2025/08/24

الاختيار والندم

 أدركتُ مع الوقت أن كلَّ اختيارٍ، هو في حقيقته تنازلٌ وتخلٍّ وتركٌ، في مقابل الحصول على شيءٍ آخر.

حين نختار، فنحن لا نقوم بفعلٍ واحد، بل بفعلين في آنٍ واحد:
نأخذ شيئًا، ونتخلى عن آخر

لكن المشكلة أن الحياة لا تُقدِّم خياراتها بلطف، بل تفعل ذلك بحدة، وكأنها تشترط علينا دفع ثمنٍ باهظ مقابل كل ما نناله.

وأتعرف ما هو أصعب من لحظة الاختيار نفسها؟
أن تقف بعدها طويلًا، معلّقًا بين الأمل والندم، منتظرًا من الأيام أن تُثبت لك إن كنتَ على صواب، أم أنك أخطأت الطريق.

وهنا يبدأ كل شيء...
الندم: ذلك الخليط من الخوف، والارتياب، والقلق، الذي يتربّص بنا على حافة كل قرار.
ولعلّ هذا ما يجعل كلَّ اختيارٍ يبدو كأنه معضلة.
فالمشكلة ليست في الخوف من المجهول، بل في الخوف من "المسؤولية" الخوف من ذلك الصوت الذي سيعاودنا لاحقًا:
ماذا لو؟
ماذا لو أسأنا الاختيار؟ فنندم.
ماذا لو لم نختر أبدًا؟ فنندم.
ماذا لو تنازلنا عن الشيء الخطأ؟ فنندم.

والغريب أن الندم لا يسير في ظلال اختياراتنا الخاطئة فحسب، بل يُلاحقنا حتى في كل ما لم نختره.
اختياراتنا، مهما كانت مؤلمة، نُلبسها ثوب الأعذار. ندافع عنها، نُبرّرها، نُجمّلها، حتى نتمكن من التعايش معها.
أما ما لم نفعله، ما تركناه، فنُلبسه -في أذهاننا- ملابس الكمال. تُعيد عقولنا تشكيله بألوانٍ مُبهرة، ونُقنع أنفسنا بأننا أضعنا "الفرصة الذهبية".
نقع في فخّ "ماذا لو..."، ذاك الوهم الجميل الذي يصوّر لنا جنةً لم تكن لتوجد، إلا في خيالنا.
وهكذا، نظلّ عالقين بين أشياء اخترناها ودفنّا في سبيلها أشياء، وبين أشياء تخلّينا عنها، فدفنتنا الأسئلة تحتها.
لكن...
هل هذا الشعور حقيقيٌّ أصلًا؟
لكي نندم بصدق، لابدّ أن نتأكد من أن النتيجة المخالفة لاختيارنا كانت ستكون أفضل وأصوبوهذا يقين لا نملكه،
لأن الحقيقة الأخرى ستبقى دائمًا في علم الغيب، حتى لو شكّلت عقولُنا كلّ التوقعات الممكنة.

إذًا، ما جدوى الندم إن كان مبنيًا على وهم؟
أو ربما لا يكون وهمًا بقدر ما هو درس.
 أليس الندم هو ذاك المُعلِّم القاسي؟ ربما هو جزء من صوت ضميرنا؟ ذلك الصوت الذي يهمس في أذننا حين  نخطأ...حين نحيد عن الصواب؟ فيبقى صوته ذكرى تذكرنا ألا نعيد...
 لولاه، ربما كنا سنفقد جزء من انسانيتنا...من الفطرة التي تنذرنا بالخطأ 
 لولاه..ربما كنا نتصرّف بتهورٍ أكبر، 
دون تفكيرٍ في العواقب.
لولاه ربما كنا سنعيد فعل أخطائما بنفس الشكل والصورة والتفاصيل
قد يكون شعور الندم هو العقوبة التي نخاف أن نعيشها، 
فتُصبح الرغبة في تحاشيه، هي ما يدفعنا لاختيار أفضل ما نستطيع.

اذا
الندم سيف ذو حدّينإما أن يكون دافعًا للحكمة، أو أن يتحوّل إلى حاجز، خوف من تحمل المسؤولية...فيمنعنا من أن نختار مجددًا....فنختار ألّا نختار،
ربما المشكلة ليست في الندم بقدر تعاملنا معه...
...أن نتجمّد في واقعٍ لا نحبه، 
...ألا نختار كي لا نندم.
ألا نندم من الأساس فنعاود نفس الأخطاء...


No comments:

Post a Comment