الصدفة ليست ما يحدث بلا سبب، بل ما لم تنكشف لنا بعدُ أسبابه.
ورغم إيماني العميق بالقدر، فإنني لا أرى في الصدف حوادث عشوائية، بل خيوطًا خفيّة تنسجها يد الحكمة في نسيج حياتنا. حتى ذلك القدر الذي يأتينا على غير إرادتنا، لا يأتي اعتباطًا، بل محمّلًا برسالة قد تغيب عن وعينا في لحظتها، ثم تتضح لاحقًا، كصورة لا تظهر ملامحها إلا بعد أن تبتعد عنها قليلًا.
كل طريقٍ سلكناه، وكل خطوة قادتنا إلى أخرى، وكل وجه التقيناه، لم يكن عابرًا بلا معنى. حتى فكرة عابرة لمعت في أذهاننا، أو جملة سمعناها عرضًا في حديث غرباء، كانت كحجر صغير أُلقي في ماء راكد، فأثار دوائر لا نرى حدودها الآن. والكتاب الذي وقع في أيدينا بلا تخطيط، ربما حمل بين صفحاته بذرةً لا تنبت إلا في تربة قلوبنا نحن.
نحن في الحقيقة نتاج ما نسميه “صدفًا”، لكنها صدفٌ تصنعنا بقدر ما نصنعها. فهي ليست مجرد أحداث طارئة، بل محطات تترك على أرواحنا أثرًا، وتشكّل خريطةً خفية لمستقبلنا.
أؤمن أن الصدفة هي الفرصة التي تضعها الحياة أمامنا، والقدر هو الطريق الذي يقودنا إليها. أما كيف نلتقطها أو نتجاهلها، فذلك قرارنا. الحدث في ذاته قد يكون مُقدَّرًا، لكن أثره يتشكل من وعينا به. إذا أغفلناه، مرّ كغيم عابروإذا انتبهنا، صار مطرًا يغيّر أرضنا.
تخيل شخصين يمشيان في الطريق ذاته، فجأة يلمع أمامهما شيء على الأرض. كلاهما يراه، لكن أحدهما ينحني ليلتقطه، والآخر يتجاوز دون أن يتوقف. ربما كانت جوهرة، وربما لم تكن، لكن قرار التوقف هو الذي صنع الفرق.
الصدف ليست دائمًا أبوابًا للفرح أو المكاسب... أحيانًا تكون دروسًا ، أو مرايا تكشف لنا ما لا نريد رؤيته. لكنها في جميع أحوالها رسائل، إذا قرأناها بتمعّن، أضافت إلينا شيئا.
قد تأتيك على شكل كلمة من صديق، أو نظرة من غريب، أو موقف بسيط: طائر يعترض طريقك، قطة تتبعك، مكالمة لم تكن في الحسبان، طريق لم تخطط لاتباعه... كل شيء يمكن أن يكون مفتاحًا لباب لم تتوقع وجوده.
الحياة رغم بساطتها الظاهرة، تحوي عمقًا يختبئ في تفاصيلها الصغيرة. وحين نمنح هذه التفاصيل لحظةً من وعينا، تكشف لنا معانيَ لم نكن نبحث عنها، لكنها كانت تبحث عنا.
الصدفة في حقيقتها ليست مشهدًا عابرًا،
بل رسالة فيها عبرة،
أوصلها القدر إلينا،
ونحن من نختار أن نقرأها أو نرفض استلامها.
No comments:
Post a Comment