هل تودّ حقًا أن تعرف عن تلك الليلة؟
سؤال عابر؟ أم فضول؟
هل تنوي أن تفهم، أم فقط أن تسمع؟
وماذا لو قلت لك كل شيء؟
هل ستخرج مختلفًا؟ أم سأخرج أنا ناقصة؟
وما الفائدة؟
ربما ليست سوى ليلة ككل الليالي...
لكن شيئًا ما فيها ظلّ ينهشني حتى اللحظة.
كأنها حفرت داخلي حفرة لم تُردم.
ليست ليلة موت أبي،
ولا حتى الليلة التي سبقت موته،
مع أن تلك الليلة أيضًا كانت تحمل رائحة النهاية.
غصّة غامضة،
خوفٌ لم يُترجم بعد.
أشعر بشيء داخلي لا اسم له،
لكنه يصرخ بي: "انتبهي!"
وقد فهمت...
فهمت تمامًا ما كان يريد أن يقوله،
لكنني، كالعادة، كذّبت إحساسي.
أتقن الإنكار أكثر من أي شيء آخر.
لا أعرف لماذا لا أثق بقلبي...
ربما لأنه صدق كثيرًا وخُذل أكثر.
ثم جاءت الليلة الأخرى،
التي سأكتبها الآن.
لم تكن إحساسًا.
كانت حقيقة.
كانت عارية، واقفة أمامي، بلا مقدمات.
وفي تلك اللحظة، أدركت كم في الجهل رحمة،
وكم في الظنون أمان.
أدركت كم نبذل من الجهد لنعرف،
نفكر، نحلل، نحاول أن نفهم،
لكن حين تنكشف الحقيقة؟
حين لا يبقى ما نُكذّب به أنفسنا؟
نتمنى لو أننا بقينا أغبياء،
جهلاء.
نتمنى لو لم نعرف.
تلك الليلة...
سقطت.
لا مجاز هنا.
سقطت فعلاً.
خوفي لم يكن عاطفيًا فقط،
كان عضليًا... كان في عظمي، في جلدي، في صوتي المرتعش.
شيء ما انهار.
لم تكن ثقتي به هي ما تحطّم فقط...
كنتُ أنا.
وفي المقابل،
في تفاصيل القصة،
ولكن في مكان آخر،
كانت هناك امرأة.
ربما ضحية، ربما شريكة...
لا يهم.
لكنها كانت تحاول أن تخبرني بما أعرفه سلفًا.
تجهل أنني سبقتها إلى الحقيقة.
كانت تحاول أن تخلع عني الغشاوة،
لكن الغشاوة كانت قد سقطت منذ زمن،
لا يدركانه.
وأنا فقط كنت أسير،
أساير.
وحين اعترف هو؟
حين نطق بما كنت أحفظه عن ظهر غيب،
عن ظهر قلب؟
لم أشعر أنني نجوت...
لم أرتَح لأن الشك زال،
بل تمنّيت لو بقي سرّه مدفونًا لعامٍ رابع،
لعمرٍ كامل.
تمنّيت لو أنه لم ينطق...
لم أبكِ.
لم أغضب...
لكنني لم أنَم،
ولم أعد أنام بعدها كما كنت.
كنت خائفة.
لا حزينة، لا مجروحة فقط...
بل خائفة.
الخوف الذي يتبعك إلى السرير،
ويجلس معك في الظلام،
ويهمس لك كل ساعة:
"كل شيء تغير".
تساقطت...
ولماذا؟
لماذا وأنا كنت أعلم؟
لماذا هذا الألم وأنا لم أُفاجأ؟
لماذا وقعها كان كالسقوط من طابقٍ سابع؟
ربما لأن الصدمة لا تقيس حجمها
بالمعرفة السابقة،
بل حين تتأكد تلك المعرفة.
كرهت؟
لا.
غضبت؟
أبدًا.
لكني بردت،
تجمّدت من الخارج،
كأنني لست أنا،
كأن المشهد ليس لي.
أتقلّب في سريري.
أستعيد ملامحه،
نظراته المرتجفة لأول مرة،
صمته الذي سبق حديثه،
ثم كلامه المتردد،
إمساكه بهاتفه،
مكالمات واردة يتجاهلها،
وربما... خجله؟
أتذكر:
المطعم،
المقعد،
الطاولة،
النادل،
الطعام الذي لم يبقَ في معدتي،
وخرج من فمي لاحقًا.
وأذكرني:
شعوري،
قلبي،
رجفتي،
انهزامي.
أتذكّرني...
تهشّمي...
وذاكرتي وهي تصرخ بي: "قولي له أن يصمت!"
لا تسمعي أكثر...
لكنني شجعته.
نطق.
أخبرته أنني لم أُجرح،
لم أتأثر،
ووعدته أنني سأغفر.
خلفتُ الوعد،
حلفت أنني سأنسى،
وحنثت اليمين.
أتذكّر كل شيء.
ما قبل، وما بعد...
تلك الليلة الشتوية،
دافئة الجو،
باردة الشعور،
في بداية ديسمبر،
التي حاولتُ أن أدفنها،
أن أتركها خارج الحكاية...
لكنها بقيت.
كأهمّ جزء في الحكاية،
كأنها تنتقم مني،
كلما ظننتُ أنني تجاوزتها.
ليلة لم أنم فيها...
ولا بعدها.
كثيرًا...
الليلة التي كانت بداية معرفتي
بانعدام الأمان،
والمعنى الحقيقي لأن تبقى عمرًا تخاف
No comments:
Post a Comment