كيف نعرف الله؟
بالعقل أم بالقلب، بالنص أم بالروح؟
بالعقل أم بالقلب، بالنص أم بالروح؟
بالعقل... أم بالقلب؟
هل الإسلام دين مادي يستند فقط إلى القرآن والسنة،
أم أننا نعرف الله بقلوبنا وأرواحنا، نستشعر وجوده، نرى رسائله، ونتحدث إليه بحواسنا؟
قد يأتي من يخبرك بصرامة:
"الإسلام نصٌ، مادي، واضح. يتحدث إلى عقول الناس... بلغة المنطق... القرآن والسنة هما الحقيقة، وما عداهما هوى."
فتتردد خطاك، وتتساءل...
هل كان كل ما شعرت به وهمًا؟
هل كان ذلك الدفء الذي يغمرني عند الدعاء مجرد خدعة من نفسي، خيالًا؟
وهل كانت تلك الرسائل التي أراها في كل شيء حولي من نسج وهمي؟
أنا أفكر بصوتٍ عالٍ...
وربما لن أصل إلى إجابة نهائية
ولكن بالنحاول.
ولكن بالنحاول.
فلنبدأ أولًا من العقل، صانع الأفكار، حارس المنطق، ذلك الذي يبني حقائقه على ما يرى ويسمع ويلمس.
فكيف للعقل، الذي يستند إلى الماديات، أن يتعرّف على الغيب؟
كيف يرى الله، وهو سبحانه "لا تُدركه الأبصار"؟
ربما يرى العقل الله من خلال تتبّع آثاره في الكون، من خلال الدلائل التي يحملها لنا القرآن والسنة...
لكن، هل هذه الأدلة كافية لليقين الكامل؟
هل تكفي لمعرفة "حيّة" تنبض بالإيمان؟
ذلك الإيمان العميق الذي لا يسكن العقل فقط، بل يستقر في القلب، ويملأ النفس، ويغيّر طريقة رؤيتنا للحياة؟
هنا يظهر القلب. لا كبديل، بل كمكمّل. لا كمصدر مستقل، بل كرفيق طريق.
العقل وحده قد يُقنع، لكنه لا يُدفئ.
والقلب وحده قد يشعر، لكنه أحيانًا يحتاج إلى من يدلّه على الطريق.
فمن الذي يسبق الآخر؟ لا فرق.
أحيانًا يكون العقل هو البادئ، حين يفكّر في خلق الله، فيُوقظ القلب ليشعر ويؤمن.
وأحيانًا يكون القلب هو البادئ، حين يشتاق ويحنّ ويبحث... فيدفع العقل ليفهم ويُبصر.
العقل يقرأ النصوص، يتأملها، ويُدرك ما فيها.
لكن القلب... هو الذي يذوقها.
وربما، في رحلة المعرفة، يكون القلب هو البداية، وربما هو الغاية...
وقد يكون هو المحطة الأخيرة بعد أن يمر الإنسان بالعقل، ويتجاوزه نحو البصيرة.
والعجيب أن القرآن نفسه لا يُفرّق بين القلب والعقل بل يجمعهما، كما في قوله تعالى:
"أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها"
قلوبٌ... تعقل.
إنه عقلٌ يسكن في القلب، لا في الرأس فقط.
بصيرةٌ تتجاوز الحروف، وتلمس المعنى الحقيقي، العميق.
فهل يعني هذا أن بإمكاننا الاستغناء عن النص؟
لا، بالطبع لا.
بدونه قد نضل الطريق.
وهل يمكننا إهمال العقل؟
لا... لأننا حينها قد نُسيء الفهم.
لكن ماذا لو أوقفنا شعور القلب؟
سنتوقف عن السير تمامًا.
لذلك، أظن أن السؤال الذي بدأتُ به كان خاطئًا في أساسه.
فليست المسألة عقلًا أو قلبًا... بل نفسًا وهوى.
النفس قد تضل، تميل، تتبع رغبتها وتُلبسها ثوب العقل أو القلب.
فالهوى لا يُضل القلب فقط، بل يضل العقل أيضًا.
كم من عقلٍ استخدم المنطق لتحريف النصوص، لتبرير رغبات دفينة، فأصبح الضلال مستندًا على آياتٍ وأحاديث أُسيء فهمها.
وهنا أقول لنفسي:
ربما لم يكن شعوري وهمًا.
ربما لم تكن تلك الخفقة عند الدعاء، وذلك الأمان عند الذكر، مجرد خيال.
ربما كانت صوت الفطرة الأولى...
تلك الفطرة التي عرفت خالقها قبل أن تتعلم القراءة، كطفلٍ لم يقرأ القرآن، ومع ذلك عرف الله بقلبه.
وهذا ما لخصه الإمام عليّ حين قال:
"معرفة الله تجربة شاملة: تبدأ من معرفة النفس، تتطلب قلبًا مهيّأ بالحب والخشية، وتتجاوز العقل إلى البصيرة والوجد."
وكأنه يقول:
نبدأ من الفطرة، نمر على القلب والعقل، ثم نتجاوزهما معًا إلى مقامٍ أعلى.
وفي النهاية...
الدين -من وجهة نظري- ليس نصًا جامدًا، بل هو النص حين يحيي القلب.
والقلب ليس شعورًا ضالًا، بل هو الذي يجعل النص حيًّا حين يُتذوّق ويُلامس.
الدين روحاني في جوهره...
يمس شعورنا، يدغدغ قلوبنا، يُشعل حنيننا، ويهذب عقلنا.
ظاهره عقلاني، مادي، منطقي...
لكن باطنه أجمل ما فيه... لأننا نشعر به أكثر مما نُحلّله.
والخلاصة بالنسبة لي...
أنني.
أنني.
قد أكون عرفت الله بعقلي ذات يوم...
لكن حين عرفته بقلبي،
اكتشفت أن الحياة نفسها قد تغيّرت..
No comments:
Post a Comment