أن نغعل شيئا
أتظن حقًا أنكَ قادرٌ على الإمساك بي؟
أن تضعني في كفّك، فتتأملني بعينيكَ وأبقى أنا ساكنة؟
لا..
ستجدني أرتجف، أنتفض، أحاول الفرار.
سأقفز من قبضتكَ لأعود وأسقط في وطني الأزرق من جديد.
أتظن أنكَ تستطيع أسري؟
أن تُبقيني؟ أن تضمّني إليكَ فلا أبتعد؟
أنا التي تبدو عصيّة على البقاء،
ومع ذلك...
كل من عرفوني عن قربٍ شهدوا أنني حين أحب،
لا أرحل.
أبقى، أتجذّر كالإسمنت
ألينُ في البداية كالماء المنساب، ثم أجمد مع الوقت، أتصلّب، ولا أتحرك.
لكنهم جميعًا
جهلوا أن موطني الماء،
وأن روحي تنتمي للبحر والسماء
أنا كالهواء، كالماء...
أبقى، نعم،
ولكنني أحتفظ دائمًا بحق الرحيل.
الى موطني الأصلي
بحري
أعماقي
لهذا، كل من ظنّ أنه ضمنني... فقدني.
فلا تُحكم قبضتك فأختنق وأهرب،
ولا تتركني في العراء فأشعر بالبرد وأرحل.
ابقَ في المنتصف... لأبقى.
أو…
لا تفعل شيئًا على الإطلاق،
فربما لا شيء هو ما يجعلني أبقى.
لم أعد تلك الفتاة الحالمة التي تغرق في الرومانسية،
رغم أن ظلالها ما زالت تسكنني.
لقد أيقنتُ أن على هذه الأرض ليس ثمّة محيطات من الحب كما حلمتُ،
بل قطرات قليلة.
قد تسألني: لِمَ تكتبين عن الحب إذن؟
ربما لأن الجزء الخيالي في داخلي هو من يكتب،
أما الجزء الواقعي فلا يقبل بالحب
لا كُلّه ولا بعضه، لا فيضانه ولا شُحّه.
وكلما اقترب أحدهم... أوصدتُ الأبواب.
قد تظنني أنافق، أو أكتب ما لا أعيشه.
وربما كان هذا صحيحًا...
لكنه أيضًا البرهان الأصدق على مقولة "فاقد الشيء يعطيه".
هل تنام المشاعر فينا حتى يوقظها نقيضها؟
يبدو أننا لا ندرك وجود شعورٍ ما إلا حين يزورنا طيفه المعاكس.
لا نعرف معنى الهدوء إلا حين تنحتُ القلقُ في أرواحنا فراغًا له.
ولا نفهم قيمة السلام إلا على أنقاض حربٍ داخلية.
ولا نتذوق السكينة إلا بعد أن يجلدنا التوتر.
الحب نفسه قد يظل معنىً باهتًا، حتى يأتي الجمود فيعلّمنا كيف كان دافئًا.
والحرية تظل كلمةً نظرية، حتى ندرك سعة السماء من خلف قضبان القيد.
لكن، هل أعظم هذه الدروس هو أننا لا نفهم "التقبّل" إلا بعد أن يصفعنا "الفقد"؟
الفقد ليس مجرد غياب، إنه مرآةٌ تظهر فجأةً لتعكس لنا صورة ما كان موجودًا ولم نكن نراه.
هو الشبح الذي يرسم حدود ما كان حيًا، فيجعلنا ندرك شكله وحجمه وقيمته لأول مرة.
فهل نحن لا نختبر المشاعر حقًا، بل نختبر غيابها فقط؟
أم أن التجربة لا تكتمل إلا بفقدانها، كما لا تكتمل القصة إلا بنهايتها؟
يقولون إن فاقد الشيء لا يعطيه،
لكن الحقيقة الأعمق أن فاقد الشعور هو الوحيد القادر على منحه كامل معناه والشعور به بالكامل.
لأنه لا يمنح من فيض الوفرة، بل من عمق الإدراك.
فحين يعود إليه شعورٌ افتقده طويلًا، لا يستقبله كضيفٍ عادي، بل كمعجزةٍ يفهم أبعادها.
وربما ندرتها
وصعوبة الحصول عليها
فيتمسك أكثر بها
إذن، هل تكمن قيمة الفقد كلها فيما يليه من معرفة؟
نعم.
فالفقد لا يعلّمنا قيمة ما رحل فقط،
بل يمنحنا "بصيرة" جديدة.
إنه يعيد تعريف الحواس، فيجعلنا نرى ما كان مخفيا لنا،
ونسمع ما كان بدون صوت.
إنه الثمن الذي ندفعه مقابل الوعي الحقيقي.
القيمة ليست في الشعور ذاته،
بل في القدرة على رؤيته أخيرًا.
والفقد هو ذلك الضوء القاسي الذي يسمح لنا بالرؤية.
أتعرِف شعور التحرر؟
أطالع ورقتي البيضاء الفارغة... تلك معضلتي اليومية.
أفتحها،
فنتبادل النظرات،
ولا أجد ما أضعه عليها.
فراغٌ كامل، ليس أمامي فقط، بل في أفكاري... في داخلي.
والحقيقة التي لا أعترف بها دومًا،
أن الفراغ أحيانًا ليس في داخلي كما أدّعي.
يكون هناك ما يُكتب، وما يُقال، ولكنني أقرر عمدًا أن أفعل عكس رغبة قلمي.
ألا أُسايره، ألا أسمح له، أن أوقفه عند هذا الحد، وأمنعه من الدخول إلى تلك المناطق والكشف عن هذه المشاعر.
أتمرد عليه،
أرفض،
وأمنع.
ثم بلطفٍ أخبره: "اختر شيئًا آخر لتكتبه"".
ولكنه...
أكثر عنادًا وتمرُّدًا مني.
يأبى، يرفض، لا يُطاوع، ولا يُقمع.
يختار هو ما يكتبه،
وأيَّ مناطق يلمس،
وأيَّ أعماقٍ يجوب.
يختار مواضيعه،
وكأنه يمسك بزمام روحي، وليس العكس.
والأخطر من ذلك،
أنه لا يكتب سوى شعور اللحظة
لا يُبدّل شعورًا بآخر،
ولا يُجيد التلوين أو التزييف.
لا يُراوغ،
ربما لأنه أكثر جرأةً مني،
وربما أصبحت أنا أداته وليس هو أداتي.
وأعتقد أن علاقتنا ستستمر على هذا النحو:
أنا أحاول أن أحدّ، أن أرفض، أن أمنع، وهو يثور ويتمرد...
وفي كل مرةٍ ينجح يبوح يفشي
وأفشل أنا.
لكن هذه المرة، وأمام الورقة البيضاء،
لن ينجح.
سأتركها كما هي،
بيضاء،
بلا نقطة حبر.
سأتركه غاضبًا فوقها، ثائرًا لأنه لم يتنفس.
سأُغلق الدفتر على الفراغ،
وسأحاول ألا ألتفت إلى ما يجول في أعماقي.
فكما أُجيد كتمان المشاعر، وإسكات الكلام قبل أن يخرج، والضغط على القلب كي يهدأ ويتوقف عن ثورانه عليّ...
أُجيد أيضًا أن أغلق الورقة على الفراغ، وأن أترك قلمي ملقى وهو ثائر، وأتركني حائرةً أتساءل:
وربما...
ليس قلمي هو من يكتب.
ربما هذا الصراع الدائم هو مع قلبي.
في بعض الأحيان يتمرد ويكتبني، وفي أحيان أخرى أقمعه أكثر مما يلزم
أُسْكته، أمنعه من الكلام... وأطالبه بأن ينبض بهدوء.
يظن أنني لا أسمعه، أنني أتجاهله...
لكنني في الحقيقة أعيش بداخله.
أغلق الورقة البيضاء...
التي ربما تعرف أكثر مما يُقال.
أيُّهما أهون: أن نتخلى عن شيءٍ لا بديل له، أم عن شيءٍ نملك له عِوضًا وبدائل؟
للوهلة الأولى، تبدو الإجابة بدهية.
نحن، دون أن نعي، نتشبث بما نظن أنه فريد، ويسهل علينا ترك ما له شبيه.
لكن...
هل هذه قاعدة حقًا؟ أم أن كل فرضية تحمل في طياتها نقيضها؟
أحيانًا، لا تكمن الصعوبة في فرادة الشيء المتروك،
بل في فعل "الترك" ذاته.
نحن لا نخشى فقدان الشيء، بل نخشى فكرة التغيير، ونرتعب من المجهول.
نفضل البقاء في المعروف المألوف على أن نمضي إلى أرضٍ جديدة تتطلب منا اعتيادًا آخر قد لا يريحنا.
هنا، تصبح نفسية الخسارة أقوى سلطانًا من جاذبية المكسب.
والأعمق من ذلك،
أننا نصنع من بعض ما نتعلق به هويتنا. أشخاص، أفكار، قناعات، أو حتى صورٌ رسمناها عن أنفسنا...
كلّها تصبح جزءًا من تعريفنا لذواتنا.
فكيف يكون التخلي سهلًا، إن كان ما نتخلى عنه هو قطعةٌ منّا؟
إذن، ما الحل؟
ولماذا أعود للكتابة عن التخلي مرارًا وتكرارًا؟
ببساطة، لأنني أؤمن أنه المكسب الحقيقي، وأثمن درسٍ في الحياة.
علّمتني التجارب أن كل خطوة تخلٍّ كانت تجعلني أقوى،
وأقدر على العيش،
وأكثر اتساعًا في تقبلي واستيعابي.
التعلق دائرة مظلمة، يشبه مثلث برمودا الذي يبتلعك فجأةً فتختفي فيه.
أما التخلي، فهو طوق النجاة الذي ينقذك من الغرق.
لكن كيف نتقنه؟ هل هو درسٌ يُقرأ فيُطبّق؟ أم أنه حكمةٌ لا تُكتسب إلا بخوض نقيضها والغرق فيه أولًا؟
كنتُ أظن أنني لا أنال شيئًا بسهولة،
لكني أدركت لاحقًا أنني كنتُ متعلقة بفكرة "الوصول" أكثر من استمتاعي بـ "الطريق".
كنت مسكونة بالنتائج، مهووسة بما أريد،
فاستحوذ عليّ شعور دائم بالرفض والغضب إن لم يحدث.
والنتيجة؟ لا نتيجة.
لأن السعي حينها كان ناقصًا، والنية مضطربة، والطريق ضبابيًا.
وهكذا علّمتني التجربة: كل تعلق لا يقود إلا إلى تعقيد الوصول.
وكأن الأقدار تنتظر منا أن نتخفف، أن نُسلّم، أن نرضى، حتى تعلمنا الدرس، ثم تمنحنا ما نطلب.
إن المبالغة في التشبث تُفقدنا متعة الرحلة،
وتُشتت تركيزنا عن المقصد، وتُثقل خطانا.
لذلك،
أقول إن التخلي تدريبٌ للقلب والنفس،
إعادة برمجة متواصلة.
هو أن تسمع صوتك الداخلي يلحّ: "أريد، أريد..."، فتسعى نحو ما تريد دون أن يتحول سعيك إلى تشبث.
أن تمضي نحو الأفق دون أن تعلق بصرك على خط الوصول.
أن تُسلّم قلبك لله وتوقن أن الخير آتٍ في وقته، فلا حاجة للقلق المحموم الذي لن يغير شيئًا.
قد يبدو هذا الكلام مثاليًا أو ساذجًا، لكنه في الحقيقة قمة الواقعية.
فما هو لك لن يفوتك، وما ليس لك لن تدركه مهما تشبثت به.
في البداية،
سألت: أيُّهما أسهل، أن نتخلى عما لا بديل له أم عما نملك له بدائل؟
وربما الجواب الآن مختلف.
ربما البديل الوحيد الذي يقوّينا على التخلي عن أي شيء، ويجعل أيدينا تنفتح بسهولة لتُحلّق منها بالونةٌ كُتب عليها اسم ما تعلقنا به، هو أن نكتفي بأنفسنا، ونستكفي بالله.
أن نكون نحن المصدر، لا الوجهة.
هذا هو الحل الوحيد الذي وجدته.
عشرةُ أعوامٍ مرّت.
عقدٌ كامل من الزمن.
ليس وقتًا فحسب، بل عمرٌ يُقاس بالأحداث.
أتذكّر ذلك اليوم بتفاصيله كاملةً...
كاملةً بطريقةٍ مرعبة.
هل هي الصدمة التي يتحدّث عنها الأطباء النفسيّون؟
تلك التي تجعلُ الأحداثَ جليّةً حدّ الرؤية؟
أتذكّر نفسي: بساطتي، سذاجتي، طفولتي، نظرتي الأولى إلى الحياة.
أتذكّر جمودي المناقض لهزة الموقف،
وتوسّل أختي أن أبكي. وأنا لا أبكي.
أتذكّر ثباتي الذي لم ينهشْه شيء.
لم أتحرّك، كأنّي تحجّرتُ
قسوت.
وقف كل ما فيّ مع اللحظة
وبعد اللجظة
.
أتذكّر المكان... النظرةَ الأخيرة... القبلة... اللمسة... المستقر.
حتى هواء وطقس ذلك اليوم أتذكره.
وأتذكّر الأشخاص: الكلمات، الرثاء، نظرات الشفقة، كلّها ما زالت عالقة.
حتى عقارب الساعة وأي رقم تشير إليه... أتذكرها.
ثم أتذكّر نفسي...
كيف تغيّرت.
لا أدري أيّة ابنةٍ كنتَ ستفخر بها أكثر: تلك التي ألقيتَ عليها آخرَ نظرةٍ في المستشفى، واحتضنتَها وأخبرتَها كم تحبّها،
أم هذه التي تكتبُ اليوم كلامًا لن يصل إليك؟
ربّما تمنّيتُ وجودك.
تمنيت أن تحضر، أن تسمع، أن ترى، أن تشعر، أن تنصح، أن تتكلّم.
لكن لو لم يحدث الغياب، ربما لما تغيّرتُ.
عامٌ جديد ينضمّ إلى الأعوام السابقة.
واليوم لن أكون بقربك... لن أزورك... لن أحدّثك....كما اعتدت أن أفعل
فلا تظن أن هذا نسيان أو انشغال.
"واحشتيني يا بابا"...
ومثلما اعتدتُ أن أهرب،
أحاول دائمًا ألّا أستفيض في الذاكرة،
ألّا أنبش في الماضي،
ألّا أتذكّر كيف كانت الحياةُ معك،
أن أتناسى كيف كنتَ،
وكيف وجدتك،
وكيف أخرجتك يومًا من كلّ المقارنات البشرية؛
كأنك لا تنتمي لرجال الأرض.
...فخُذلت،
ليس من فرطِ توقّعي، بل لأنّي ظننتُ ألّا أحد يشبهك، فقنعت.
لا أحبُّ أن تخرج كتابتي بهذا الشكل...أن تفضحني.
لذلك كنتُ أخفي ما أكتب عنك خجلًا، حياءً، .
وما زلتُ تلكَ الفتاة... لم أتغير: تكتبُ ثم تحاول أن تُخفي.
لكنها في النهاية تنشر،
معتقدةً أنّ أحدًا لن يمرّ، ولن يقرأ، ولن يتوقّف.
...
فتتنفّس، وتتحرّر، وتكتب.
ليس هذا فقط ولكنني أيضًا لازلت كما كنت...
كما أخبرتك دومًا بأنني لا أثق بما أكتب...
واليوم أيضًا تمنّيتُ لو تقرأ... وتؤكدلي... وحين لا أصدّق... تحلف لي بأنني أعرف كيف أكتب!
لن أزيد حديثًا أو كتابةً
— ليتوقّف القلم عند هذا الحدّ.
فموتُك — تلك الكلمة التي أتهيّب نطقَها حتى بعد عشرة أعوام —
لم يكن نهايةً،
بل كان نقطة تحوّلٍ في حياتي،
الجزءُ الذي انقلبتْ عنده...
أو بعده
أو على أثره الأحداثُ،
وغدت الحياةُ مختلفة،
وأصبحت أنا -بشكل ما- مختلفة.
...
على كلّ حال...
وبعد كلّ ما كتبت:
لن أزيد
ولكنني سأعيد:
"واحشتيني يا بابا".
الجمعة صباحًا.
جلس على حافة الأريكة، غارقًا في وهجٍ أزرق خافت ينبعث من شاشة هاتفه.
لم يكن يقرأ.
كان يرتشف من عالمٍ آخر، وشفاهه ترتسم بابتسامة لا تخصّ هذا المكان.
كانت تراقبه بطرف عينها، لا بحركة، بل بحضورها الكامل الذي تحوّل إلى حاسةٍ سادسة.
وحين شعر بثقل نظرتها، انطفأ الضوء الأزرق فجأة، ووضع الهاتف على الطاولة مقلوبًا، كمن يُخفي دليلًا.
لم يتكلّما.
أشعل التلفاز، فتدفّقت نشرة الأخبار.
أما هي، فأشعلت في داخلها سؤالًا محترقًا لم تجد له فمًا.
رنَّ جرس المنزل.
فبدا عنيفًا في هذا السكون.
زيارات الجمعة في هذا الوقت المبكر نادرة…
نهض بخطى ثقيلة.
فتح الباب بالكاد،
فظهر الحارس، يناوله كيسًا بلاستيكيًا أبيض، وهمس:
— "المدام قالتلي أطلّعه لحضرتك."
تناول الكيس بسرعة، وأغلق الباب ببطء… كأنه يمنح نفسه وقتًا لاختراع كذبة.
لم يحتج للالتفات... كان يعلم أنها خلفه.
سألت، بنبرة ليست اتهامًا بل استغاثة:
— "مين كان على الباب؟ وإيه ده؟"
— "واحد صاحبي بعته."
قالها وهو يتجه إلى المطبخ باستهتارٍ متعمَّد، وظهره لها.
تجمّدت.
شيء في نبرته، في انحناءة كتفيه، في إصراره على عدم مواجهة عينيها…
في كذبه،
كان بمثابة توقيعٍ على اعترافٍ لم يُنطق.
كرّرت السؤال، ليس بحثًا عن حقيقةٍ تعرفها مسبقًا، بل على أمل أن يكون ما شعرت به وهْمًا:
— "مين من أصحابك؟"
جاء الرد بنبرة أعلى، أكثر صلابة، كأن فيها تهديدًا لأن تصمت:
— "واحد صاحبي."
اختارت الصمت، ليس كهدنة، بل كسلاحٍ أخير.
ففي بعض الأحيان، يصبح ادّعاء الغباء حكمة،
والصمت نجاة،
والكتمان هو الشكل النهائي للألم.
انسحبت إلى غرفتها.
وقفت أمام النافذة تحاول أن تُشتّت تفكيرها، أن تتنفس هواءً حقيقيًا.
لكن الشمس بدت شاحبة، والهواء ثقيلًا، كأن العالم الخارجي انعكاسٌ لما يحدث في دواخلنا.
كأن الخارج ليس سوى مرآة للداخل.
والأفكار لم تتركها.
عادت إلى المطبخ بعد قليل، ليست مدفوعةً بالفضول، بل بحاجةٍ غريزية للمس الحقيقة المادية.
تغلغلت أصابعها في الكيس البلاستيكي وفتحته ببطء.
لم تكن مجرد مشتريات...
كانت طقوسًا… اهتمامًا، تأكيدًا، شعورًا.
شريحتا سلمون ورديتان، لامعتان، كأنهما ما زالتا تتنفّسان البحر.
علبة كريمة طهي صغيرة.
حزمة أعشاب عطرية مربوطة بخيطٍ رفيع.
وعلبة أنيقة تحوي قطعتين من كيك الليمون… الذي تعرف أنه يفضله.
كل قطعة تم اختيارها بعناية عاشقة تعرف تفاصيله .
لم يكن هذا تحدّيًا، بل إعلان ملكية.
وليمة صغيرة أُرسلت له...
أعادت كل شيء بهدوء إلى الكيس، ووضعته في الثلاجة، على الرفّ النصفي.
أغلقت الباب بيدين مرتعشتين، كأنها تُغلق تابوتًا.
حين رأته مرة أخرى، كان رأسه منكسًا فوق هاتفه.
وما إن شعر بوجودها، حتى رفع رأسه، مُصوّبًا قلقه نحوها في موجة غضب مفتعلة:
— "ليه واقفة كده؟ بتراقبيني؟"
لم تُجب.
اقترب منها، بنظرة ساخرة مترددة، وقال:
— "صدقّتي إنه من صاحبي فعلًا؟"
أجابته بهدوء، كأنها تلقي نتيجة تحليل:
— "سمعت الحارس... قال: المدام."
صمت لحظة، ثم هزّ رأسه بتنهيدة مصطنعة، كأنها خيبة أملٍ فيه، لا منها.
فتح فمه ليقول شيئًا آخر، ليُبرّر، ليبدأ مشهدًا جديدًا… لكنها لم تنتظره.
قالت بهدوء:
— "أنا هخرج شوية."
لم تقل إلى أين، ولا إلى متى.
تركت وراءها صوته عالقًا في سقف الغرفة، وحقيبته ملقاة في الزاوية، وباب الثلاجة مغلقًا على دليلٍ بارد.
-----------------------------------
في صباح اليوم التالي، عادت.
دفعت الباب، فدخلت إلى ذات الصمت… لكنه كان صمتًا مختلفًا.
لا توتر، لا انتظار.
مجرد فراغ.
لم تبحث عنه.
خطواتها قادتها مباشرة إلى المطبخ.
إلى الثلاجة
مركز هذا البيت المنهار، وآخر أملٍ للنفي أو التأكيد.
فتحت الباب ببطء.
وقلبها يتمنى… أن يخيب ظنّها.
نظرت إلى الرف.
كان فارغًا.
لا أثر للسلمون، ولا للكيك.
لا شيء سوى بقعة رطبة صغيرة.
لقد أُقيمت الوليمة.
أغلقت الباب.
لم تنظر إلى انعكاسها على سطحه المعدني البارد.
بقيت واقفة للحظة، تستنشق هواء المطبخ.
شعرت بالغثيان.
ومنذ ذلك اليوم… لم تعد تأكل السلمون.
هل تودّ حقًا أن تعرف عن تلك الليلة؟
تساقطت...
هو... هي... والآخر.
ذلك العالم الساحر…
عالم الباربي والعرائس،
والدمى التي تهمسين لها بأسرارك،
وتشاركينها وحدتك…
واختلافك.
ذلك الخيال الذي تنسجين به قصصك كل ليلة،
وتخيطين على أطرافه أحلامًا صغيرة،
لا تجرؤين على البوح بها لأحد.
وكتبك؟
تخبّئينها تحت الوسادة،
وتقرئينها سرًا، كأنها أبواب لعوالم لا يُسمح لكِ بدخولها علنًا.
هناك…
في ذلك الركن الهادئ من طفولتك،
كنتِ تنتمين لعالم لا يشبه الأرض،
ولا تعرفين عنها شيئًا…
ولا يهمّك أن تعرفي.
أما اللون الوردي؟
فهو العدسة الوحيدة التي ترين العالم من خلالها،
تجدينه في دفاترك،
في ملابسك،
في أحلامك،
وتؤمنين أنه يسود كل شيء،
حتى وإن لم يره أحد سواكِ.
شخصيات ديزني، وحكاياتها، ونهاياتها المثالية…
تغزلين بها رؤيتك للحياة،
حياة لا يسكنها إلا الطيبون،
تتفتح فيها الورود في كل ركن،
وتبتسم فيها الوجوه دون سبب.
وكل القصص التي تكتبينها لباربي وعائلتها…
كانت محاولات بريئة لتفسير العالم،
بطريقتك.
ثم… يأتي صوت والدك.
يحاول أن يخبرك بشيء،
يخشاكِ من عالم لا يشبه عالمك،
يقول إنكِ تتعاملين مع الدنيا بسذاجة،
لكنك لا تصدقين.
بل تظنين أنه هو من لا يرى الحياة كما ترينها.
وأنا؟
لن أطلب منكِ أن تتركي كل هذا،
لن أقول لك إن هناك أرضًا أكثر صلابة تحت قدميك،
ولا وجوهًا ليست دائمًا مبتسمة من حولك.
بل سأدعكِ تستمتعين،
بهذا النقاء، بهذا الصفاء، بهذا الأمان المؤقت.
لأنكِ، في يومٍ ما،
ستفتحين عينيك على عالم لا يُشبهك،
وسترين الأسود يكسو كل شيء من حولك،
لكنك — وبطريقة ما —
ستظنينه ورديًا…
كما اعتدتِ أن تريه.
وهذه النظرة وحدها…
هي التي ستنقذك.
أمسكت بالفرشاة، وأخذت تُكمِل ما بدأت من لوحة.
هل الشعور شيءٌ أحاديّ يمكن أن نُطلِق عليه اسمًا واحدًا، فنُحيطه بالتعريف ونرتاح؟ أم أن كل شعورٍ، في حقيقته، يحمل في طيّاته مجموعة كاملة من المشاعر المتشابكة؟ يبدو الأمر أشبه بغيمةٍ نراها من بعيد بلونٍ واحد، لكنها من الداخل مزيجٌ معقد من ضبابٍ وماء، نورٍ وظل.
لنأخذ الخوف مثالًا؛ فهو لا يأتي وحده أبدًا. قد يمرّ فينا كظلٍ عابر، لكنه يخلّف وراءه سلسلة من الأحاسيس: إحساسٌ بالعجز، يتبعه رغبةٌ جامحة في السيطرة، ثم يتفجر غضبٌ على كل ما لا يمكننا تغييره. وهكذا، قد نبدو للعالم غاضبين، بينما الحقيقة أننا خائفون. لكننا لا نجرؤ على الاعتراف بهذا الخوف، فنُخفيه خلف قناع الغضب أو اللامبالاة، فيضيع عنّا الشعور الأصلي، ويضيع معه الطريق إلى فهم أنفسنا.
والحب؟ أليس هو الآخر رحلة تحولات؟ قد يبدأ دفئًا وقربًا وحضورًا طاغيًا يملأ الكون، ثم يغيب الطرف الآخر، فيولد الشوق. وحين يطول الاشتياق، يتحوّل إلى ألم، وقد ينقلب الألم إلى غضبٍ مكبوت، لأن هذا الحب الذي يفيض فينا لا يجد طريقه للخروج والتعبير.
المشاعر إذًا ليست كائناتٍ بأسماء ثابتة، بل هي سماءٌ متقلبة؛ تتلبّد، تُمطر، تشرق، تختلط ألوانها وتربكنا، حتى أننا أحيانًا لا نعرف ما إذا كنا ننتظر مطرًا يروي الروح، أم نخشى عاصفة تقتلع كل شيء. في تلك اللحظات من الحيرة، نحاول أن نضع أيدينا على الشعور فلا نلمسه، نبحث له عن اسمٍ فلا نجده. وحين تفشل اللغة، لا يبقى سوى الصمت.
وفي هذا الصمت تتشابك الأحاسيس وتتداخل وتتراكم. لكن ما الذي يحوّل الشعور من حالٍ إلى حال؟ ما الذي يقلب الحنين حزنًا، والحزن غضبًا، والغضب لا مبالاة؟ هل هي أفكارنا التي تتدخل باستمرار؟ أم أن الشعور بطبيعته كائنٌ حيّ، يتطوّر ويتبدّل كلما لمسناه أو فكّرنا فيه؟ يبدو أننا لا نكتفي بالشعور كما هو، بل نُفرط في تحليله وتهذيبه ومحاولة احتوائه، فنخنقه دون قصد، تمامًا كمن يُعدّل في قطعة قماش بسيطة، يخيطها ويلوّنها ويرقّعها، حتى لا تعود صالحة للّبس.
وفي نهاية هذا التيه، حين تختلط الأسماء وتضيع الحدود بين المشاعر، فلا نعود نعرف ما إذا كنا حزانى أم غاضبين، مشتاقين أم متألمين، قد نختار الصمت مرة أخرى. لكن، ماذا عن هذا الصمت؟ هل هو راحة أم هروب؟ هل هو وجهٌ آخر للكذب حين نظهر عكس ما نشعر، ونُطلق كلمات لا تشبه ما بداخلنا؟
لا أعلم إن كان الصمت كذبًا، لكني أعلم أنه وجهٌ أصيلٌ للخوف. نصمت حين نتردد، وحين نشعر أننا عُراة أمام الحقيقة فنختار ألا ننكشف. نبتلع غصبًا ما لا نريد ابتلاعه، لأن البوح يتطلب شجاعة والطريق إليه ليس ممهدًا.
لكن داخل هذا الصمت، يتكوّن شعورٌ آخر: "الامتلاء السلبي". كأنك تحاول إغلاق كوبٍ ممتلئ حتى آخر قطرة دون أن ينسكب منه شيء. يتورّم الشعور في داخلك، يرتطم بجدران الروح، فتريد أن تصرخ، أن تتنفس، لكنك لا تستطيع. خارجيًا، قد يُنقذك الصمت؛ يحفظ كرامتك، يمنع صدامًا، ويُبقيك في منطقة الأمان. لكنه داخليًا، هو الثقل بعينه، هو ما يملأ صدرك بما لا يُحتمل.
والأصعب من كل شيء، أنك لا تجد أحدًا يفهم هذا الصمت، إلا إن شرحته. لكنك لا تريد أن تشرح. فالصمت، في النهاية، هو كل تلك المشاعر المتشابكة التي لم تجد لها اسمًا، ولا مخرجًا، ولا أمانًا كافيًا لتخرج إلى النور.
هناك فقط، نعرف ما تعنيه الثقة.
هل بلغ بنا التعلّق حدّ الامتلاك؟