2025/08/31

لماذا أصبحنا نُسيء الظن بالناس؟

 لماذا أصبحنا نُسيء الظن بالناس؟

لماذا صار أول ما يخطر في أذهاننا حين نُقابل أحدًا هو أن نواياه خبيثة، وقصده سيئ؟
لماذا صرنا نرى الطيبين سُذّجًا، والمبادرات النقية مصيدة، وكل يد ممدودة تُخفي خلفها خنجرًا؟
لماذا نحذر من بعضنا، ونخاف من الاقتراب، ونختبئ خلف حواجز من الشك والخذلان؟

هل لأننا فقدنا الثقة؟
أم أن دروس الحياة، بكل قسوتها، لم تُعلّمنا إلا الحذر؟
هل التجارب التي مررنا بها زرعت فينا جُرحًا ما زلنا نتحسسه كلما اقترب منا أحد؟
هل المشكلة في الناس؟ أم أنها، في الحقيقة، فينا نحن؟

كيف نرى العالم اليوم؟
...هل نراه كما هو؟ بتناقضاته
أم نرى فقط فيه مخاوفنا؟
هل نظرتنا ملوّنة بتجاربنا، فنظن أننا نُحلّل ونفهم، بينما نحن في الحقيقة نظلم ونشتط ونُعقّد؟
هل صرنا نُفسّر كل تصرف على أنه مُخطط؟
كل كلمة على أنها تلميح سيئ؟
 كل قربٍ على أنه تمهيد لطعنة؟

لماذا نُقنع أنفسنا أننا نقرأ القلوب كما لو كانت كتابًا مفتوحًا؟
نبصر النوايا...نطلع على دواخل الصدور
نمرر الأفعال على قواميسنا الخاصة،
ونستخرج المعاني من سياقات لم تُقال فيها أصلًا.
ونظن أننا الأذكى، الأوعى، الأعمق فهمًا…
فنُسيء لمن أمامنا، دون أن نقصد، فقط لأننا لا نريد أن نُخدع مرة أخرى.

وربما، في كل هذا،
نكون نحاول حماية ذلك "الجزء" فينا الذي لا يحتمل الانكسار من جديد،
ذلك الطفل الذي خُذل مرة، ولم يُشفَ.

لكننا في محاولتنا للحماية، نرتكب ظلمًا من نوع آخر.
نُغلق الباب على كل فرصة .
نُطفئ النور في قلوبنا بأنفسنا.
وننسى أن سوء الظن لا يحمي… بل يُفسد.

هو لا يقي من الأذى، بل يجعلنا نعيش في ظله، حتى من دون أن يقع.
يضع على أعيننا نظارات قاتمة، تجعلنا نشك في كل ابتسامة، ونخاف من كل تقارب، ونُكذّب كل وفاء.

ومع الوقت، يتحوّل هذا الحذر إلى أسلوب حياة…
نظن أننا نرى العالم بوضوح، بينما الحقيقة أننا نراه من وراء عدسة مشوّهة.
فنعتقد أن النقاء ضعف، وأن الطيبة سذاجة، وأن النوايا الحسنة مجرد واجهة.

وبينما نحاول النجاة من أن يُؤذينا الآخرون…
نُصبح نحن أيضًا – دون وعي – ممن يؤذون.
نُظلم، ولا نفي.
نبتعد عن الطيبين، لأننا لم نعد نراهم أصلًا.
وربما… لأننا فقدنا الإيمان بوجودهم.

لكنّ السؤال هنا: كيف ننتظر أن نرى الطيبة في العالم، ونحن لم نعد نُصدّق بوجودها من الأساس؟
كيف يعيش فينا نورٌ نحن أنفسنا أنكرنا وجوده؟

 نتعامل مع الناس وكأنهم نسخة مكررة ممن خذلونا.
ننسى أن البشر أطياف، لا لون واحد.
وأن الخير، حتى حين يغيب، لا يختفي.
وأن الوفاء موجود، حتى لو غطّى صوته ضجيج الخيانة.

ربما نحن لم نفقد الإيمان بالناس…
بل بالغنا في الخوف على أنفسنا...

No comments:

Post a Comment