2025/09/17

أبيض ضعيف

 أمسكت بالفرشاة، وأخذت تُكمِل ما بدأت من لوحة.

كانت الألوان تنسكب أمامها، لكن يدها لم تذهب إلا إلى أنبوبين: الأبيض والأسود.
غمست الفرشاة في أحدهما، ثم بدأت تمرّرها على الورقة الكبيرة، تصنع خطوطًا عريضة بعرض الشعيرات، كأنها تنحت تناقضًا.
قرّرت منذ البداية ألّا تُدخِل أي لون آخر.
لا ماء للتخفيف، لا درجات وسطى.
لونان فقط… خامان، صريحان، حقيقيان.

كانت تُحب التناقض.
ترى جمالًا خاصًا حين يجتمع الأبيض بنقيضه الأسود،
حين يلتقي النقيضان دون أن يُحاولا التشابه أو التماهي.

لكن… راودها سؤال:
ماذا لو امتزجا؟
أيهما سيطغى على الآخر؟
هل يُمكن للّون الأبيض أن يُخفي السواد؟
أم أن الأسود هو الذي يبتلع كل ما عداه؟
هل يعني ذلك أن الأكثر ظلمة… هو الأكثر قوّة؟
هو من يتحكم بالمشهد؟
ويفرض أثره، حضوره، وظلاله؟

وهنا، لم تعد ترسم لأجل الفن.
تحوّل هدفها إلى شيء آخر… إثبات.
أرادت أن تُبرهن أن الأبيض قادر على أن يعلو،
أن يغلب،
أن يُخفي الأسود دون أن يمحيه،
أن يُحوّله.

أمسكت بأنبوب اللون الأبيض، وأفرغته بالكامل.
جلست باعتدال، ركّزت، غاصت شعيرات الفرشاة في اللون حتى أصبحت بيضاء بالكامل.
ثم بدأت تمرّ على ما رسمته، هذه المرة ببياضٍ نقي.
مرّت الفرشاة على السواد، فتحوّل إلى رمادي.
أضافت المزيد، فأصبح ضبابيًّا.
ثم أكملت.
تُريد أن تُثبت أن السواد يمكن أن يتحوّل… أن يتبدّل… أن يُصبح أبيض.

انتظرت جفاف الطبقة الأولى.

أسندت ظهرها، وتأمّلت ما أمامها.
لكن ما تراه لم يكن لوحة.
كان فوضى.
عبثًا .
أشبه بشخبطة فقدت روحها.

ساءها ما رأت.
ساءها أن اللون لم يعُد لونًا، وأن المعنى ضاع حين حاولت تغييره.

ربما...
ربما لم يكن من المفترض أن نُغيّر ألوان الأشياء،
ولا أن نفرض عليها التحوّل.

وربما أيضا كان عليها أن تكمل...

لم تمل،
لم تفقد الأمل،
لم تستسلم...
لم تكتفِ.

أضافت طبقة، ثم طبقة.
لا زال هناك سواد يتسلّل من تحت اللون، كأنه لا يريد أن يُمحى.
لكنها لم تيأس.
بل عادت، ومرّت بالفرشاة من جديد، وهي تهمس في نفسها
 بهدف جديد:
"ليس الهدف أن أُخفي اللون، بل أن أُخفّفه."

مرّة بعد مرّة، طبقة بعد طبقة،
كان السواد تقلّ حدّته، يبهت، يتغير لونه، يتسلل إلى داخله البياض...
حتى فجأة بدأ يختفي سواده القاتم.

لم يحدث ذلك دفعة واحدة،
ولا بسهولة،
بل بجهد...
بتكرار ،
بإضافة طبقات
وطبقات.
بزيادة البياض

يداها تؤلمانها،
...ولكنها ستستمر...

أخذت استراحة ثانية،
وهي ممسكة بالفرشاة.
تراجعت قليلًا إلى الخلف،
نظرت إلى اللوحة من بعيد.

لم تكن مثالية،
ولم يختفِ السواد تمامًا،
لكن شيئًا ما تغيّر… فيها، وفي الرسمة.

ربما كانت تظنّ أن الأسود أقوى،
لأنه أوضح،
لأنه يملأ العين فورًا.
يظهر
يسود على أي شئ

لكنه أيضًا... أبسط.
سريع الظهور، نعم،
لكنه مباشر، لا يُخفي شيئًا.

أما الأبيض، فكان أعمق مما بدا.
لا يفرض نفسه، لا يسارع بالظهور
بل يتسلّل بلطف،
لا يبتلع،
بل يُغيّر ببطأ،
لا يُخفي، بل يُعيد تشكيل ما تحته.
حتى وان لم يمحي
هو يخفف من سواد الشئ

أدركت شيئًا لم تكن تفكر فيه من قبل:
أن الأبيض لا ينهزم لأنه أضعف،
بل لأنه أنقى.
ولأنه أنقى، فهو أكثر تأثّرًا،
لكن في تأثّره... تأثير،
وفي ضعفه الظاهري... قوّة خفيّة.

ربما لا يظهر الأبيض أولًا،
ولا يُسيطر فورًا،
لكنه حين يُصمّم، حين يُصرّ، حين يُمنح وقتًا وجهدًا،
يُخفّف السواد… طبقة بعد طبقة.
ليس بسهولة، ولا دفعة واحدة،
لكن بثبات.
بتكرار المحاولات

قوّته  في الاستمرارية.
لا في الازالة بل في النخفيف.

ابتسمت وهي تنظر إلى اللوحة.
ثم امسكت بالفرشة غرستها في اللون الأبيض وأكملت

No comments:

Post a Comment