كلما تأملتُ مسارات الحياة، وجدتُ أن
الله -في الكثير من الأحيان- لا يتركنا للفواجع التي تأتي بلا إنذار،
بل يهيئنا
للفقد قبل حصوله.
فإذا وضعنا الكوارث المفاجئة جانبًا، سنجد أن معظم خساراتنا
الكبرى قد سبقها تمهيد إلهي رحيم.
أرى ذلك في تجربتي الشخصية بوضوح.
فمعظم ما فقدت، شعرت أن الله قد أعدّ قلبي له.
أحيانًا، يفقدنا الشغف بما كنا
نهواه، فتبهت الألوان في أعيننا ونحن لا ندري السبب، وإذا به تمهيدٌ لرحيلٍ وشيك.
وأحيانًا، يسبق الفراق فتورٌ في المشاعر يطفئ لهيب القلب تدريجيًا.
وقد يسبق
الاغتراب عن مكانٍ ما ربطُ الله لذاكرتنا بأحداث سيئة فيه، حتى يصبح الرحيل أسهل.
حتى المرض الطويل، قد يكون في جوهره تهيئةً موجعة لما سيحدث، حتى يألف فكرة الغياب
ويتدرّب عليها قبل حدوثها.
إنها رحمة الله الخفية،التي لا نراها،
يهيئ قلوبنا، ويشدّ على أفئدتنا،
ويجعلنا أقرب لتقبل ما سيحدث....
ولكن،
هنا يبرز سؤالٌ اخر.
هل نحن مجرد متلقين لهذه التهيئة الإلهية؟
أم أننا نشارك، دون وعي، في
اختيار ما سنفقده؟
تتردد في ذهني مقولتان:
الأولى
للكاتبة أحلام مستغانمي: "نحن لا نفقد إلا ما لم نبذل جهدًا للاحتفاظ
به".
والثانية لسيدة قالت لي يومًا: "خساراتكي في الحياة ستتكرر
لأنكِ لا تقدّرين قيمة الأشياء".
فهل يكون الفقد إذن ليس قضاءً محتومًا فحسب، بل
هو فعلٌ "كارمي" نحن من نسببه بإهمالنا؟
ولكن، هل يهمل الإنسان حقًا ما يرغب
في الاحتفاظ به؟
أم أن الإهمال غالبًا ما يكون مقرونًا بما نرى فيه قيمة ضئيلة، أو
ما لا نريده في أعماقنا؟
كأننا، وبشكل لا واعٍ، نختار ما سنفقده عبر سحب قيمته من
داخلنا أولًا؟
وهنا تكمن المفارقة.
لماذا
إذن، بعد أن يتحقق هذا الفقد الذي ربما أردناه سرًا، نعود لنبكيه بحرقة، ونبذل
جهدًا خرافيًا لاسترداده؟
إننا نشبه ذلك الطفل الذي أهداه
والده لعبة لم تعجبه. يزدريها، يرميها بإهمال حتى تتكسر، ثم يقذف بها من النافذة.
وحين يخرج ليبحث عنها فلا يجدها، تتغير قيمتها في عينيه فجأة.
يمشي في الطرقات
باكيًا، يبحث عنها في كل مكان، ويحاول يائسًا أن يحصل على لعبة تشبهها.
وحين يعجز،
ينزوي في غرفته نادبًا حظه، لا على وجود اللعبة، بل على حقيقة فقدانها.
نعم، هذا المشهد يتكرر وإن بدا
مبالغًا فيه.
ونعم، نحن نفقد ما لم نبذل جهد الاحتفاظ به.
ولكن... يحدث العكس أيضًا.
يحدث أن
نحتفظ، ونتمسك، ونتشبث بالأشياء والأشخاص بكل ما أوتينا من قوة،
فيقتلعها الله من
جذورها اقتلاعًا.
لا كعقابٍ على التمسك، بل كرحمةٍ منه لإنقاذنا من شيء يضرنا
ونحن لا نعلم
إذًا، الفقد ليس دائمًا فعلًا
إنسانيًا بحتًا، ولا هو دائمًا فعلٌ قدريٌ بحت.
ربما
يكون الجزء الإنساني فيه هو تلك النية الخفية،
وذلك الصوت الصامت في
أعماقنا الذي لا يسمعه سوانا،
فيطّلع عليه الله، وينفّذ ما أضمرناه في صورة
"فقد" هو في حقيقته استجابة.
في النهاية،
سواء كان الفقد رحمة أو
درسًا،
أو مزيجًا غامضًا منهما،
فهو في جوهره -قد يكون- شيءٌ آخر تمامًا: إعادة توجيه لبوصلة
القلب.
إنه دعوة إلهية للخلاء، حتى نمتلئ
بما هو أعمق من كل ما فقدنا...
No comments:
Post a Comment