2025/08/31

ما الذي يَصنعُنا؟

 ما الذي يَصنعُنا؟

في أعماقنا، نحن من ينسج خيوط مشاعرنا، ويُشكل أفكارنا، ويبني صروح أوهامنا. كل ما يسكننا هو صنيعة أيدينا
نغذيه بإرادتنا ونمنحه حق البقاء.
تمرُّ بنا الأفكار والمشاعر كالسحاب العابر، لكننا نحن من يختار أن يقتنص غيمة منها، ويدعوها لتهطل في وديان أرواحنا.
الفكرة التي نحتضنها، والشعور الذي نتوقف عنده بكامل حواسنا، والخيال الذي نغوص فيه...
كلها تصبح جزءًا منا لأننا أردنا لها ذلك.
...العالم الخارجي لا يشكلنا،
بل يمرر لنا محفزات،
ونحن من يقرر الصدى الذي يتركه كل محفز في دواخلنا.

ولكن، هل نحن وحدنا أم أن للآخرين يدًا في تشكيلنا؟
إن الصور التي نبنيها عن الناس، والمشاعر التي نكنّها لهم، هي انعكاس لهذه العملية المعقدة.
قد نظن أنها تُبنى على مواقفهم وردود أفعالهم، لكنها في الحقيقة، تُصنع من خلالنا نحن
 من كيفية تفسيرنا لكل فعل، ومن الطريقة التي تترجم بها عقولنا ما تراه منهم.
فالناس،
 تمامًا كالأفكار،
 منهم من يمر بحياتنا دون أن نلتفت لمروره،
ومنهم من يمر فلا يمرّ أبدًا، تاركًا أثرًا يبقى. 
نحن من نصنع منهم حكاية، ونحفظها في أذهاننا حتى تصير حقيقة مطلقة،
ودمغة في أرواحنا.
فنصبح أسرى لصورة صنعناها بأيدينا، صورةٌ عنهم هي صنيعتنا نحن،
ولكنها أصبحت -فيما بعد- صانعتنا.

وإن كنا نحن نَصنع وتصنعنا أيضا صور الاخرين
 فماذا عن الفراغ؟
ماذا عن الغياب؟
ماذا عما نملك؟
عما نفقد؟
عن فاقد الشئ الذي يصبح هو من يعطيه..
أيصبح ما نفقد صانعننا أيضا؟
ربما القوة الأعظم التي تصنعنا لا تكمن فيما نملكه،
بل فيما نفقده. ..
الذي نرى من خلاله كل ما كان غائبًا عن أعيننا.
ما نشعر بنقصه في حياتنا
الذي يبرزلنا قيمة الأشياء التي نستشعر أهميتها من غيابها، لا بحضورها
 فهل يمكن أن يكون ما يصنعنا حقًا هو ذلك الجزء الناقص منا، ذلك الفراغ الذي نحاول أن نملأه طوال حياتنا؟

إذًا... ما الذي يصنعنا في النهاية؟
نحن الخالقون الذين يتشكلون بما خلقوا.
نحن الصورة التي رسمناها عن الآخرين.
ونحن الأثر الذي تركه الغياب فينا.
نحن كل هذا مجتمعًا...
نحن صنيعة الحياة بكل تجلياتها: حضورها، وغيابها، وانعكاسها في عيوننا.

No comments:

Post a Comment