2025/08/03

التخلي

تسير الحياة وفق قانون عجيب ومحير: "كل ما تعلقنا بشيء أفلت منا، وكلما تركناه لحق بنا."

وما هذا القانون، في جوهره، إلا تجسيدٌ لمعركة أزلية بين التعلّق والتخلّي، وامتحانٌ لقدرتنا على التغيير. فالحياة، في صميمها، مبنية على التغيّر، وعلى حقيقة أن لا شيء يدوم.
كلّ ما حولنا في حركة دائمة، والثابت الوحيد في هذا الكون هو حتميّة الزوال.
 عندما نتعلّق، فإننا نسبح عكس تيار الحياة، ونصارع طبيعتها المتغيّرة.
 فتأتي الحياة بدورها لتفرض قانونها، مجبرةً إيّانا على الفقد، لتذكّرنا بأن التغيير محتوم..

وهنا، غالبًا عن طريق الفقد، نتلقى أحد أقسى دروس الحياة: درس التخلّي. ليس التخلّي زهداً أو إهمالاً، بل هو وعيٌ عميق بقيمة الأشياء، مقرونٌ بقدرة ناضجة على الإفلات منها حين يحين وقت الرحيل. أن ترى ما تحبّه يغادر، دون أن تتشبّث به؛ لا لأنك لا تريده، بل لأنك تدرك أن التعلّق المفرط يُضعفك، ويسلبك قيمتك الذاتية.

نحن، من غير وعي، نبني هويتنا ممّا نتعلّق به، حتى نظنه "نحن". تخيّل أنك تبني جدارًا داخلك، طوبةً فوق أخرى، من كل ما تتمسك به... هذا الجدار يحجب عنك رؤية ذاتك، ويمنع نور الحقيقة — نور الله، نور القبول، نور السلام — من التسلل إلى روحك. فالتعلّق، في أصله، رفضٌ، وعدمُ قدرة على الرضا بفكرة الفقد أو التغيّر.

ولعلّ هذا ما قصده أحد الحكماء حين قال: "النور لا يدخل إلا القلوب المنكسرة." فالانكسار يُحدث شروخًا في جدار التعلّق، فيسمح للنور بالعبور. وكلّما تعلّقنا بشيء أكثر، كان الانكسار عند فقده أشدّ.

التخلّي هو الحريّة بمعناها الأعمق، وهو ما يُعلّمنا أن الاكتمال الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل ينبع من الداخل. وأن يكون هذا التخلّي عملاً داخليًا، فعلًا قلبيًا وروحيًا. وهنا يبرز الفرق الجوهري بين التمسّك والتعلّق:

التمسّك هو أن نكون فاعلين في حياتنا، أن نهتم ونرعى ونلتزم بمسؤولياتنا عن حب ووعي. أما التعلّق، فهو أن نصبح مفعولاً بنا، مسيّرين بالخوف من الخسارة والرغبة في الامتلاك. الفارق هو الفارق بين أن نمارس حياتنا بيدين مفتوحتين تستقبلان وتعطيان بحرية، وبين أن نطبق عليها بقبضة مهووسة، تحاول أن تمنع ما لا يمكن منعه.

عندما يتحقق هذا التوازن، يصبح القلب قادرًا على أن يحب بعمق دون أن يمتلك، وأن يتألم للفراق دون أن ينكسر كليًا، وأن يتخلى بسلام حين يحين الوقت.

فالتخلّي إذن لا يعني أن نصبح لامبالين أو مهملين. على العكس تمامًا، هو أن نرى الأشياء بحجمها الحقيقي، دون تضخيم أو تقديس، وأن نمنح أنفسنا أيضًا قيمتها الحقيقية، فلا نقلّل منها. أن نحبّ دون أن يتحوّل الحبّ إلى قيد، وأن نُقدّر دون أن يصل التقدير إلى حدّ التقديس.

فغالبًا ما نستخدم التعلّق لنملأ فراغًا في أرواحنا — فراغًا لم نملأه بأنفسنا، ولا بالله. والتعلّق لا يملأ الفراغ، بل يعمّقه، كحفرة، كلّما وضعنا فيها شيئًا ثقيلًا، ازداد عمقها. أما التخلّي، فليس فراغًا، بل هو الاكتمال ذاته، كأن تملأ تلك الحفرة بالرمل، فتتحول إلى أرض صلبة تُقام عليها الحياة.

الحب الحقيقي لا يُقاس بمدى التشبّث، بل بقدرتنا على الحب رغم الاحتمال الدائم للفقد. والحرية لا تعني ألا نرتبط، بل أن نرتبط ونحن أحرار. 
فالاختيار في النهاية بين حالتين لا ثالث لهما: أن نتمسّك بحب ووعي، أو أن نتعلق بخوف وفراغ.
لهذا، اسأل نفسك دائمًا في كل علاقة، وفي كل عمل، وفي كل فكرة، هذا السؤال الفاصل:
"هل أنا الآن أمارس التمسّك الواعي، أم أنني أسير في فخّ التعلّق؟"

وتذكّر دائمًا القانون الذي بدأت به هذه الرحلة...

"كل ما تعلقنا به أفلت منا، وكلما تركناه لحق بنا."

No comments:

Post a Comment