2025/09/24

البديل

أيُّهما أهون: أن نتخلى عن شيءٍ لا بديل له، أم عن شيءٍ نملك له عِوضًا وبدائل؟

للوهلة الأولى، تبدو الإجابة بدهية.
 نحن، دون أن نعي، نتشبث بما نظن أنه فريد، ويسهل علينا ترك ما له شبيه.
لكن...
هل هذه قاعدة حقًا؟ أم أن كل فرضية تحمل في طياتها نقيضها؟

أحيانًا، لا تكمن الصعوبة في فرادة الشيء المتروك،
 بل في فعل "الترك" ذاته.
نحن لا نخشى فقدان الشيء، بل نخشى فكرة التغيير، ونرتعب من المجهول.
نفضل البقاء في المعروف المألوف على أن نمضي إلى أرضٍ جديدة تتطلب منا اعتيادًا آخر قد لا يريحنا.
هنا، تصبح نفسية الخسارة أقوى سلطانًا من جاذبية المكسب.

والأعمق من ذلك،
أننا نصنع من بعض ما نتعلق به هويتنا. أشخاص، أفكار، قناعات، أو حتى صورٌ رسمناها عن أنفسنا...
كلّها تصبح جزءًا من تعريفنا لذواتنا.
فكيف يكون التخلي سهلًا، إن كان ما نتخلى عنه هو قطعةٌ منّا؟

إذن، ما الحل؟
ولماذا أعود للكتابة عن التخلي مرارًا وتكرارًا؟
 ببساطة، لأنني أؤمن أنه المكسب الحقيقي، وأثمن درسٍ في الحياة.
علّمتني التجارب أن كل خطوة تخلٍّ كانت تجعلني أقوى،
وأقدر على العيش،
وأكثر اتساعًا في تقبلي واستيعابي.

التعلق دائرة مظلمة، يشبه مثلث برمودا الذي يبتلعك فجأةً فتختفي فيه.
أما التخلي، فهو طوق النجاة الذي ينقذك من الغرق.
لكن كيف نتقنه؟ هل هو درسٌ يُقرأ فيُطبّق؟ أم أنه حكمةٌ لا تُكتسب إلا بخوض نقيضها والغرق فيه أولًا؟

كنتُ أظن أنني لا أنال شيئًا بسهولة،
 لكني أدركت لاحقًا أنني كنتُ متعلقة بفكرة "الوصول" أكثر من استمتاعي بـ "الطريق".
كنت مسكونة بالنتائج، مهووسة بما أريد،
 فاستحوذ عليّ شعور دائم بالرفض والغضب إن لم يحدث.
والنتيجة؟ لا نتيجة.
 لأن السعي حينها كان ناقصًا، والنية مضطربة، والطريق ضبابيًا.

وهكذا علّمتني التجربة: كل تعلق لا يقود إلا إلى تعقيد الوصول.
 وكأن الأقدار تنتظر منا أن نتخفف، أن نُسلّم، أن نرضى، حتى تعلمنا الدرس، ثم تمنحنا ما نطلب.
 إن المبالغة في التشبث تُفقدنا متعة الرحلة،
 وتُشتت تركيزنا عن المقصد، وتُثقل خطانا.

لذلك،
 أقول إن التخلي تدريبٌ للقلب والنفس،
إعادة برمجة متواصلة.
هو أن تسمع صوتك الداخلي يلحّ: "أريد، أريد..."، فتسعى نحو ما تريد دون أن يتحول سعيك إلى تشبث.
 أن تمضي نحو الأفق دون أن تعلق بصرك على خط الوصول.
 أن تُسلّم قلبك لله وتوقن أن الخير آتٍ في وقته، فلا حاجة للقلق المحموم الذي لن يغير شيئًا.

قد يبدو هذا الكلام مثاليًا أو ساذجًا، لكنه في الحقيقة قمة الواقعية.
فما هو لك لن يفوتك، وما ليس لك لن تدركه مهما تشبثت به.

في البداية،
سألت: أيُّهما أسهل، أن نتخلى عما لا بديل له أم عما نملك له بدائل؟
وربما الجواب الآن مختلف.
ربما البديل الوحيد الذي يقوّينا على التخلي عن أي شيء، ويجعل أيدينا تنفتح بسهولة لتُحلّق منها بالونةٌ كُتب عليها اسم ما تعلقنا به، هو أن نكتفي بأنفسنا، ونستكفي بالله.

أن نكون نحن المصدر، لا الوجهة.
 هذا هو الحل الوحيد الذي وجدته.

No comments:

Post a Comment