2025/09/14

رحلة نحو الحياة

كانت تجلس في المقعد، بمحاذاة النافذة، تحاول أن تتجنب التفكير، وتتجنب الشعور، وتتجنب حتى تجنبها ذاته.

خارج الزجاج، بدا المطار مزدحمًا بالحركة، لكن في داخلها... كان الصمت يعمّ، يطبق على قلبها كضباب كثيف، لا يترك لها وضوحًا إلا ما يكفي للمضي قدمًا.


اقتربت من النافذة، كأنها تحتمي بها، أو ربما تهرب فيها.
لم تكن تعرف ماذا تشعر أو إن كانت تشعر أصلًا.
هل كانت خاوية؟ أم ممتلئة بما لا يُحتمل؟
أحيانًا، كانت تتساءل:
هل من الممكن أن تكون المشاعر أثقل من أن تُشعر؟
هل من الممكن أن تفيض داخلنا حدّ أن نكفّ عن الإحساس بها؟

حينها، لا نشعر بشيء، ونظن أن الجمود استقر فينا.
لكن الحقيقة، أن المشاعر كانت أقوى من قدرتنا على استقبالها.

لقد جمدت.

جمدت ليس هروبًا، بل لطفًا.
ذلك النوع من اللطف الخفي، الذي يجعلنا نحتمل ما لا يُحتمل.
يسلبنا القدرة على التفكير حتى تمرّ اللحظة، ثم نعود لنسأل أنفسنا بعدها:
كيف مرّت؟

قررت الرحيل.
قرارها لم يكن صعبًا كما توقعت.
لم يكن هناك خوف، ولا تردد.
كان هناك فقط… صمت.
وما يشبه التيه الهادئ.

كانت تمرّ بما يشبه المشهد الروائي الذي كتبته منذ شهور عن امرأة تغادر وطنها باحثة عن التعافي.
تساءلت اليوم، :
هل تأخذ الأقدار من أفواهنا ما نقوله؟
أم من نوايانا؟
أم أن الكلمات التي نكتبها هي صدى لما نتمناه دون أن نعترف؟

تذكّرت بطلتها... وتساءلت من جديد:
هل كنت أكتبني؟
هل كنت أجرّب الحياة من خلالها، قبل أن أعيشها أنا؟

رفعت وجهها للسماء، للملاذ الذي لم تكتشفه إلا مؤخرًا.
كانت هناك دومًا، فوقها، لكن قلبها لم يرها.
وحين رآها… تغيّر كل شيء.

شعرت أن السماء أهم من الأرض.
أن ما فوقها أكثر رحمة مما تحتها.

كانت وجهتها الجديدة غير واضحة، والمكان الجديد غريب، والطريق ضبابي…
لكن القرار كان واضحًا.
صارمًا، على الرغم من أنها من الداخل لم تكن بهذا الوضوح.

كانت تسير كما يسير الراكب في قطار فقد محطته.
تمضي، فقط لأن الوقوف أصعب.

ولأول مرة، كانت تفكر في معنى "الاستقرار".
هل هو مكان؟
أشخاص؟
أم هو حالة داخلية؟
وإن كان كذلك… لماذا كانت تفتقده حين كان كل ما حولها يشير إلى أنها "مستقرة"؟

ربما كان الاستقرار شعورًا بالأمان…
شعور داخلي، لا تمنحه الجدران، ولا الضمانات، بل الطمأنينة.
طمأنينة أن كل شيء، مهما كان، سيكون على ما يرام.

لكن… ما هو الأمان؟
هل هو ألا نخاف؟
أم أن نثق أن هناك من يحمينا، حتى ونحن خائفون؟

ربما كانت رحلتها كلها من أجل هذا الشعور.

سمعت صوت الإعلان الداخلي للطائرة.
بدأت عجلاتها تتحرك ببطء… ثم بسرعة… ثم أكثر.

أغمضت عينيها.

نبض قلبها كان سريعًا، والدموع انزلقت على خديها في صمت.
لم تحاول مسحها.
لم تخجل منها.
كانت لحظة استسلام كامل.

لمقاومة انتهت.
لمرحلة أُغلقت.

تذكرت آخر قصة كتبتها.
تذكرت كيف كانت تدور حول الحب.
لكنها الآن، أدركت أن هذه القصة…
ليست عن الحب.

هذه القصة ستكون عن الحياة.

فتحت عينيها، والطائرة بدأت تتسلل إلى السماء. 


-تتبع-

No comments:

Post a Comment