كانوا يطلقون عليه لقب "صنع في المطبخ"، ربما لضخامته أو لحديثه الدائم عن الطعام. لم يفهموا أن اللقب كان اعترافًا منه بهويته الحقيقية. لم يكن شغوفًا بالطعام، بل كان شغوفًا بفكرة "التحضير" نفسها.
لقد كان يطهو الأشخاص.
نعم، تمامًا كما تسمع. كان يرى البشر "مكونات". كل شخصٍ لديه قوام، نكهة، ورائحة. وكان هو الشيف الذي يتقن فن التعامل مع هذه المكونات. يمسك بك كما تُمسَك قطعة اللحم النادرة: يختبر هشاشتك، يتفحص صلابتك، يشم رائحة أحلامك ومخاوفك، ثم يقلّبك على نار هادئة من اهتمامه.
كان يعرف "الوصفة" المثالية لكل شخص. يراقبك من بعيد، ثم يقترب بخطى محسوبة، مطمئنة. يعرف متى يتكلم، ومتى يترك للصمت أن يقوم بعمله. كان عبقريًا في أن يعكس لك صورتك المثالية، أن يبدو "نسختك المحسنة" التي طالما بحثت عنها. كان يضيف "توابله" الخاصة: كلمة إعجاب هنا، لمسة حنان هناك، حتى يشدك إليه وتصبح طريًا، جاهزًا للمرحلة التالية.
"الطهي النفسي" لم يكن موهبته، بل كان فنه الأعظم. يتقن درجات النضج ببراعة مايسترو: من "النيئ" المتردد، إلى "متوسط النضج" المتعلق، وصولًا إلى "مكتمل النضج" حين تغدو مرتبكًا، تائهًا، ملكًا له بالكامل.
وعند هذه النقطة، يبدأ الجزء الحقيقي من الوليمة. لا يصرخ، لا يضرب، لا يجرح بكلمة مباشرة. بل يمارس فنًا أعمق: فن الانسحاب البارد، التجاهل القاتل، التشكيك الذي يجعلك تظن أنك أنت المخطئ. يبتسم في وجهك ثم يختفي، تاركًا إياك تحترق على نار هواجسك.
كان فنانًا. وجهه البشوش، ضحكته الصادقة، وعيناه اللامعتان... كلها كانت أدوات في مطبخه. لم يكن طيبًا، بل كان ذكيًا بما يكفي ليتقن التظاهر بالغباء الساحر. وهل تعرف ما هو الذكاء المطلق؟ أن تُقنع الجميع أنك لا تفهم شيئًا، بينما خيوطهم جميعًا تتحرك بين أصابعك.
كان يقول إنه يؤذي بدافع الحب. لكن هل يجتمع الحب والأذى إلا في عقل شيطان؟ كان يرى أن "مكوناته" هي ملكه. من حقه أن يعبث بالوصفة كما يشاء. يضيف الملح حتى يفسد الطعم، يغير قوامك، يبدل هويتك، ثم حين يمل، يثير الفوضى في المطبخ ويخرج بطبقٍ أتقن تدميره.
ثم يلتهمه بالكامل، وينظف الطبق دون أي شعور بالندم، مستعدًا للوجبة التالية.
لهذا، ذلك الأذى لا يُنسى. لا لأنه وقع، بل لأنه كان مُتعمدًا. كان عملاً فنيًا مرسومًا بدقة. وهنا، لا يعود الألم مجرد شعور عابر، بل يصبح برهانًا قاطعًا على أننا لم نكن في حضرة شخص سيء، بل في حضرة "الشر" في هيئته الأنقى.
لم يكن هو "صناعة المطبخ" فقط...
بل كان هو المطبخ نفسه.
...كان هو الجوع الذي لا يشبع، والفراغ الذي يبتلع كل شيء.
No comments:
Post a Comment