2025/09/30

الاوجود

أنا بخير.
أو هكذا أظن وأنا أقف في الصف الخلفي،
ربطة عنقي تخنقني أكثر من الحزن. أنظر إلى الوجوه من حولي... وجوه متجهمة، بعضها دامع، وأكثرها يمارس وقارًا قد يكون مصطنعًا، لكنه يليق بالمشهد، بالحدث.

العالم حولي ليس بخير،
لكن ليس للأسباب التي يبكون من أجلها.

المرأة في الصندوق الخشبي أعرفها.
امرأة طيبة... هكذا يقولون عنها الآن. هكذا يصفونها بجملة سهلة، جاهزة، مكررة. جملة تُقال أحيانًا كي لا يُقال شيء 

الإمام يواصل حديثه عن حتمية الموت، عن انتهاء الأجل، عن مصيبة الفقد، عن ضرورة الصبر... عن الحساب والدعاء... يكمل، وأكاد أحفظ كلماته عن ظهر قلب.
لكنني لا أفكر فيما يقول، فقد سمعتُه كثيرًا.
لا أفكر في الموت كفعل انتهاء،
بل في الإنسان.

أفكر في هذا العدوّ الخفي الذي نتحاشاه، ننظر إليه بأعين مواربة كي لا نرى وجهه... .

أتدري ما الذي يخيفني وأنا أراهم يستعدون لحملها؟
ليس هذا الرحيل البسيط، ولا الصندوق الضيق، ولا الوجوه التي جاءت لتجامل ثم تنشغل بحياتها وتنسى المرأة وأهلها والمشهد بأكمله.
الخوف ليس فقط في أن نكون مكانها،
بل أن نرحل مثلها... وكأننا لم نأتِ.
أن نغيب دون أن نترك أثرًا،
أن نغعل شيئا
دون أن نغير فكرة،
أو نضيف ،
أو نصحّح مسارًا،
 أو حتى نحاول.

كيف كانت حياتها؟ هل استمتعت بها؟ هل عاشت فعلًا؟ أم كانت مجرد حلم وانتهى؟ ...
وبينما أسمعهم يعددون مناقبها البسيطة ("كانت لا تؤذي أحدًا")،
أتساءل: هل حقًا هناك من يأتي ويذهب كأن لم يكن؟

،الحقيقة، ولتكن قاسية.
نعم، هناك من تطأ أقدامهم الأرض فلا يتركون علامة.
تنسى الرمال خطواتهم، وتنسى الوجوه ملامحهم، وتنسى الأرض أنهم مرّوا بها.
يرحلون وكأنهم لم يولدوا.
يكونون... وكأنهم لم يكونوا.

لذلك، ربما ليس الصندوق الخشبي هو الموت الأقسى،
ولا القبر هو الموت الحقيقي.

الموت الذي أعرفه هو أن تُنجبك بطن، وتعيش أعوامًا، وتظن أنك تحيا... لكنك في الحقيقة تمارس الموت، لا الحياة.
تمرر لتمر منها.

حملوها أخيرًا على الأكتاف. أنزلوها حيث ستبقى.
أجساد تحمل جسدًا انتهى.
لكنني أفكر فينا نحن الأحياء،
نحن الذين جئنا لنخلّد،
لنصنع ما يبقى بعد أن تُحمل أجسادنا هكذا وتضمنا القبور.
جئنا لنخرج من بين كل ذلك أرواحًا تحيا بأثرها، بما صنعت، بما غيّرت، بما أضافت، بما حاولت.

العالم ليس بخير...
لأنه يصدّق أن هذه هي النهاية،
يظن أننا جئنا لنعيش ثم نموت،
أننا نأتي من العدم ونذهب إلى العدم،
فينعدم معنا أثرنا.
وهذه هي الخسارة الكبرى.

أراهم يبتعدون بالجسد،
وأنا أقف ثابتًا في مكاني.
لا أبكي عليها، بل أبكي علينا.
أبكي من الموت الذي أخشاه...

أخشاه جدًا:
أن يأتي قبل أن أترك في الدنيا أي أثر.

أمل

 أتظن حقًا أنكَ قادرٌ على الإمساك بي؟
أن تضعني في كفّك، فتتأملني بعينيكَ وأبقى أنا ساكنة؟
لا..
ستجدني أرتجف، أنتفض، أحاول الفرار.
سأقفز من قبضتكَ لأعود وأسقط في وطني الأزرق من جديد.
أتظن أنكَ تستطيع أسري؟
 أن تُبقيني؟ أن تضمّني إليكَ فلا أبتعد؟
أنا التي تبدو عصيّة على البقاء،
 ومع ذلك...
كل من عرفوني عن قربٍ شهدوا أنني حين أحب،
لا أرحل.
أبقى، أتجذّر كالإسمنت
 ألينُ في البداية كالماء المنساب، ثم أجمد مع الوقت، أتصلّب، ولا أتحرك.

لكنهم جميعًا
جهلوا أن موطني الماء،
وأن روحي تنتمي للبحر والسماء
أنا كالهواء، كالماء...
أبقى، نعم،
ولكنني أحتفظ دائمًا بحق الرحيل.
الى موطني الأصلي
بحري
أعماقي

لهذا، كل من ظنّ أنه ضمنني... فقدني.
فلا تُحكم قبضتك فأختنق وأهرب،
ولا تتركني في العراء فأشعر بالبرد وأرحل.
ابقَ في المنتصف... لأبقى.
أو…
لا تفعل شيئًا على الإطلاق،
فربما لا شيء هو ما يجعلني أبقى.

لم أعد تلك الفتاة الحالمة التي تغرق في الرومانسية،
رغم أن ظلالها ما زالت تسكنني.
 لقد أيقنتُ أن على هذه الأرض ليس ثمّة محيطات من الحب كما حلمتُ،
 بل قطرات قليلة.

لم أعد أبحث عمّن يغرقني في المشاعر،
فقد صحوت على عالم لا يؤمن بالحب أصلًا.
لم أعد تلك التي لا تقبل إلا بالكثير الكثير،
بل صرت أتنازل عن الأحلام،
أرضى بفتات… ثم أكتشف أنني حتى هذا لم أعد أريده.

قد تسألني: لِمَ تكتبين عن الحب إذن؟

ربما لأن الجزء الخيالي في داخلي هو من يكتب،
 أما الجزء الواقعي فلا يقبل بالحب
 لا كُلّه ولا بعضه، لا فيضانه ولا شُحّه.
وكلما اقترب أحدهم... أوصدتُ الأبواب.

قد تظنني أنافق، أو أكتب ما لا أعيشه.
وربما كان هذا صحيحًا...
 لكنه أيضًا البرهان الأصدق على مقولة "فاقد الشيء يعطيه".

فربما أعطيك من خلال كلماتي حبًا فقدته،
حبًا تمنت الطفلة الصغيرة في داخلي أن تجده،
لكنها لم تجده…
فتركته هنا، بين السطور،
كي لا يضيع،
كي يعود إلى من يفتقده،
إلى من ظن مثلي أن الأرض تحيا بلا حب،
فيخيب ظنه، ويتجدد داخله أمل كان قد فتر في قلبي.

وربما كان بقاء الأمل في الحب
هو أصل الحب…
هو ما نكتب عنه

2025/09/28

تؤمن أمي أن النهايات لا تُؤجَّل ولا تُلطَّف؛
بل تهبط صاعقة، قاطعة، لا رجعة بعدها.
لا ترى في الرمادي ملاذًا،
وتقول:
«ما يؤذينا لا نداويه، بل نستأصله.
القدم التي تُتعبنا نبتُرها.
لا انتظار،
لا تدرّج في الانسحاب،
قرارٌ لحظي صارم.
أن نمشي بقدمٍ واحدة خيرٌ من أن نجرّ أخرى تئنّ في كل خطوة».

لا أنصاف حلول لديها، لا مهادنة.
في عينيها الحسم هو عين الرحمة،
والقرار طوق نجاة.

أما أنا،
فأؤمن بالألوان كلّها،
بالترميم لا بالبتر،
بقداسة الفرصة الثانية،
بالتدرّج في الانسحاب،
وبإغلاق الأبواب بلطف.
أؤمن أن الألم ليس دائمًا إعلانًا للنهاية،
بل نداءٌ خفيّ للإصلاح.
أن ما يجرحنا يحمل في ندبته قصّة شفائه،
وأن ما يُكسر يمكن أن يُجبَر،
ومن يؤذينا قد يرقّ إذا قابلناه بإحساننا.

لكن…
دعك من الأشخاص والعلاقات وكل ما هو عابر.
حدّثني عن الأثر الباقي:
عن المشاعر والأفكار،
عن الاشتياق الذي يسري في العروق.

هل تُبتر المشاعر حقًّا؟
هل نملك اقتلاعها من تربة الروح؟
وكيف نتخلّص من شيءٍ لم يعُد يسكننا، بل أصبحنا نحن مسكنه؟
شيءٍ يسبقنا إلى اليقظة،
ويتأخّر عنّا في المنام،
ويهمس في كل لحظة صمت حتى يملأها بضجيجه.

كيف تُبتر شعورًا
تجده في مرارة أوّل رشفة قهوة،
في ثِقَل الخطوة الأولى من السرير،
في الضوء الشاحب خلف الستائر،
في ظلّ شجرة وحيدة،
في صدى أغنية بعيدة،
في الكلمة التي حبستها،
وفي الفراغ الذي يخلّفه صمتك؟

كيف تُبتر شعورًا
لم يعُد زائرًا بل صار هو الدار،
لم يعُد عابرًا بل أصبح جزءًا من تكوينك؟
كيف يا أمي يُمكن أن نبتر شعورًا،
حتى وإن كان يؤذينا؟

ربما نستطيع أن نعيد تلوين مشاعرنا،
أن نُسكِتها أو نُسمّيها بأسماء غير أساميها،
أن نراوغها ونتجاهلها،
أن نحاول ألّا نشعر بها حين نشعر .

لكن كيف نبترها
دون أن نبتر الروح معها؟
أم أنّ الشفاء لا يأتي بالبتر أصلًا،
بل بالقبول،
بالصبر على ما يبقى حتى يتبدّل؟
يتغير من تلقاء نفسه

وربما…
حان الوقت أن أجلس أمامها لأول مرة
وأقول في سري:
علّميني يا أمي كيف يكون البتر،
...فلعلّي أتعلم منك قسوة الرحمة
فأطبق نظريتك على مشاعري

2025/09/26

هل نعرف الشعور بنقيضه؟

هل تنام المشاعر فينا حتى يوقظها نقيضها؟

يبدو أننا لا ندرك وجود شعورٍ ما إلا حين يزورنا طيفه المعاكس.
لا نعرف معنى الهدوء إلا حين تنحتُ القلقُ في أرواحنا فراغًا له.
ولا نفهم قيمة السلام إلا على أنقاض حربٍ داخلية.
ولا نتذوق السكينة إلا بعد أن يجلدنا التوتر.

الحب نفسه قد يظل معنىً باهتًا، حتى يأتي الجمود فيعلّمنا كيف كان دافئًا.
 والحرية تظل كلمةً نظرية، حتى ندرك سعة السماء من خلف قضبان القيد.

لكن، هل أعظم هذه الدروس هو أننا لا نفهم "التقبّل" إلا بعد أن يصفعنا "الفقد"؟

الفقد ليس مجرد غياب، إنه مرآةٌ تظهر فجأةً لتعكس لنا صورة ما كان موجودًا ولم نكن نراه.
هو الشبح الذي يرسم حدود ما كان حيًا، فيجعلنا ندرك شكله وحجمه وقيمته لأول مرة.
 فهل نحن لا نختبر المشاعر حقًا، بل نختبر غيابها فقط؟
أم أن التجربة لا تكتمل إلا بفقدانها، كما لا تكتمل القصة إلا بنهايتها؟

يقولون إن فاقد الشيء لا يعطيه،
 لكن الحقيقة الأعمق أن فاقد الشعور هو الوحيد القادر على منحه كامل معناه والشعور به بالكامل.
لأنه لا يمنح من فيض الوفرة، بل من عمق الإدراك.
فحين يعود إليه شعورٌ افتقده طويلًا، لا يستقبله كضيفٍ عادي، بل كمعجزةٍ يفهم أبعادها.
وربما ندرتها
وصعوبة الحصول عليها
فيتمسك أكثر بها

إذن، هل تكمن قيمة الفقد كلها فيما يليه من معرفة؟

نعم.
 فالفقد لا يعلّمنا قيمة ما رحل فقط،
بل يمنحنا "بصيرة" جديدة.
إنه يعيد تعريف الحواس، فيجعلنا نرى ما كان مخفيا لنا،
ونسمع ما كان بدون صوت.
إنه الثمن الذي ندفعه مقابل الوعي الحقيقي.

القيمة ليست في الشعور ذاته،
 بل في القدرة على رؤيته أخيرًا.
والفقد هو ذلك الضوء القاسي الذي يسمح لنا بالرؤية.

2025/09/25

الحرية

 أتعرِف شعور التحرر؟

أن تمسك بالبالونات، ثم تفتح يديك،
تفكّ قبضتك عن حبالها،
وتراقبها وهي ترتفع نحو السماء،
تبتعد حتى لا تعود تراها.

أتعرِف شعور الحرية؟
ليس في مظهرك الخارجي، ولا فيما ترتدي أو كيف تبدو،
بل في كيف تشعر.

يقولون إن الحرية المطلقة لا وجود لها،
لكن دَعهم وما يقولون؛
فلا حرية تُشبه حريتك الداخلية:
أن تكون أنت كما أنت،
بمبادئك، بقناعاتك، بأفكارك.
أن تخرج كلماتك كما تريد لها أن تخرج،
لا كما يريد الآخرون أن يسمعوها.
أن تؤدي شعائرك كما تؤمن أنت،
لا كما تربّيت أو فُرض عليك.

التحرر أن تدرك أولًا أنك مقيَّد،
مربوط بأغلال وأسوار.
ثم تبدأ في الفكّ،
ثم تمضي في التحرر،
حتى لا تقبل بعده أن تعود حيث كنت.

قد لا نبلغ حريةً كاملة،
وقد لا ندرك منها إلا جزءًا صغيرًا،
لكنني أؤمن أن القليل منها كافٍ ليغيّر.

الحرية أن تعرف نفسك... وأن تكونها.
فالحرية هي النفس،
ولا أظن أن الله خلقنا لنتقيّد.
أعتقد أن جوهر الإنسانية أن نكون أحرارًا:
أحرارًا من الادّعاء والزيف،
من تبنّي ما لا نؤمن به،
ومن اتباع القطيع.

الحرية أن نكتشف قيودنا،
فنُفكك ما نستطيع تفكيكه،
وألا نعيش بوهم أننا أحرار ونحن لسنا كذلك.
فالحرية لا تجتمع مع التعلّق،
حتى التعلّق بالدنيا...
هو نوع من العبودية لها.

الخوف نقيض الحرية.
الرفض نقيض الحرية.
المثالية نقيض الحرية.
أما الحرية فهي قبول:
قبول تناقضاتنا البشرية،
ومصالحة إنسانيتنا،
والمضي بخفّة.

أتعرِف شعور الحرية؟
هو الشعور الذي يلي الفقد،
حين تتعلّم الدرس.

هي كطائر، ليس لسهولة تحليقه فقط،
بل لأنه ينظر إلى الحياة من فوق،
يمرّ بخفة، بصفاء، ببساطة.
يلمس الأرض ويمسّ السماء،
لكن بقاءه لا يرتبط بالبقاء في أيٍّ منهما.

قلمي

 أطالع ورقتي البيضاء الفارغة... تلك معضلتي اليومية.

أفتحها،
فنتبادل النظرات،
ولا أجد ما أضعه عليها.
 فراغٌ كامل، ليس أمامي فقط، بل في أفكاري... في داخلي.

والحقيقة التي لا أعترف بها دومًا،
أن الفراغ أحيانًا ليس في داخلي كما أدّعي.
يكون هناك ما يُكتب، وما يُقال، ولكنني أقرر عمدًا أن أفعل عكس رغبة قلمي.
ألا أُسايره، ألا أسمح له، أن أوقفه عند هذا الحد، وأمنعه من الدخول إلى تلك المناطق والكشف عن هذه المشاعر.

أتمرد عليه،
 أرفض،
وأمنع.
ثم بلطفٍ أخبره: "اختر شيئًا آخر لتكتبه"".
ولكنه...
أكثر عنادًا وتمرُّدًا مني.
 يأبى، يرفض، لا يُطاوع، ولا يُقمع.

يختار هو ما يكتبه،
وأيَّ مناطق يلمس،
 وأيَّ أعماقٍ يجوب.
 يختار مواضيعه،
 وكأنه يمسك بزمام روحي، وليس العكس.
والأخطر من ذلك،
أنه لا يكتب سوى شعور اللحظة
 لا يُبدّل شعورًا بآخر،
ولا يُجيد التلوين أو التزييف.
لا يُراوغ،
 ربما لأنه أكثر جرأةً مني،
وربما أصبحت أنا أداته وليس هو أداتي.

وأعتقد أن علاقتنا ستستمر على هذا النحو:
أنا أحاول أن أحدّ، أن أرفض، أن أمنع، وهو يثور ويتمرد...
وفي كل مرةٍ ينجح يبوح يفشي
وأفشل أنا.

لكن هذه المرة، وأمام الورقة البيضاء،
لن ينجح.
سأتركها كما هي،
بيضاء،
بلا نقطة حبر.

سأتركه غاضبًا فوقها، ثائرًا لأنه لم يتنفس.
سأُغلق الدفتر على الفراغ،
وسأحاول ألا ألتفت إلى ما يجول في أعماقي.

فكما أُجيد كتمان المشاعر، وإسكات الكلام قبل أن يخرج، والضغط على القلب كي يهدأ ويتوقف عن ثورانه عليّ...
أُجيد أيضًا أن أغلق الورقة على الفراغ، وأن أترك قلمي ملقى وهو ثائر، وأتركني حائرةً أتساءل:

وربما...
 ليس قلمي هو من يكتب.
ربما هذا الصراع الدائم هو مع قلبي.
في بعض الأحيان يتمرد ويكتبني، وفي أحيان أخرى أقمعه أكثر مما يلزم
أُسْكته، أمنعه من الكلام... وأطالبه بأن ينبض بهدوء.

يظن أنني لا أسمعه، أنني أتجاهله...
لكنني في الحقيقة أعيش بداخله.

أغلق الورقة البيضاء...
التي ربما تعرف أكثر مما يُقال.

2025/09/24

البديل

أيُّهما أهون: أن نتخلى عن شيءٍ لا بديل له، أم عن شيءٍ نملك له عِوضًا وبدائل؟

للوهلة الأولى، تبدو الإجابة بدهية.
 نحن، دون أن نعي، نتشبث بما نظن أنه فريد، ويسهل علينا ترك ما له شبيه.
لكن...
هل هذه قاعدة حقًا؟ أم أن كل فرضية تحمل في طياتها نقيضها؟

أحيانًا، لا تكمن الصعوبة في فرادة الشيء المتروك،
 بل في فعل "الترك" ذاته.
نحن لا نخشى فقدان الشيء، بل نخشى فكرة التغيير، ونرتعب من المجهول.
نفضل البقاء في المعروف المألوف على أن نمضي إلى أرضٍ جديدة تتطلب منا اعتيادًا آخر قد لا يريحنا.
هنا، تصبح نفسية الخسارة أقوى سلطانًا من جاذبية المكسب.

والأعمق من ذلك،
أننا نصنع من بعض ما نتعلق به هويتنا. أشخاص، أفكار، قناعات، أو حتى صورٌ رسمناها عن أنفسنا...
كلّها تصبح جزءًا من تعريفنا لذواتنا.
فكيف يكون التخلي سهلًا، إن كان ما نتخلى عنه هو قطعةٌ منّا؟

إذن، ما الحل؟
ولماذا أعود للكتابة عن التخلي مرارًا وتكرارًا؟
 ببساطة، لأنني أؤمن أنه المكسب الحقيقي، وأثمن درسٍ في الحياة.
علّمتني التجارب أن كل خطوة تخلٍّ كانت تجعلني أقوى،
وأقدر على العيش،
وأكثر اتساعًا في تقبلي واستيعابي.

التعلق دائرة مظلمة، يشبه مثلث برمودا الذي يبتلعك فجأةً فتختفي فيه.
أما التخلي، فهو طوق النجاة الذي ينقذك من الغرق.
لكن كيف نتقنه؟ هل هو درسٌ يُقرأ فيُطبّق؟ أم أنه حكمةٌ لا تُكتسب إلا بخوض نقيضها والغرق فيه أولًا؟

كنتُ أظن أنني لا أنال شيئًا بسهولة،
 لكني أدركت لاحقًا أنني كنتُ متعلقة بفكرة "الوصول" أكثر من استمتاعي بـ "الطريق".
كنت مسكونة بالنتائج، مهووسة بما أريد،
 فاستحوذ عليّ شعور دائم بالرفض والغضب إن لم يحدث.
والنتيجة؟ لا نتيجة.
 لأن السعي حينها كان ناقصًا، والنية مضطربة، والطريق ضبابيًا.

وهكذا علّمتني التجربة: كل تعلق لا يقود إلا إلى تعقيد الوصول.
 وكأن الأقدار تنتظر منا أن نتخفف، أن نُسلّم، أن نرضى، حتى تعلمنا الدرس، ثم تمنحنا ما نطلب.
 إن المبالغة في التشبث تُفقدنا متعة الرحلة،
 وتُشتت تركيزنا عن المقصد، وتُثقل خطانا.

لذلك،
 أقول إن التخلي تدريبٌ للقلب والنفس،
إعادة برمجة متواصلة.
هو أن تسمع صوتك الداخلي يلحّ: "أريد، أريد..."، فتسعى نحو ما تريد دون أن يتحول سعيك إلى تشبث.
 أن تمضي نحو الأفق دون أن تعلق بصرك على خط الوصول.
 أن تُسلّم قلبك لله وتوقن أن الخير آتٍ في وقته، فلا حاجة للقلق المحموم الذي لن يغير شيئًا.

قد يبدو هذا الكلام مثاليًا أو ساذجًا، لكنه في الحقيقة قمة الواقعية.
فما هو لك لن يفوتك، وما ليس لك لن تدركه مهما تشبثت به.

في البداية،
سألت: أيُّهما أسهل، أن نتخلى عما لا بديل له أم عما نملك له بدائل؟
وربما الجواب الآن مختلف.
ربما البديل الوحيد الذي يقوّينا على التخلي عن أي شيء، ويجعل أيدينا تنفتح بسهولة لتُحلّق منها بالونةٌ كُتب عليها اسم ما تعلقنا به، هو أن نكتفي بأنفسنا، ونستكفي بالله.

أن نكون نحن المصدر، لا الوجهة.
 هذا هو الحل الوحيد الذي وجدته.

2025/09/23

عشرةُ أعوامٍ مرّت.
عقدٌ كامل من الزمن.
ليس وقتًا فحسب، بل عمرٌ يُقاس بالأحداث.
أتذكّر ذلك اليوم بتفاصيله كاملةً...
 كاملةً بطريقةٍ مرعبة.
هل هي الصدمة التي يتحدّث عنها الأطباء النفسيّون؟
 تلك التي تجعلُ الأحداثَ جليّةً حدّ الرؤية؟

أتذكّر نفسي: بساطتي، سذاجتي، طفولتي، نظرتي الأولى إلى الحياة.
أتذكّر جمودي المناقض لهزة الموقف،
وتوسّل أختي أن أبكي. وأنا لا أبكي.
أتذكّر ثباتي الذي لم ينهشْه شيء.
 لم أتحرّك، كأنّي تحجّرتُ
قسوت.
وقف كل ما فيّ مع اللحظة
وبعد اللجظة
.
أتذكّر المكان... النظرةَ الأخيرة... القبلة... اللمسة... المستقر.
حتى هواء وطقس ذلك اليوم أتذكره.
وأتذكّر الأشخاص: الكلمات، الرثاء، نظرات الشفقة، كلّها ما زالت عالقة.
حتى عقارب الساعة وأي رقم تشير إليه... أتذكرها.

 ثم أتذكّر نفسي...
كيف تغيّرت.

لا أدري أيّة ابنةٍ كنتَ ستفخر بها أكثر: تلك التي ألقيتَ عليها آخرَ نظرةٍ في المستشفى، واحتضنتَها وأخبرتَها كم تحبّها،
 أم هذه التي تكتبُ اليوم كلامًا لن يصل إليك؟

ربّما تمنّيتُ وجودك.
 تمنيت أن تحضر، أن تسمع، أن ترى، أن تشعر، أن تنصح، أن تتكلّم.
لكن لو لم يحدث الغياب، ربما لما تغيّرتُ. 

عامٌ جديد ينضمّ إلى الأعوام السابقة.
واليوم لن أكون بقربك... لن أزورك... لن أحدّثك....كما اعتدت أن أفعل
فلا تظن أن هذا نسيان أو انشغال.

"واحشتيني يا بابا"... 

ومثلما اعتدتُ أن أهرب،
أحاول دائمًا ألّا أستفيض في الذاكرة،
 ألّا أنبش في الماضي،
 ألّا أتذكّر كيف كانت الحياةُ معك،
 أن أتناسى كيف كنتَ،
وكيف وجدتك،
وكيف أخرجتك يومًا من كلّ المقارنات البشرية؛
كأنك لا تنتمي لرجال الأرض. ...فخُذلت،
ليس من فرطِ توقّعي، بل لأنّي ظننتُ ألّا أحد يشبهك، فقنعت.

لا أحبُّ أن تخرج كتابتي بهذا الشكل...أن تفضحني.

 لذلك كنتُ أخفي ما أكتب عنك خجلًا، حياءً، . 
وما زلتُ تلكَ الفتاة... لم أتغير: تكتبُ ثم تحاول أن تُخفي.
 لكنها في النهاية تنشر،
معتقدةً أنّ أحدًا لن يمرّ، ولن يقرأ، ولن يتوقّف. ...
فتتنفّس، وتتحرّر، وتكتب.
ليس هذا فقط ولكنني أيضًا لازلت كما كنت...
كما أخبرتك دومًا بأنني لا أثق بما أكتب...
 واليوم أيضًا تمنّيتُ لو تقرأ... وتؤكدلي... وحين لا أصدّق... تحلف لي بأنني أعرف كيف أكتب! 

لن أزيد حديثًا أو كتابةً
 — ليتوقّف القلم عند هذا الحدّ.
فموتُك — تلك الكلمة التي أتهيّب نطقَها حتى بعد عشرة أعوام —
لم يكن نهايةً،
بل كان نقطة تحوّلٍ في حياتي،
الجزءُ الذي انقلبتْ عنده...
أو بعده
 أو على أثره الأحداثُ،
وغدت الحياةُ مختلفة،
وأصبحت أنا -بشكل ما- مختلفة. ...
على كلّ حال...
 وبعد كلّ ما كتبت: لن أزيد
ولكنني سأعيد:
"واحشتيني يا بابا".

الرفّ النصفي

الجمعة صباحًا.

جلس على حافة الأريكة، غارقًا في وهجٍ أزرق خافت ينبعث من شاشة هاتفه.
لم يكن يقرأ.
كان يرتشف من عالمٍ آخر، وشفاهه ترتسم بابتسامة لا تخصّ هذا المكان.

كانت تراقبه بطرف عينها، لا بحركة، بل بحضورها الكامل الذي تحوّل إلى حاسةٍ سادسة.
وحين شعر بثقل نظرتها، انطفأ الضوء الأزرق فجأة، ووضع الهاتف على الطاولة مقلوبًا، كمن يُخفي دليلًا.

لم يتكلّما.
أشعل التلفاز، فتدفّقت نشرة الأخبار.
أما هي، فأشعلت في داخلها سؤالًا محترقًا لم تجد له فمًا.

رنَّ جرس المنزل.
فبدا عنيفًا في هذا السكون.
زيارات الجمعة في هذا الوقت المبكر نادرة…

نهض بخطى ثقيلة.
فتح الباب بالكاد،
فظهر الحارس، يناوله كيسًا بلاستيكيًا أبيض، وهمس:

— "المدام قالتلي أطلّعه لحضرتك."

تناول الكيس بسرعة، وأغلق الباب ببطء… كأنه يمنح نفسه وقتًا لاختراع كذبة.
لم يحتج للالتفات... كان يعلم أنها خلفه.

سألت، بنبرة ليست اتهامًا بل استغاثة:

— "مين كان على الباب؟ وإيه ده؟"

— "واحد صاحبي بعته."
قالها وهو يتجه إلى المطبخ باستهتارٍ متعمَّد، وظهره لها.

تجمّدت.
شيء في نبرته، في انحناءة كتفيه، في إصراره على عدم مواجهة عينيها…
في كذبه،
كان بمثابة توقيعٍ على اعترافٍ لم يُنطق.

كرّرت السؤال، ليس بحثًا عن حقيقةٍ تعرفها مسبقًا، بل على أمل أن يكون ما شعرت به وهْمًا:

— "مين من أصحابك؟"

جاء الرد بنبرة أعلى، أكثر صلابة، كأن فيها تهديدًا لأن تصمت:

— "واحد صاحبي."

اختارت الصمت، ليس كهدنة، بل كسلاحٍ أخير.
ففي بعض الأحيان، يصبح ادّعاء الغباء حكمة،
والصمت نجاة،
والكتمان هو الشكل النهائي للألم.

انسحبت إلى غرفتها.
وقفت أمام النافذة تحاول أن تُشتّت تفكيرها، أن تتنفس هواءً حقيقيًا.
لكن الشمس بدت شاحبة، والهواء ثقيلًا، كأن العالم الخارجي انعكاسٌ لما يحدث في دواخلنا.
كأن الخارج ليس سوى مرآة للداخل.

والأفكار لم تتركها.

عادت إلى المطبخ بعد قليل، ليست مدفوعةً بالفضول، بل بحاجةٍ غريزية للمس الحقيقة المادية.

تغلغلت أصابعها في الكيس البلاستيكي وفتحته ببطء.

لم تكن مجرد مشتريات...
كانت طقوسًا… اهتمامًا، تأكيدًا، شعورًا.

شريحتا سلمون ورديتان، لامعتان، كأنهما ما زالتا تتنفّسان البحر.
علبة كريمة طهي صغيرة.
حزمة أعشاب عطرية مربوطة بخيطٍ رفيع.
وعلبة أنيقة تحوي قطعتين من كيك الليمون… الذي تعرف أنه يفضله.

كل قطعة تم اختيارها بعناية عاشقة تعرف تفاصيله .
لم يكن هذا تحدّيًا، بل إعلان ملكية.
وليمة صغيرة أُرسلت له...

أعادت كل شيء بهدوء إلى الكيس، ووضعته في الثلاجة، على الرفّ النصفي.
أغلقت الباب بيدين مرتعشتين، كأنها تُغلق تابوتًا.

حين رأته مرة أخرى، كان رأسه منكسًا فوق هاتفه.
وما إن شعر بوجودها، حتى رفع رأسه، مُصوّبًا قلقه نحوها في موجة غضب مفتعلة:

— "ليه واقفة كده؟ بتراقبيني؟"

لم تُجب.
اقترب منها، بنظرة ساخرة مترددة، وقال:

— "صدقّتي إنه من صاحبي فعلًا؟"

أجابته بهدوء، كأنها تلقي نتيجة تحليل:

— "سمعت الحارس... قال: المدام."

صمت لحظة، ثم هزّ رأسه بتنهيدة مصطنعة، كأنها خيبة أملٍ فيه، لا منها.
فتح فمه ليقول شيئًا آخر، ليُبرّر، ليبدأ مشهدًا جديدًا… لكنها لم تنتظره.

قالت بهدوء:

— "أنا هخرج شوية."

لم تقل إلى أين، ولا إلى متى.

تركت وراءها صوته عالقًا في سقف الغرفة، وحقيبته ملقاة في الزاوية، وباب الثلاجة مغلقًا على دليلٍ بارد.

-----------------------------------

في صباح اليوم التالي، عادت.

دفعت الباب، فدخلت إلى ذات الصمت… لكنه كان صمتًا مختلفًا.
لا توتر، لا انتظار.
مجرد فراغ.

لم تبحث عنه.
خطواتها قادتها مباشرة إلى المطبخ.
إلى الثلاجة
مركز هذا البيت المنهار، وآخر أملٍ للنفي أو التأكيد.

فتحت الباب ببطء.
وقلبها يتمنى… أن يخيب ظنّها.

نظرت إلى الرف.

كان فارغًا.
لا أثر للسلمون، ولا للكيك.
لا شيء سوى بقعة رطبة صغيرة.

لقد أُقيمت الوليمة.

أغلقت الباب.
لم تنظر إلى انعكاسها على سطحه المعدني البارد.
بقيت واقفة للحظة، تستنشق هواء المطبخ.

شعرت بالغثيان.
ومنذ ذلك اليوم… لم تعد تأكل السلمون.

2025/09/19

الليلة التي لم أنم فيها...

هل تودّ حقًا أن تعرف عن تلك الليلة؟

سؤال عابر؟ أم فضول؟
هل تنوي أن تفهم، أم فقط أن تسمع؟
وماذا لو قلت لك كل شيء؟
هل ستخرج مختلفًا؟ أم سأخرج أنا ناقصة؟

وما الفائدة؟
ربما ليست سوى ليلة ككل الليالي...
لكن شيئًا ما فيها ظلّ ينهشني حتى اللحظة.
كأنها حفرت داخلي حفرة لم تُردم.
ليست ليلة موت أبي،
ولا حتى الليلة التي سبقت موته،
مع أن تلك الليلة أيضًا كانت تحمل رائحة النهاية.
غصّة غامضة،
خوفٌ لم يُترجم بعد.
أشعر بشيء داخلي لا اسم له،
لكنه يصرخ بي: "انتبهي!"
وقد فهمت...
فهمت تمامًا ما كان يريد أن يقوله،
لكنني، كالعادة، كذّبت إحساسي.
أتقن الإنكار أكثر من أي شيء آخر.
لا أعرف لماذا لا أثق بقلبي...
ربما لأنه صدق كثيرًا وخُذل أكثر.

ثم جاءت الليلة الأخرى،
التي سأكتبها الآن.
لم تكن إحساسًا.
كانت حقيقة.
كانت عارية، واقفة أمامي، بلا مقدمات.
وفي تلك اللحظة، أدركت كم في الجهل رحمة،
وكم في الظنون أمان.
أدركت كم نبذل من الجهد لنعرف،
نفكر، نحلل، نحاول أن نفهم،
لكن حين تنكشف الحقيقة؟
حين لا يبقى ما نُكذّب به أنفسنا؟
نتمنى لو أننا بقينا أغبياء،
جهلاء.
نتمنى لو لم نعرف.

تلك الليلة...
سقطت.
لا مجاز هنا.
سقطت فعلاً.
خوفي لم يكن عاطفيًا فقط،
كان عضليًا... كان في عظمي، في جلدي، في صوتي المرتعش.
شيء ما انهار.
لم تكن ثقتي به هي ما تحطّم فقط...
كنتُ أنا.

وفي المقابل،
في تفاصيل القصة،
ولكن في مكان آخر،
كانت هناك امرأة.
ربما ضحية، ربما شريكة...
لا يهم.
لكنها كانت تحاول أن تخبرني بما أعرفه سلفًا.
تجهل أنني سبقتها إلى الحقيقة.
كانت تحاول أن تخلع عني الغشاوة،
لكن الغشاوة كانت قد سقطت منذ زمن،
لا يدركانه.
وأنا فقط كنت أسير،
أساير.

وحين اعترف هو؟
حين نطق بما كنت أحفظه عن ظهر غيب،
عن ظهر قلب؟
لم أشعر أنني نجوت...
لم أرتَح لأن الشك زال،
بل تمنّيت لو بقي سرّه مدفونًا لعامٍ رابع،
لعمرٍ كامل.
تمنّيت لو أنه لم ينطق...

لم أبكِ.
لم أغضب...
لكنني لم أنَم،
ولم أعد أنام بعدها كما كنت.
كنت خائفة.
 لا حزينة، لا مجروحة فقط...
بل خائفة.
الخوف الذي يتبعك إلى السرير،
ويجلس معك في الظلام،
ويهمس لك كل ساعة:
"كل شيء تغير".

تساقطت...

ولماذا؟
لماذا وأنا كنت أعلم؟
لماذا هذا الألم وأنا لم أُفاجأ؟
لماذا وقعها كان كالسقوط من طابقٍ سابع؟
ربما لأن الصدمة لا تقيس حجمها
بالمعرفة السابقة،
بل حين تتأكد تلك المعرفة.

كرهت؟
لا.
غضبت؟
أبدًا.
لكني بردت،
تجمّدت من الخارج،
كأنني لست أنا،
كأن المشهد ليس لي.

أتقلّب في سريري.
أستعيد ملامحه،
نظراته المرتجفة لأول مرة،
صمته الذي سبق حديثه،
ثم كلامه المتردد،
إمساكه بهاتفه،
مكالمات واردة يتجاهلها،
وربما... خجله؟

أتذكر:
المطعم،
المقعد،
الطاولة،
النادل،
الطعام الذي لم يبقَ في معدتي،
وخرج من فمي لاحقًا.
وأذكرني:
شعوري،
قلبي،
رجفتي،
انهزامي.
أتذكّرني...
تهشّمي...

وذاكرتي وهي تصرخ بي: "قولي له أن يصمت!"
لا تسمعي أكثر...

لكنني شجعته.
نطق.
أخبرته أنني لم أُجرح،
لم أتأثر،
ووعدته أنني سأغفر.
خلفتُ الوعد،
حلفت أنني سأنسى،
وحنثت اليمين.

أتذكّر كل شيء.
ما قبل، وما بعد...
تلك الليلة الشتوية،
دافئة الجو،
باردة الشعور،
في بداية ديسمبر،
التي حاولتُ أن أدفنها،
أن أتركها خارج الحكاية...
لكنها بقيت.
كأهمّ جزء في الحكاية،
كأنها تنتقم مني،
كلما ظننتُ أنني تجاوزتها.

ليلة لم أنم فيها...
ولا بعدها.
كثيرًا...

الليلة التي كانت بداية معرفتي
بانعدام الأمان،
والمعنى الحقيقي لأن تبقى عمرًا تخاف

2025/09/18

فرح

مشهد ثلاثي 

هو... هي... والآخر.


هو

وقف من بعيد، كمن يشاهد فيلمًا لم يختره.
يراها...
لكنها ليست كما كانت. ليس في المظهر، بل في الحضور.
ليست هي. ليست تلك التي شاركته تفاصيل الخيال.

ما الذي تغيّر؟
متى تحوّل ذلك المهد الذي احتضن أحلامه إلى مسرحٍ عبثي؟
أهذه هي الحقيقة التي نهرب من رؤيتها؟
أهكذا تكون النهايات؟
لا تذبل... بل تترسّب فينا، وتميتنا ببطء.

ينظر إلى ابتسامتها.
إلى دمعتها المواربة تحت المساحيق.
إلى صمتها الفاقع.

شيء بداخله يصرخ:
"ليست بخير!"
تُمثّل. تتأقلم مع مشهد لا يشبهها.
لكنه يعرفها... أليس كذلك؟

أم أنه كان يحب الصورة التي رسمها عنها؟
هل أحبّها حقًا؟
أم أحبّ فكرته عنها؟


هي

لم تره.
لم تشعر به هناك.
غائبة في مشهد آخر.
كمن يؤدي دورًا لا يفهمه، لكنه يكرره بتلقين.

عيناها تدوران بين الوجوه، ولا يعنيها أحد.
شيء بداخلها يهمس:
"لن أكون بخير..."

لكنها تكذب على الإحساس... وتُكمل.
فقط تمضي.
لا تعرف إلى أين، أو لماذا، أو ماذا بعد.
لكنها تمضي.

تمضي كمن يُساق، لا يرى الطريق،
ولا يجرؤ على التوقّف.
تسير... وهي تموت بصمت.


الآخر

يقف بجانبها، بكامل أناقته.
لا يشعر بشيء. لا يفكر بشيء.
ربما لا يفهم شعورًا واحدًا...
لكنه أنجز المهمة.

والآن،
يريد لهذا العبث أن ينتهي.

متى يُطفأ الضوء؟
متى يُسدل الستار؟
متى تنتهي هذه المهزلة؟

ينظر إلى الوجوه،
يبحث عن إعجابهم،
ليتأكد أن كل شيء كما خطّط،
كما أراد له أن يكون.

ثم يلمح ذلك الرجل في الزاوية البعيدة.
تلاقت الأعين.
نظرة غريبة.
لم يفسّرها... ولم يهتم ليفهمها.

أدار وجهه.
وقع نظره عليها...
لكن عينيه لم تتوقفا عندها.
مرّ بها سريعًا،
وكأنها لم تكن.

ثم نظر أمامه،
ابتسم للحضور...
وأكمل المشهد.


وقف "هو" في الزاوية،
كأن شيئًا في قلبه يُنتزع دون صوت.
كل شيء بدا طبيعيًا...
طبيعيًا إلى حدٍ مُخيف.
لكن الإحساس... كان غريبًا حدّ الاختناق.



هي تقف هناك، على المسرح، في المنتصف.
تبتسم كما تبتسم الدُمى،
وتخطو كما يُملى على الراقصات في ختام العرض.

لا تنظر خلفها.
تمضي إلى الأمام...
أو إلى الوراء...
أو إلى اللاشيء.
ولا تهتم.

ترى ضوءًا باهتًا يحتضنها،
فتشعر...
بلا شيء.
ينقبض قلبها، بصمتٍ لم يعد غريبًا.

أما "هو"،
فكان هناك، في الزاوية المظلمة من الحكاية.
يرى كل شيء بوضوحٍ موجع،
ويتساءل:
كيف لا يرون ما أراه؟

يحمل في قلبه كل ما لم يُكتب،
وكل ما لم يُقل،
وكل الاحتمالات التي وُئدت قبل أن تولد.

يغصّ قلبه وهو يراها...
وبجانبها، يقف الآخر.
وجهه لا يحمل سؤالًا،
ولا إجابة،
ولا حتى اهتمامًا.
فقط... جمود.



ثلاثتهم وقفوا في المكان ذاته،
لكن أحدًا منهم... لم يكن في مكانه الحقيقي.

"هو"، من بعيد،
نظر إلى المسرح،
تنهد...
ثم مضى.

وكان في الحكاية...
أكثرهم شجاعة.


الى الطفلة

 ذلك العالم الساحر…
عالم الباربي والعرائس،
 والدمى التي تهمسين لها بأسرارك،
وتشاركينها وحدتك…
 واختلافك.
 ذلك الخيال الذي تنسجين به قصصك كل ليلة،
وتخيطين على أطرافه أحلامًا صغيرة،
لا تجرؤين على البوح بها لأحد.
 وكتبك؟
تخبّئينها تحت الوسادة، وتقرئينها سرًا، كأنها أبواب لعوالم لا يُسمح لكِ بدخولها علنًا.
 هناك…
في ذلك الركن الهادئ من طفولتك،
كنتِ تنتمين لعالم لا يشبه الأرض،
 ولا تعرفين عنها شيئًا…
ولا يهمّك أن تعرفي.
 أما اللون الوردي؟
فهو العدسة الوحيدة التي ترين العالم من خلالها،
تجدينه في دفاترك،
في ملابسك،
في أحلامك،
وتؤمنين أنه يسود كل شيء،
 حتى وإن لم يره أحد سواكِ.
 شخصيات ديزني، وحكاياتها، ونهاياتها المثالية…
تغزلين بها رؤيتك للحياة،
حياة لا يسكنها إلا الطيبون،
تتفتح فيها الورود في كل ركن،
وتبتسم فيها الوجوه دون سبب.
 وكل القصص التي تكتبينها لباربي وعائلتها…
كانت محاولات بريئة لتفسير العالم، بطريقتك.
 ثم… يأتي صوت والدك.
يحاول أن يخبرك بشيء،
يخشاكِ من عالم لا يشبه عالمك،
يقول إنكِ تتعاملين مع الدنيا بسذاجة،
 لكنك لا تصدقين.
بل تظنين أنه هو من لا يرى الحياة كما ترينها.
 وأنا؟ لن أطلب منكِ أن تتركي كل هذا،
 لن أقول لك إن هناك أرضًا أكثر صلابة تحت قدميك،
ولا وجوهًا ليست دائمًا مبتسمة من حولك.
 بل سأدعكِ تستمتعين، بهذا النقاء، بهذا الصفاء، بهذا الأمان المؤقت.
 لأنكِ، في يومٍ ما،
 ستفتحين عينيك على عالم لا يُشبهك،
وسترين الأسود يكسو كل شيء من حولك،
 لكنك — وبطريقة ما — ستظنينه ورديًا…
كما اعتدتِ أن تريه.
 وهذه النظرة وحدها… هي التي ستنقذك.

2025/09/17

أبيض ضعيف

 أمسكت بالفرشاة، وأخذت تُكمِل ما بدأت من لوحة.

كانت الألوان تنسكب أمامها، لكن يدها لم تذهب إلا إلى أنبوبين: الأبيض والأسود.
غمست الفرشاة في أحدهما، ثم بدأت تمرّرها على الورقة الكبيرة، تصنع خطوطًا عريضة بعرض الشعيرات، كأنها تنحت تناقضًا.
قرّرت منذ البداية ألّا تُدخِل أي لون آخر.
لا ماء للتخفيف، لا درجات وسطى.
لونان فقط… خامان، صريحان، حقيقيان.

كانت تُحب التناقض.
ترى جمالًا خاصًا حين يجتمع الأبيض بنقيضه الأسود،
حين يلتقي النقيضان دون أن يُحاولا التشابه أو التماهي.

لكن… راودها سؤال:
ماذا لو امتزجا؟
أيهما سيطغى على الآخر؟
هل يُمكن للّون الأبيض أن يُخفي السواد؟
أم أن الأسود هو الذي يبتلع كل ما عداه؟
هل يعني ذلك أن الأكثر ظلمة… هو الأكثر قوّة؟
هو من يتحكم بالمشهد؟
ويفرض أثره، حضوره، وظلاله؟

وهنا، لم تعد ترسم لأجل الفن.
تحوّل هدفها إلى شيء آخر… إثبات.
أرادت أن تُبرهن أن الأبيض قادر على أن يعلو،
أن يغلب،
أن يُخفي الأسود دون أن يمحيه،
أن يُحوّله.

أمسكت بأنبوب اللون الأبيض، وأفرغته بالكامل.
جلست باعتدال، ركّزت، غاصت شعيرات الفرشاة في اللون حتى أصبحت بيضاء بالكامل.
ثم بدأت تمرّ على ما رسمته، هذه المرة ببياضٍ نقي.
مرّت الفرشاة على السواد، فتحوّل إلى رمادي.
أضافت المزيد، فأصبح ضبابيًّا.
ثم أكملت.
تُريد أن تُثبت أن السواد يمكن أن يتحوّل… أن يتبدّل… أن يُصبح أبيض.

انتظرت جفاف الطبقة الأولى.

أسندت ظهرها، وتأمّلت ما أمامها.
لكن ما تراه لم يكن لوحة.
كان فوضى.
عبثًا .
أشبه بشخبطة فقدت روحها.

ساءها ما رأت.
ساءها أن اللون لم يعُد لونًا، وأن المعنى ضاع حين حاولت تغييره.

ربما...
ربما لم يكن من المفترض أن نُغيّر ألوان الأشياء،
ولا أن نفرض عليها التحوّل.

وربما أيضا كان عليها أن تكمل...

لم تمل،
لم تفقد الأمل،
لم تستسلم...
لم تكتفِ.

أضافت طبقة، ثم طبقة.
لا زال هناك سواد يتسلّل من تحت اللون، كأنه لا يريد أن يُمحى.
لكنها لم تيأس.
بل عادت، ومرّت بالفرشاة من جديد، وهي تهمس في نفسها
 بهدف جديد:
"ليس الهدف أن أُخفي اللون، بل أن أُخفّفه."

مرّة بعد مرّة، طبقة بعد طبقة،
كان السواد تقلّ حدّته، يبهت، يتغير لونه، يتسلل إلى داخله البياض...
حتى فجأة بدأ يختفي سواده القاتم.

لم يحدث ذلك دفعة واحدة،
ولا بسهولة،
بل بجهد...
بتكرار ،
بإضافة طبقات
وطبقات.
بزيادة البياض

يداها تؤلمانها،
...ولكنها ستستمر...

أخذت استراحة ثانية،
وهي ممسكة بالفرشاة.
تراجعت قليلًا إلى الخلف،
نظرت إلى اللوحة من بعيد.

لم تكن مثالية،
ولم يختفِ السواد تمامًا،
لكن شيئًا ما تغيّر… فيها، وفي الرسمة.

ربما كانت تظنّ أن الأسود أقوى،
لأنه أوضح،
لأنه يملأ العين فورًا.
يظهر
يسود على أي شئ

لكنه أيضًا... أبسط.
سريع الظهور، نعم،
لكنه مباشر، لا يُخفي شيئًا.

أما الأبيض، فكان أعمق مما بدا.
لا يفرض نفسه، لا يسارع بالظهور
بل يتسلّل بلطف،
لا يبتلع،
بل يُغيّر ببطأ،
لا يُخفي، بل يُعيد تشكيل ما تحته.
حتى وان لم يمحي
هو يخفف من سواد الشئ

أدركت شيئًا لم تكن تفكر فيه من قبل:
أن الأبيض لا ينهزم لأنه أضعف،
بل لأنه أنقى.
ولأنه أنقى، فهو أكثر تأثّرًا،
لكن في تأثّره... تأثير،
وفي ضعفه الظاهري... قوّة خفيّة.

ربما لا يظهر الأبيض أولًا،
ولا يُسيطر فورًا،
لكنه حين يُصمّم، حين يُصرّ، حين يُمنح وقتًا وجهدًا،
يُخفّف السواد… طبقة بعد طبقة.
ليس بسهولة، ولا دفعة واحدة،
لكن بثبات.
بتكرار المحاولات

قوّته  في الاستمرارية.
لا في الازالة بل في النخفيف.

ابتسمت وهي تنظر إلى اللوحة.
ثم امسكت بالفرشة غرستها في اللون الأبيض وأكملت

2025/09/16

الشعور...الصمت

هل الشعور شيءٌ أحاديّ يمكن أن نُطلِق عليه اسمًا واحدًا، فنُحيطه بالتعريف ونرتاح؟ أم أن كل شعورٍ، في حقيقته، يحمل في طيّاته مجموعة كاملة من المشاعر المتشابكة؟ يبدو الأمر أشبه بغيمةٍ نراها من بعيد بلونٍ واحد، لكنها من الداخل مزيجٌ معقد من ضبابٍ وماء، نورٍ وظل.

لنأخذ الخوف مثالًا؛ فهو لا يأتي وحده أبدًا. قد يمرّ فينا كظلٍ عابر، لكنه يخلّف وراءه سلسلة من الأحاسيس: إحساسٌ بالعجز، يتبعه رغبةٌ جامحة في السيطرة، ثم يتفجر غضبٌ على كل ما لا يمكننا تغييره. وهكذا، قد نبدو للعالم غاضبين، بينما الحقيقة أننا خائفون. لكننا لا نجرؤ على الاعتراف بهذا الخوف، فنُخفيه خلف قناع الغضب أو اللامبالاة، فيضيع عنّا الشعور الأصلي، ويضيع معه الطريق إلى فهم أنفسنا.

والحب؟ أليس هو الآخر رحلة تحولات؟ قد يبدأ دفئًا وقربًا وحضورًا طاغيًا يملأ الكون، ثم يغيب الطرف الآخر، فيولد الشوق. وحين يطول الاشتياق، يتحوّل إلى ألم، وقد ينقلب الألم إلى غضبٍ مكبوت، لأن هذا الحب الذي يفيض فينا لا يجد طريقه للخروج والتعبير.

المشاعر إذًا ليست كائناتٍ بأسماء ثابتة، بل هي سماءٌ متقلبة؛ تتلبّد، تُمطر، تشرق، تختلط ألوانها وتربكنا، حتى أننا أحيانًا لا نعرف ما إذا كنا ننتظر مطرًا يروي الروح، أم نخشى عاصفة تقتلع كل شيء. في تلك اللحظات من الحيرة، نحاول أن نضع أيدينا على الشعور فلا نلمسه، نبحث له عن اسمٍ فلا نجده. وحين تفشل اللغة، لا يبقى سوى الصمت.

وفي هذا الصمت تتشابك الأحاسيس وتتداخل وتتراكم. لكن ما الذي يحوّل الشعور من حالٍ إلى حال؟ ما الذي يقلب الحنين حزنًا، والحزن غضبًا، والغضب لا مبالاة؟ هل هي أفكارنا التي تتدخل باستمرار؟ أم أن الشعور بطبيعته كائنٌ حيّ، يتطوّر ويتبدّل كلما لمسناه أو فكّرنا فيه؟ يبدو أننا لا نكتفي بالشعور كما هو، بل نُفرط في تحليله وتهذيبه ومحاولة احتوائه، فنخنقه دون قصد، تمامًا كمن يُعدّل في قطعة قماش بسيطة، يخيطها ويلوّنها ويرقّعها، حتى لا تعود صالحة للّبس.

وفي نهاية هذا التيه، حين تختلط الأسماء وتضيع الحدود بين المشاعر، فلا نعود نعرف ما إذا كنا حزانى أم غاضبين، مشتاقين أم متألمين، قد نختار الصمت مرة أخرى. لكن، ماذا عن هذا الصمت؟ هل هو راحة أم هروب؟ هل هو وجهٌ آخر للكذب حين نظهر عكس ما نشعر، ونُطلق كلمات لا تشبه ما بداخلنا؟

لا أعلم إن كان الصمت كذبًا، لكني أعلم أنه وجهٌ أصيلٌ للخوف. نصمت حين نتردد، وحين نشعر أننا عُراة أمام الحقيقة فنختار ألا ننكشف. نبتلع غصبًا ما لا نريد ابتلاعه، لأن البوح يتطلب شجاعة والطريق إليه ليس ممهدًا.

لكن داخل هذا الصمت، يتكوّن شعورٌ آخر: "الامتلاء السلبي". كأنك تحاول إغلاق كوبٍ ممتلئ حتى آخر قطرة دون أن ينسكب منه شيء. يتورّم الشعور في داخلك، يرتطم بجدران الروح، فتريد أن تصرخ، أن تتنفس، لكنك لا تستطيع. خارجيًا، قد يُنقذك الصمت؛ يحفظ كرامتك، يمنع صدامًا، ويُبقيك في منطقة الأمان. لكنه داخليًا، هو الثقل بعينه، هو ما يملأ صدرك بما لا يُحتمل.

والأصعب من كل شيء، أنك لا تجد أحدًا يفهم هذا الصمت، إلا إن شرحته. لكنك لا تريد أن تشرح. فالصمت، في النهاية، هو كل تلك المشاعر المتشابكة التي لم تجد لها اسمًا، ولا مخرجًا، ولا أمانًا كافيًا لتخرج إلى النور.

كيف نثق؟

 

هل نولد واثقين بالله؟
أم أن هذه الثقة تأتي لاحقًا،
تولد من رحم التجربة،
وتنمو في قلب تهشّم ذات يوم ثم عاد ينبض؟
هل هي فطرة أم يقين نصل إليه بعد أن نضيع كثيرًا؟
هل الثقة بالله مجرد كلمات نحفظها،
نكررها حين نخاف...
 أم هي فعل نعيشه في أعماقنا دون أن نرددها؟

نسأل كيف نثق بمن لا نراه؟
كيف نطمئن ونحن لا نملك دليلًا ماديًا في أيدينا؟
لكننا مع الوقت...
 نُجرَّب.
نُختبر.
نتكسّر.
ثم نُنجى.

وأعتقد أن الثقة بالله لا تأتي فجأة،
بل تُبنى ببطء،
لبنةً فوق لبنة،
بالحب أولًا...
ثم بالتجربة.

حين نُحب الله بفطترنا، ننقترب اليه.
وحين نمرّ في الحياة،
نراه يقف معنا دون أن نطلب.
وحين نسلّم، ننقذ،
وحين نستسلم، نجد الطريق،
وحين نضيع، نُدلّ.

كل مرة نسير فيها في الظلام،
نكتشف أنه النور.
حين تتوقف بوصلتنا،
نجد في داخلنا إشارات ما كانت هناك لولاه.
حين تتلبّد السماء فوق رؤوسنا،
يأتي المطرمن حيث لا نحتسب.
وحين تُغلَق الأبواب،
يُفتح لنا باب، أو نافذة، أو حتى شق في جدار يمر منه ضوء حفيف.

الثقة لا تأتي كفكرة
كتكرار
كاعتياد،
بل من أن تمشي في الوحل وتخرج نظيفًا.
أن تمرّ في النار ولا تحترق.
أن تسقط في حفرة، ثم تجد من ينتشلك دون أن تطلب.
أن تغرق... ثم تنجو،
دون أن تفهم كيف.

كل تلك التجارب تقول لك:
الله معك.
الله لا يخذلك.
ثق بالله

لكن...
نحن لا نثق حين تكون الحياة
 هادئة،
سالمة
مريحة
بل حين تضربنا عاصفة ولا نُقتلع.
حين يهتز كل شيء تحت أقدامنا، ولا نسقط.
حين نسقط...ولا ننكسر.

هناك فقط، نعرف ما تعنيه الثقة.

وحين نثق؟
نتغيّر.
نُسلّم،
نطمئن،
نهدأ،
لا نقلق
ولا نخشى الحياة
ننام دون قلق،
ونمضي دون ارتياب
ونمشي في الحياة ونحن نعلم أن فوقنا عين لا تغفل، ويد لا تفلت، وحب لا يخيب.

وحتى لو اشتعلت الدنيا من حولنا،
نعرف أننا -وكما أثبتت لنا التجارب- في حِمى الله.

لكن أتعرف؟:
التجربة وحدها لا تكفي.
لا يمكن أن تثق بالكامل إلا إذا أحببت بصدق.
فمن نُحبه، نطمئن له.
ومن نعلم أنه يحبّنا، نصدّق نواياه،
وونثق في أفعاله وقراراته حتى إن لم نفهمها.
لأننه نعرف 
أن

من يحبنا، لا يؤذينا.
من يحبنا، قد يعطينا درس لننضج،
قد يأخذ منا لنُقدّر،
قد يُبعدنا عن شيء لنُحفظ .

ومن يحبنا حقًا،
لن يتركنا
سيمشي بجانبنا
سيجبرنا،
ينقذنا،
ويجعل وقع المصيبة بردًا وسلامًا،
يجعل الوجع خفيفًا،
والألم مقبولًا،
والتعب محفوفًا بالسكينة.

وحين نُحب الله...
نثق به،
نسلّم له،
نطمئن
حتى لو لم تكن هنالك أي تجربة تجعلنا نثق

2025/09/15

امتلاك؟

 هل بلغ بنا التعلّق حدّ الامتلاك؟

هل تحوّل القرب إلى عقدٍ غير معلن، والود إلى بند جزائي؟
لماذا نتعامل مع الرفض وكأنه إهانة؟
ولماذا نرى التغيّر في المشاعر خيانة، لا حقًّا إنسانيًا؟

نتعامل أحيانًا مع العلاقات بمنطق الأبيض الصريح أو الأسود القاتم...
إما أن تكون لي كليًا، أو لا أراك أبدًا.
وكأن مشاعر البشر أجهزة لها زرّ تشغيل وإيقاف.

لا نترك مساحة للرمادي، ولا لفتور طبيعي...
وفي لحظة، حين يختار الآخر أن يبتعد،
لا نقبل، لا نفهم، لا نتحمّل.
بل قد ننتقم.

نُعلن الحرب،
وكأننا بذلك نسترد شيئًا سُرق منا،
وكأن في الرحيل اعتداءً على كرامتنا.

لكن،
ما الذي يُؤلمنا حقًا؟
أهو الفقد؟ أم الشعور بأننا لم نعد نُسيطر؟
هل الأنا فينا تأبى أن تُرفَض؟
هل اعتدنا أن نُلبَّى،
أن يُستجاب لنا؟

هل وعدتنا الحياة بأننا سنحصل على كل ما نريد؟
وأن جميع الأبواب ستظل مفتوحة أمامنا،
فحين يُغلق باب، نغضب، نثور، نكسر كل شيء؟

أهي الذاكرة،
التي ما زالت محتبسة في مشاعر ذلك الطفل الذي، حين يريد، يُلبّى،
وحين يطلب، يُستجاب،
وحين لا يتحقق ما يتمنى، يعلن ثورته وغضبه؟

لماذا نجد صعوبة في تقبّل ما لا نحب؟
أهو كبرياؤنا؟
أم هشاشتنا التي نخفيها خلف قناع القوة؟
أم هو وهمنا بأن العالم يجب أن يسير وفق ما نشتهي؟

ربما هذا أحد دروس الحياة القاسية...
أن تتعلم أن تتقبل الرفض دون أن تنتقم،
أن تخسر دون أن تُدمّر،
أن تمضي دون أن تترك أثرًا سيئًا خلفك.

أن تقود سيارتك وتمضي،
دون أن تفكر كيف تؤلم من غادر،
أو تدفعه ثمن نزوله.

ليست كل خسارة تستحق معركة،
وليست كل نهاية تستوجب ثأرًا.
بعض الرحيل هادئ،
وبعض الفقد حكيم،
وبعض "لا" نسمعها، تكون أعظم ما نتعلم منه.

نعم، قد تكون قد أحببت بصدق،
أعطيت، شاركت، منحت، انتظرت...

لكن الحقيقة؟
أن الحب لا يُقايَض،
ولا يُفرَض،
ولا يُنتزَع عنوة.

فإن ركب أحدهم عربتك، فامنحه الراحة،
وإن قرر أن ينزل، فافتح له الباب.
لا تدفعه، ولا تدفع ثمنًا لأحد.
ولا تضيّع وقتك في إصلاح مقعدٍ شاغر.

لأنك أنت...
بمن بقي، أو رحل،
بمن أحب، أو ابتعد،
تظل ثابتًا.

لا شيء فيك يتغيّر...
سوى ربما:
نُضجك،
وتقبّلك،
وفهمك،

بأن السيارة ستمضي، والطريق سيكتمل،
ولن يُجدي شيء
أن تدفع من نزل...