عشرةُ أعوامٍ مرّت.
عقدٌ كامل من الزمن.
ليس وقتًا فحسب، بل عمرٌ يُقاس بالأحداث.
أتذكّر ذلك اليوم بتفاصيله كاملةً...
كاملةً بطريقةٍ مرعبة.
هل هي الصدمة التي يتحدّث عنها الأطباء النفسيّون؟
تلك التي تجعلُ الأحداثَ جليّةً حدّ الرؤية؟
أتذكّر نفسي: بساطتي، سذاجتي، طفولتي، نظرتي الأولى إلى الحياة.
أتذكّر جمودي المناقض لهزة الموقف،
وتوسّل أختي أن أبكي. وأنا لا أبكي.
أتذكّر ثباتي الذي لم ينهشْه شيء.
لم أتحرّك، كأنّي تحجّرتُ
قسوت.
وقف كل ما فيّ مع اللحظة
وبعد اللجظة
.
أتذكّر المكان... النظرةَ الأخيرة... القبلة... اللمسة... المستقر.
حتى هواء وطقس ذلك اليوم أتذكره.
وأتذكّر الأشخاص: الكلمات، الرثاء، نظرات الشفقة، كلّها ما زالت عالقة.
حتى عقارب الساعة وأي رقم تشير إليه... أتذكرها.
ثم أتذكّر نفسي...
كيف تغيّرت.
لا أدري أيّة ابنةٍ كنتَ ستفخر بها أكثر: تلك التي ألقيتَ عليها آخرَ نظرةٍ في المستشفى، واحتضنتَها وأخبرتَها كم تحبّها،
أم هذه التي تكتبُ اليوم كلامًا لن يصل إليك؟
ربّما تمنّيتُ وجودك.
تمنيت أن تحضر، أن تسمع، أن ترى، أن تشعر، أن تنصح، أن تتكلّم.
لكن لو لم يحدث الغياب، ربما لما تغيّرتُ.
عامٌ جديد ينضمّ إلى الأعوام السابقة.
واليوم لن أكون بقربك... لن أزورك... لن أحدّثك....كما اعتدت أن أفعل
فلا تظن أن هذا نسيان أو انشغال.
"واحشتيني يا بابا"...
ومثلما اعتدتُ أن أهرب،
أحاول دائمًا ألّا أستفيض في الذاكرة،
ألّا أنبش في الماضي،
ألّا أتذكّر كيف كانت الحياةُ معك،
أن أتناسى كيف كنتَ،
وكيف وجدتك،
وكيف أخرجتك يومًا من كلّ المقارنات البشرية؛
كأنك لا تنتمي لرجال الأرض.
...فخُذلت،
ليس من فرطِ توقّعي، بل لأنّي ظننتُ ألّا أحد يشبهك، فقنعت.
لا أحبُّ أن تخرج كتابتي بهذا الشكل...أن تفضحني.
لذلك كنتُ أخفي ما أكتب عنك خجلًا، حياءً، .
وما زلتُ تلكَ الفتاة... لم أتغير: تكتبُ ثم تحاول أن تُخفي.
لكنها في النهاية تنشر،
معتقدةً أنّ أحدًا لن يمرّ، ولن يقرأ، ولن يتوقّف.
...
فتتنفّس، وتتحرّر، وتكتب.
ليس هذا فقط ولكنني أيضًا لازلت كما كنت...
كما أخبرتك دومًا بأنني لا أثق بما أكتب...
واليوم أيضًا تمنّيتُ لو تقرأ... وتؤكدلي... وحين لا أصدّق... تحلف لي بأنني أعرف كيف أكتب!
لن أزيد حديثًا أو كتابةً
— ليتوقّف القلم عند هذا الحدّ.
فموتُك — تلك الكلمة التي أتهيّب نطقَها حتى بعد عشرة أعوام —
لم يكن نهايةً،
بل كان نقطة تحوّلٍ في حياتي،
الجزءُ الذي انقلبتْ عنده...
أو بعده
أو على أثره الأحداثُ،
وغدت الحياةُ مختلفة،
وأصبحت أنا -بشكل ما- مختلفة.
...
على كلّ حال...
وبعد كلّ ما كتبت:
لن أزيد
ولكنني سأعيد:
"واحشتيني يا بابا".
No comments:
Post a Comment