2025/09/12

لكي أعيش، كان عليّ أن أنتهي.

النهاية...
كلما حاولنا الهرب منها،
أغلقنا في وجهها الأبواب،
وسدّدنا النوافذ كي لا نطلّ عليها،
نجوب الأرض خوفًا من لقائها،
نخدع أنفسنا، نعيش اللحظة،
ونُقنع قلوبنا بأنها لن تباغتنا من الزاوية التي لا نراها.

لكن رغم كل ذلك، يبقى السؤال واقفًا في صمتنا:
لماذا لا نجرؤ أن نرى ما خلف النهاية؟

نظن أننا نتحكّم بكل شيء.
نظن أن الثبات قوّة،
وأن عدم التغيير هو شكل من أشكال النجاة.
فنستمر.
نتسمّر.
نتمسّك بما نعرفه، بما نألفه، حتى لو لم نعد نُحبّه.
نخاف المجهول...
ونخشى أن نعبر نحو الضفّة الأخرى.

نتخيّل أن "الموت" ينتظرنا خلف كل نهاية 
لا بالضرورة موت الجسد،
بل موت أجزائنا:
صورتنا عن أنفسنا،
هويتنا التي بنيناها حجراً فوق حجر.
لكن،
من قال إن النهاية مرادف للموت؟
ومن قال إنه لا حياة بعد ذلك "الموت"؟

وأنا...
كنت أخاف التغيير.
كرهته.
هربت منه.
توارَيت،
واختبأت كي لا يراني فيباغتني.

ظننت أنه إن لمحني، سيلتهمني.

وفي سبيل هذا الخوف،
كنت على استعداد أن أعيش مع ما لا يُشبهني،
مع ما لا يُشبِعني،
فقط لأنني "أخشى"،
أريد أن أحذَر،
أتمسّك بالأمان — حتى لو كان وهمًا.

لكن...
أحيانًا يكون للحياة رأيٌ آخر.

أتعرف؟
لا أعرف إن كانت الحياة هي التي تُباغتنا بالتغيير،
أم أن هناك جزءًا في داخلنا،
مخبوءًا، لا نعترف به،
يتوق إليه بصمت.

ربما هذا الجزء يرسل إشارات لا نراها،
فيستشعرها التغيير من بعيد،
ويقترب.

ولأن الحياة، والقدر، والتغيير،
يعرفون أننا أضعف من أن نتحرك وحدنا،
يهزّون الأرض تحت أقدامنا.
يهزّون كل شيء من حولنا.
فنظن أن السماء ستنطبق علينا.
وأن لا مفر.
وأن لا مستقر.

نقف مذهولين.
نتساءل:
هل نحن الآن... نَنتهي؟
أين المفر؟
هل نهرب؟
وإلى أين؟
والأرض كلها تتغيّر؟
لا أمان بعد اليوم.
فماذا نفعل؟
وهل هناك شيء لنفعله أصلًا؟

وفجأة، في وسط كل هذا الانهيار...
يأتي صوت.
من الداخل.
يهمس.
ثم يصرخ.
ثم يُفصح:

"تغيّر."
إما أن تتغيّر... أو تنتهي.
تندثر.
تموت.

واكب التغيير لتنجو.
اصدق.
عِش.
لا تَرضَ.
لا تقنَع.
لا تخضع.
أفِق.

لكننا نتردّد...
فكيف نذهب نحو شيء يطلب موتًا بلا موت؟

كيف أترك:
صورتي القديمة،
صلابتي،
خططي،
تحكّمي،
تصنيفي لنفسي، وللعالم؟
كيف سيراني الناس بعد ذلك؟
كيف سأرى نفسي؟
وماذا لو سقطت ولم أقم؟
ماذا لو انتهيت للأبد؟

لكن الأرض لا تزال تهتز،
والسقوط حتمي.

يزداد الصوت الداخلي:
"تغيّر."

وفجأة،
في لحظة لا تُقاس بالوقت،
أو ربما في عُمرٍ كامل لا يُقاس بالسنين،
يحدث الانفصال...

وكأن شيئًا يُنتزع منك.
كأنك تخرج من جلدك.
تنسلخ من نفسك القديمة.
مثل ألم المخاض.
كوجع الولادة.
وربما أقسى

ثم...

تولد من جديد.

ينتهي عهدك القديم.
وتصبح... أنت الحقيقي.
تتغيّر، لا لتكون شخصًا آخر،
بل لتعود إلى ذاتك التي لطالما كانت هناك،
خلف كل خوف.

وحينها
تدرك
بهدوء، بثقل، بيقين:
ربما...

كان عليّ أن أنتهي... لكي أعيش.

No comments:

Post a Comment