الجمعة صباحًا.
جلس على حافة الأريكة، غارقًا في وهجٍ أزرق خافت ينبعث من شاشة هاتفه.
لم يكن يقرأ.
كان يرتشف من عالمٍ آخر، وشفاهه ترتسم بابتسامة لا تخصّ هذا المكان.
كانت تراقبه بطرف عينها، لا بحركة، بل بحضورها الكامل الذي تحوّل إلى حاسةٍ سادسة.
وحين شعر بثقل نظرتها، انطفأ الضوء الأزرق فجأة، ووضع الهاتف على الطاولة مقلوبًا، كمن يُخفي دليلًا.
لم يتكلّما.
أشعل التلفاز، فتدفّقت نشرة الأخبار.
أما هي، فأشعلت في داخلها سؤالًا محترقًا لم تجد له فمًا.
رنَّ جرس المنزل.
فبدا عنيفًا في هذا السكون.
زيارات الجمعة في هذا الوقت المبكر نادرة…
نهض بخطى ثقيلة.
فتح الباب بالكاد،
فظهر الحارس، يناوله كيسًا بلاستيكيًا أبيض، وهمس:
— "المدام قالتلي أطلّعه لحضرتك."
تناول الكيس بسرعة، وأغلق الباب ببطء… كأنه يمنح نفسه وقتًا لاختراع كذبة.
لم يحتج للالتفات... كان يعلم أنها خلفه.
سألت، بنبرة ليست اتهامًا بل استغاثة:
— "مين كان على الباب؟ وإيه ده؟"
— "واحد صاحبي بعته."
قالها وهو يتجه إلى المطبخ باستهتارٍ متعمَّد، وظهره لها.
تجمّدت.
شيء في نبرته، في انحناءة كتفيه، في إصراره على عدم مواجهة عينيها…
في كذبه،
كان بمثابة توقيعٍ على اعترافٍ لم يُنطق.
كرّرت السؤال، ليس بحثًا عن حقيقةٍ تعرفها مسبقًا، بل على أمل أن يكون ما شعرت به وهْمًا:
— "مين من أصحابك؟"
جاء الرد بنبرة أعلى، أكثر صلابة، كأن فيها تهديدًا لأن تصمت:
— "واحد صاحبي."
اختارت الصمت، ليس كهدنة، بل كسلاحٍ أخير.
ففي بعض الأحيان، يصبح ادّعاء الغباء حكمة،
والصمت نجاة،
والكتمان هو الشكل النهائي للألم.
انسحبت إلى غرفتها.
وقفت أمام النافذة تحاول أن تُشتّت تفكيرها، أن تتنفس هواءً حقيقيًا.
لكن الشمس بدت شاحبة، والهواء ثقيلًا، كأن العالم الخارجي انعكاسٌ لما يحدث في دواخلنا.
كأن الخارج ليس سوى مرآة للداخل.
والأفكار لم تتركها.
عادت إلى المطبخ بعد قليل، ليست مدفوعةً بالفضول، بل بحاجةٍ غريزية للمس الحقيقة المادية.
تغلغلت أصابعها في الكيس البلاستيكي وفتحته ببطء.
لم تكن مجرد مشتريات...
كانت طقوسًا… اهتمامًا، تأكيدًا، شعورًا.
شريحتا سلمون ورديتان، لامعتان، كأنهما ما زالتا تتنفّسان البحر.
علبة كريمة طهي صغيرة.
حزمة أعشاب عطرية مربوطة بخيطٍ رفيع.
وعلبة أنيقة تحوي قطعتين من كيك الليمون… الذي تعرف أنه يفضله.
كل قطعة تم اختيارها بعناية عاشقة تعرف تفاصيله .
لم يكن هذا تحدّيًا، بل إعلان ملكية.
وليمة صغيرة أُرسلت له...
أعادت كل شيء بهدوء إلى الكيس، ووضعته في الثلاجة، على الرفّ النصفي.
أغلقت الباب بيدين مرتعشتين، كأنها تُغلق تابوتًا.
حين رأته مرة أخرى، كان رأسه منكسًا فوق هاتفه.
وما إن شعر بوجودها، حتى رفع رأسه، مُصوّبًا قلقه نحوها في موجة غضب مفتعلة:
— "ليه واقفة كده؟ بتراقبيني؟"
لم تُجب.
اقترب منها، بنظرة ساخرة مترددة، وقال:
— "صدقّتي إنه من صاحبي فعلًا؟"
أجابته بهدوء، كأنها تلقي نتيجة تحليل:
— "سمعت الحارس... قال: المدام."
صمت لحظة، ثم هزّ رأسه بتنهيدة مصطنعة، كأنها خيبة أملٍ فيه، لا منها.
فتح فمه ليقول شيئًا آخر، ليُبرّر، ليبدأ مشهدًا جديدًا… لكنها لم تنتظره.
قالت بهدوء:
— "أنا هخرج شوية."
لم تقل إلى أين، ولا إلى متى.
تركت وراءها صوته عالقًا في سقف الغرفة، وحقيبته ملقاة في الزاوية، وباب الثلاجة مغلقًا على دليلٍ بارد.
-----------------------------------
في صباح اليوم التالي، عادت.
دفعت الباب، فدخلت إلى ذات الصمت… لكنه كان صمتًا مختلفًا.
لا توتر، لا انتظار.
مجرد فراغ.
لم تبحث عنه.
خطواتها قادتها مباشرة إلى المطبخ.
إلى الثلاجة
مركز هذا البيت المنهار، وآخر أملٍ للنفي أو التأكيد.
فتحت الباب ببطء.
وقلبها يتمنى… أن يخيب ظنّها.
نظرت إلى الرف.
كان فارغًا.
لا أثر للسلمون، ولا للكيك.
لا شيء سوى بقعة رطبة صغيرة.
لقد أُقيمت الوليمة.
أغلقت الباب.
لم تنظر إلى انعكاسها على سطحه المعدني البارد.
بقيت واقفة للحظة، تستنشق هواء المطبخ.
شعرت بالغثيان.
ومنذ ذلك اليوم… لم تعد تأكل السلمون.
No comments:
Post a Comment