2025/08/27

التعاطف...

هل هناك ارتباط بين شعور التعاطف، وبين تقبّلنا أو موافقتنا على أفكار الشخص وتصرفاته؟
فعلى سبيل المثال: إذا وقع ظلم على شخصٍ قد أساء التصرف أو ظلم غيره يومًا ما، فهل سنتعاطف معه في لحظة ضعفه؟
أم أن شيئًا من البرودة سيتسلّل إلى مشاعرنا؟
بل قد يتردّد صوتٌ في داخلنا يقول: "إنه يستحق ما حدث له."
في تلك اللحظة، نحن لا نكفّ عن التعاطف فقط، بل نمنع أنفسنا عنه، لأننا نعتبر أن الألم الذي يمرّ به ليس ظلمًا، بل نتيجة عادلة.
وكأننا نمارس عدالة عقابية خاصة بنا، ونصدر حكمًا داخليًا على الشخص بناءً على ماضيه. فما هو التعاطف إذن؟
أعتقد أنه عندما تخرج من نفسك... من شخصيتك، من أفكارك، من قناعاتك...وتذهب لتسكن داخل شخصٍ آخر. تتلبّسه بالكامل، وتشعر كما يشعر، وتفكّر ليس بعقله، بل بمشاعره... لتخرج منك مشاعر تجاهه تُشبه ما يشعر به هو، أو ما يحتاج أن يشعر به. نحن نتعاطف بسهولة مع من نحب، حتى إن أخطأ. ونتردّد في التعاطف مع من نكره، حتى لو كان الموقف ذاته، بتفاصيله.

إذًا،
هل التعاطف مشروط؟ انتقائي؟
هل يتبع أهواءنا وعلاقاتنا؟
هل نحن نتعاطف بناءً على شعورنا تجاه الشخص، لا الموقف في حد ذاته؟
والسؤال الأهم:
هل من المفترض أن يكون التعاطف فعلًا إنسانيًّا خالصًا؟
فطريًّا، تلقائيًّا، لا انتقائيًّا؟
لا تتدخل فيه أحكامنا، ولا أهواؤنا، ولا حتى ضمائرنا؟
فكيف لضميرٍ يرفض الفعل، أن يتعاطف مع شخص قام به مسبقًا؟
وهل يمكن أن ننزع عن الإنسان ماضيه، وننظر فقط إلى لحظته الحاضرة؟
هل في ذلك عدالة؟ أم حياد مفرط؟
وهل يمكن للتعاطف أن يتناقض مع العدل؟
هل يمكن أن نتعاطف مع شخص نرفضه؟
أم أن التعاطف يتطلب شيئًا من القبول؟
فهل نتقبّل، ثم نتعاطف؟
أم يمكننا أن نتعاطف حتى دون أن نتقبّل؟
ربما لا نوافق على الفعل السابق، لكننا نتعاطف مع الظرف الحالي. هل هذا طبيعي؟ أم ضد طبيعتنا؟
بل، هل نتائجه قد تضرّ بالأخلاق، بالعدالة، بالوضوح الأخلاقي؟
أعتقد
أن التعاطف فعل إنساني بحت. فطري، تلقائي، غير خاضع دائمًا للحسابات. لأنه لا ينبع من التفكير في "هل يستحق؟" بل من رفض داخلي لـ"الشر"، أيا كان من يتعرّض له. نحن لا نتعاطف فقط لأن شخصًا ما يتألّم، بل لأننا نرفض الألم نفسه، ونرفض أن يُمارَس على أحد. حتى لو كانت في داخلنا عدالة تُرجّح أنه استحق ما حدث له، يبقى هناك جزء فطري، شعوري، إنساني، يشعر بالألم لأجل ألم الآخر. ولا أعتقد أن في هذا شيئًا ضد الضمير أو ضد الصواب. بل بالعكس.

نحن لا نُقر بخطأه أو نُبرّئه مما فعل، نحن فقط نتعاطف مع "الإنسان" الحاضر، لا "المذنب" في الماضي. نتعاطف مع ظرفه الآن، مع وجعه الآن، مع لحظته الآن.

وسأسأل سؤالًا شخصيًّا، ربّما يعكس شيئًا في داخلي: هل نحب أن يتعاطف معنا الآخرون؟
أم أن التعاطف يربك "الأنا"؟
هل نراه شفقة؟ ضعفًا؟ اعترافًا بأننا جُرحنا، ونحن نحاول جاهدين إقناع أنفسنا بالعكس كي تبقى "الأنا" حيّة؟

ربما لن أجد إجابات تُشبع العقل.
لكن ما أؤمن به،
 حتى وإن بدا غير واقعي،
أن التعاطف يجعل الحياة أفضل. لأننا عندما نتعاطف، لا نضع أنفسنا فقط مكان الآخر حين يتأذّى، بل نعيش معه مشهده، كما لو كنّا هناك. فنتردّد ألف مرة قبل أن نكون نحن سببًا في وجع قد يعود إلينا لاحقًا، إن شعر به هو الآن.

هذا هو التعاطف الذي أفهمه... وأرجو أن أطبقه .

ولعله، وإن لم يكن دائمًا عادلًا...إلا أنه دائمًا إنساني..

No comments:

Post a Comment