2025/08/30

لنا في الخيال حياة؟



أتُريدني أن أتخلّى عن خيالي، وأن أهبط إليك من غيمتي؟
أن أكلّمك بلغة الأرض،
لا بلغة الحلم...
أن أروي لك ما جرى، كلّ ما جرى،
 دون تزييف أو زخرفة؟
أن أقول لك، مثلاً، إنّ شعوري بلقائي بك لم يكن "أول لقاء"...
بل كان شيئًا يشبه العودة 
كأنّني أعرفك منذ زمن لا يُعد،

أتُريدني أن أُفصِّل أكثر؟
أن أسرد
أن أكمل
أن أحكي
أن أُخبرك كيف استيقظ قلبي حين رأيتك؟
وكيف شعرتُ بأنّ شيئًا بداخلي يقول: لقيتك...

هل تُريدني أن أتجرّأ، وأكفّ عن الاختباء؟
أن أُحدّق في عينيك طويلاً...
بلا خجل، بلا حياء، بلا ارتباك؟
أن أقول ما في قلبي كما هو، دون مواربة، دون ادعاء؟
أن أعترف أنّني نافقت في حبك 
لأنّني خبّأت مشاعري، أظهرت عكس ما أُبطن،
وهذا، إن لم يكن نفاقًا، فماذا يكون؟

 أتُريدني أن أنزل عن سحابتي البعيدة،
وأن أحبك كما يفعل الناس، على الأرض؟
أن أضع قلبي في يدك، لا في خيالي؟
أن يتحوّل حبك من فكرة، إلى فعل...
من خفقة داخلية لا تسمع أو ترى، إلى حضور علني؟

----------------------------------------------------------------------

ماذا يبقى من الحب حين يُنتزع من الخيال ويُلقى على أرض الواقع؟
وهل الخيال مجرّد غيمة نحتمي بها، أم هو مرآة لما نريد؟

"لنا في الخيال حياة"، كما قال محمود درويش.
لكن... إذا كان لنا في الخيال حياة، فماذا يتبقى للواقع؟
هل الخيال ملاذ مؤقت؟ أم كذبة جميلة؟ أم طوق نجاة من حياة لا تُطاق؟
وهل حين نغوص فيه، نفقد جاذبية الأرض؟
هل هو هروب؟ أم إعادة اختراع للواقع كما نحبّه لا كما هو؟

ربّما الخيال ليس رفضًا للواقع، بل هو علاقتنا الأكثر صدقًا معه.
هو الطريق الذي نُعبّر به عن احتياجنا، عن هشاشتنا، عن قدرتنا على أن نحلم بما لم يحدث بعد.
نحن لا نهرب منه لأنه زيف، بل نلجأ إليه لأنه الأجمل، لأنه يعطينا صورةً لما يمكن أن يكون عليه العالم لو كنّا أكثر شجاعة.

ربّما تعرفنا على الخيال منذ الطفولة، أو ربما، التقينا به في لحظة غرق، فتمسّكنا به كأنّه طوق نجاة.
وجدنا فيه الأمان، والدفء، والمكان الذي نكون فيه أنفسنا بلا خوف.

لكن، حتى هذا الطوق... لا يمكننا أن نعيش عليه إلى الأبد.
فالخيال، مهما بلغ من الجمال، لا يصنع حياة كاملة.
إنه يُريحنا... نعم. يُنقذنا أحيانًا... .
لكنه لا يكتفي بأن يكون بيتًا دائمًا.
الجزيرة التي نلجأ إليها حين تعصف بنا أمواج الحياة، لا يمكنها أن تصبح وطنًا.

وقد تكون هذه هي المفارقة:
الخيال لا يشوّه الحقيقة، بل يُجمّلها إلى الحدّ الذي يُخبّئها.
فنعلّق قلوبنا بصور مثالية لا نجدها على الأرض، فنُصاب بالخذلان.
وحين نُطيل البقاء هناك، نصبح غير قادرين على العيش في الواقع كما هو.

لكن لِمَ خلقنا الله بهذه القدرة على التخيّل، إن لم تكن مقصودة؟
لِمَ نُحسن الحلم، إن لم يكن وسيلتنا لنُحسّن الواقع؟
الخيال ليس سذاجة، بل بوصلة. هو الصورة الأولية لما يمكن أن نكون عليه.
الله لم يخلقنا لنعيش الواقع بحذافيره، بل لنصنع واقعًا أجمل من خلال ما نتخيله.

الخياليّون ليسوا غائبين عن الحياة...
هم الذين طوّروا مساحة للبقاء فيها حين ضاقت بهم الأرض.
اخترعوا طريقًا ثالثًا: لا إنكار للواقع، ولا استسلام له... بل تكيّف معه.

ولذلك، مهما كانت لنا في الخيال حياة وملجأ ودفء،
فلن تكون لنا فيه حياة دائمة.
الخيال بلا واقع لا يقع. لا يُعاش. لا يُكتب. لا يُروى.

نعم، لنا في الخيال حياة،
لكنها حياة مؤقتة تمنحنا القدرة على الاستمرار في الحياة الحقيقية.
ولذلك...

قد يكون لنا في الخيال نجاة،
لكن...
ليس لنا فيه حياة.

No comments:

Post a Comment