أصعب ما تخلّفه الخيبات ليس ألمها المباشر،
بل ذلك الشرخ الخفي الذي يتسلّل إلى أعماقنا، فيغتال يقيننا بالخير،
ويزرع فينا الشكّ بجدوى الصواب،
وبقدرة اللون الأبيض على إحداث أي تغيير.
تُطفئ الخيبات فينا الإيمان بأن الأبيض ما زال قادرًا على هزيمة السواد،
وتجعلنا نقف وجهاً لوجه أمام بديهياتنا،
نُشرّح مبادئنا، ونُحاكم قناعاتنا،
فنرتاب في كل ما كنا نردده يومًا،
وفي كل ما راهنّا عليه بقلوبنا وأرواحنا.
فنهمس لأنفسنا:
ما جدوى الخير إن كان حصاده شرًّا؟
ولِمَ الإحسان إن كان جزاؤه الدائم إساءة؟
نهتزّ من الأعماق،
تتحرك ثوابتنا من أماكنها،
ونقف حائرين عند مفترق الطرق:
أَنَبقى كما نحن؟
أم نتماهى مع السائد؟
نتلوّن، نتنازل،
نشبههم...
ونُسمّي هذا السقوط — تزويرًا — "واقعية".
لكن أتدري ما هو الأسوأ؟
حين يأتي من يؤكد لك بثقة :
"هكذا هي الحياة، كن واقعيًا!"
وكأن الواقعية تعني أن نخلع إنسانيتنا،
أن نتخلى عن هشاشتنا ورحمتنا وفطرتنا،
أن نرتدي نظاراتٍ معتمة فلا نرى في الوجود إلا قبحه،
ثم نُسمّي هذا العمى "وعيًا" و"نضجًا"!
أسأل نفسي:
منذ متى صار الخير ضربًا من الخيال؟
وصارت الفطرة السليمة انحرافًا عن الواقع؟
كيف أصبح الخداع هو الأصل،
والرحمة هي الاستثناء؟
هل الواقعية أن نسكت مشاعرنا...أن نتجمد فلا نتعاطف؟
أن نفقد القدرة على الإحساس؟
أن نرتكب باسم "الواقع" ما كنا قد رفضناه؟
نحن أحيانًا نختبئ خلف ستار "الواقع"،
لنهرب من مواجهة الحقيقة،
ونُخدّر ضمائرنا.
لكنني — رغم كل ندوب الخيبات وتكرار الخذلان —
ما زلت أؤمن أن الخير لا يضيع هباءً،
وأن الصواب سيُثمر يومًا ما، ولو بعد حين،
وأن الواقع سيعود يومًا إلى صورته الأولى:
فطرةً نقيةً صحيحة،
حيث يصبح الظلام هو الشاذّ، والمنبوذ، والمرفوض،
وعكس الواقعية.
وحتى إن لم يأتِ ذلك اليوم،
وحتى إن كان ما أكتبه ضد "الواقع" ومخالفًا لقوانين الأرض،
التي ترددونها
التي ترددونها
لا يهمّ
يكفيني أن أظل متمسكة ،
بعالمي الذي رسمته طفلة،
ولا زلت أراه وأؤمن به .
سأظل ألوّن سمائي،
وأبحث عن أرضي...،
No comments:
Post a Comment