2025/08/19

لعبة البازل

 قد تكون الكثير من مشاكلنا مع الدنيا والعالم والمحيط نابعة من فكرة واحدة: الاستنتاج. 

نحن نستنتج الإجابة قبل أن تُقال.
نستنتج سبب الفعل،
وما وراء الصمت،
وحتى مشاعر الآخرين.
ونستنتج ما سيحدث لنا بعد كل خطوة نخطوها.
حتى اختياراتنا غالبًا ما تُبنى على استنتاج: كيف سيكون شكل المستقبل بعد هذا القرار؟
نؤوّل حدوث الأشياء مسبقًا.
نستنتج أن الآخر "يعرف"، فلا نشرح ولا نوضّح.
نستنتج أن مقصدنا واضح، فلا نسترسل.

 فنعيش بعقول مثقلة بالافتراضات، نسقطها على أنفسنا وعلى الآخرين.

لكن... ما هو الاستنتاج أصلًا؟ وكيف يحدث؟
هل هو مجرد ربط شيئين ليقودا إلى ثالث؟
أم أنه وليد خبرات سابقة وصور متكررة جعلتنا نظن أن تكرارها يعني ثبات نتيجتها؟
وما الفرق بين "الاستنتاج" و"النتيجة"؟ أهما الشيء ذاته؟
أم أن الاستنتاج مجرد عملية ذهنية نسعى بها إلى النتيجة؟
 وهل جزء من الاستنتاج هو البحث في الغيب؟ لأننا لا نستنتج إلا ما خفي عنا؟

 الموضوع أقرب إلى لوحة بازل: نضع قطعًا متناثرة من أفعال وأحداث، ثم نحاول أن نوصلها ببعضها لنصنع صورة. لكن الفارق أنّ البازل صورة حقيقية مكتملة، بينما الاستنتاج صورة ذهنية لا تحكمها حقائق مطلقة، ولهذا تبقى عرضة لأن تخطأ أمام مفاجآت الواقع.
فالواقع - على عكس البازل والمعادلات - لا يخضع لقواعد ثابتة.
قد يتكرر الحدث ذاته، لكنه يقود مرة إلى نتيجة، ومرة أخرى إلى نتيجة مختلفة تمامًا.
ولهذا كثيرًا ما ينتهي بنا الاستنتاج إلى خيبة.
نحن لا نُخذل لأن الحياة وعدت ثم أخلفت، بل لأن عقولنا رسمت صورة وظنناها الحقيقة.
وعندما اصطدمنا بالواقع، اكتشفنا أنها لم تكن إلا خيالًا...شيئا صنعناه نحن....

وأنا شخصيًا كثيرًا ما أقع في هذا الفخ.
حتى في كتاباتي أستنتج، وأرتّب الأفكار كما لو كنت أصل إلى "حقيقة".
لكنني أعترف: مهما بدا الاستنتاج منطقيًا، فهو أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع. 

وكلما تشبثنا باستنتاجاتنا، ازددنا عرضة للخذلان.
 ليس لنقصٍ فينا، بل لأن الحياة ببساطة... لا قواعد لها. 

وأتعرف ما الأدهى؟
أن استنتاجاتنا لا تتأثر بالمنطق وحده، بل بأهوائنا أيضًا.
فنحن لا نستنتج دائمًا ما هو عقلاني، بل ما نرغب في حدوثه، ما نتمنى أن يكون.
 نُعيد ترتيب الوقائع بما يرضينا ويمنحنا شعورًا بالقوة والسيطرة، فنطمئن للحظة. لكن حين يكشف الواقع وجهًا مختلفًا، يكون الخذلان أقسى.

إذن… ما الحل؟
الحل أن نعترف: الاستنتاج ليس أكثر من احتمال، قد يصدق وقد يخطئ. أن نُميّز بين ما يبنيه العقل على الوقائع، وبين ما يختلقه الهوى من صور. أن نقرّ أننا نتوقع ونراهن ونلعب لعبة في خيالنا بقطع لا وجود لها.

وربما عندها نصل إلى الاستنتاج الأهم:
أن الغيب ليس لنا، وأن التسليم أرحم من الوهم.
الحقيقة لا تُستنتج… بل تُكشف حين يحين وقتها.

No comments:

Post a Comment