2025/09/11

بحجم الخيال

 أتعرف؟
 أدركتُ أن الحب لا يكشف لنا الآخر على حقيقته، بل يكشف لنا أنفسنا.
في حضرة الحب، نحن لا نرى من نُحب، بل نرى انعكاس أرواحنا فيهم.
نراهم كما نتمنى أن يكونوا، لا كما هُم.
نصنعهم على مقاس أحلامنا،
تمامًا كما كان أهل الجاهلية ينحتون تماثيلهم،
وكما يبدع الفنان لوحةً يستلهمها من خياله، ومشاعره، وحتى أعمق آلامه.
في النهاية، كلٌّ يصنع ما ينتمي إلى روحه.

وهكذا نحن في الحب،
نشكّل من نحبّ كما يصوغ الشاعر قصيدته
 يجلس أمام ورقة بيضاء، يضيف كلمة، يشطب أخرى، يتأمل طويلاً،
لا ليصف محبوبه كما هو، بل ليخلق نصًا يفتخر به، إبداعًا من صنعه هو.

ونحن؟
نصنعهم ليملؤوا فراغًا فينا، ليبهرونا، أو ربما... ليسعدونا .
نصنعهم لنا، لا لهم..
 نحن نصبّ فيهم كل ما تمنيناه ولم نجده في الحياة،
نحلم بأن يكونوا "ما نريد"، لا "ما هم عليه".

وأنا
حين أحببت،
كنتُ كطفلةٍ صغيرةٍ تلعب بعرائسها
 أبني لهم بيوتًا وأسماءً وشخصيات،
وأرفض أن أرى فيهم أي نقص.
كنتُ أعيش الحب كحلمٍ جميل، ثم أهرب من واقعه القاسي إلى خيالٍ أرحب.
ربما كان شيئًا في داخلي يبحث عن الرضا بأي ثمن.
 صنعتُ رجالاً في خيالي،
وحين عاشرتهم على أرض الواقع،
ظللتُ أتعامل مع خيالهم، لا مع حقيقتهم.
...وكلما لاحت الحقيقة، كذّبتها وصدّقت الوهم...اتبعت ما صنتعته في خيالي.

أهذا جنون؟
أم هو رفضٌ للواقع لم أجرؤ على تسميته باسمه؟
أو ربما كنتُ، رغم كل تلك السنوات، لا أزال الطفلة التي تظن العالم بيتًا للعرائس، بريئًا، بسيطًا، وآمنًا
وأن في استطاعتها أن تصنع عرائسها بنفسها فيصبحوا مطابقين لخيالها ونواياها...

وهل كان عليّ أن أستيقظ؟
أن أتعلم الدرس وأعيش الحب بواقعية؟
 أم كان عليّ أن أنتظر رجلاً بحجم خيالي؟

وجئت أنت....

لأول مرة، أكتبُ وأنا أقف على أرضٍ صلبة، لا محلّقة في السماء.
 أشعر بثبات الأسفلت تحتي، لا بقسوته، بل بطمأنينته.
أكتبُ بعينين مفتوحتين، أرى بوضوح، لا أتخيل.
 أكتبُ عن الحب من قلب الواقع، لا من ضباب الحلم.

أكتبُك كما أنت،
 لا كما حلمتُ بك.
 رجلٌ بحجم خيالي، لكنه يقف هنا، على الأرض.

كنتُ أظن أن الحب يأتي كزلزالٍ يهدم الأسوار، أو كنجمٍ ساقطٍ من السماء، أو كيومٍ تقرر فيه الشمس ألا تشرق.
كنتُ أتوقعه عاصفةً تقتلع الأبواب وتصرخ: "جئت!".

لكنني أدركتُ الآن...
الحب لا يأتي كإعصار، بل يتسلل إلينا في هدوءٍ تام.
ينساب فينا كسكينةٍ ،
كراحةٍ عميقة بعد يومٍ شاق،
كسلامٍ داخلي لا يحتاج إلى تفسير.

الحب لا نصنعه،
ولا نتخيله،
ولا نجلبه عنوة.
بل هو الذي يقترب منا بخطى خفيفة،
لا ليسرقنا من أنفسنا أو يأخذنا إلى السماء،
بل ليعيدنا بلطف... إلى الأرض.
ويرينا الحقيقة التي لا نخاف منها

وربما، كنتُ بحاجةٍ إلى رجلٍ بحجم خيالي،
ليثبتني على الأرض....

No comments:

Post a Comment