.

تنظر داخله... يبدو فارغًا.
تشعر بخيبة أمل.
لكنها تدقّق أكثر،
فتلمح شيئًا أسود في قاعه.
تخرجه وتسأل والدها: "ما هذا؟"
فيبتسم ويقول:

"انتظريني، سأبدّل ملابسي، ثم نلعب معًا..."
تنتظره، والعين على الصندوق.
تمسك به. تمرّ دقائق لا تعرف عددها.
ثم يعود... ويقول:
"هيا نذهب إلى الحديقة."
تمشي بجانبه...

دمعة تسقط من عينيها في الحاضر....

No comments:

Post a Comment