2025/10/16

ماذا لو كنا نملك الحرية الكاملة؟

 أطلقت صديقتي عبارتها:

"لو كنّا نملك الحرية الكاملة، لما كنا في أماكننا اليوم."

ارتجّ بداخلي جدارٌ من اليقين. للحظة، أردت أن أحتج، أن أقول لها إنني استثناء، إنني نحتُّ مكاني هذا بإرادتي...
أنا الآن حيث أردتُ دومًا أن أكون.

أو هكذا أوهمتُ نفسي للحظة.

فما إن غابت الأصوات، حتى بدأ الصدى الحقيقي لكلماتها يعمل في روحي.
كانت عبارتها مرآة. مرآة عكست وجهًا أعرفه جيدًا: وجهي قبل سنوات.

حين كنتُ أسكن حياةً ليست لي، حياةً  كمعطف استعرته ولم يعد يناسب مقاسي، لكنني كنت أصرّ على ارتدائه.
يومها، لم أكن أعرف أنني سجينة، لأنني كنتُ أروّض نفسي على القبول،
وأقنعتُ حواسي أن رائحة السجن هي رائحة الأمان.
كنت أظن أن هذا هو النضج: أن تتصالح مع ما لا تحب.

وهنا صعقني السؤال الذي لم أجرؤ على طرحه: ما الذي يضمن أنني لا أكرر الخدعة ذاتها اليوم، لكن ببراعة أكبر؟

فالخطر ليس في أن نكره مكاننا بوضوح،
بل في أن نعتاده إلى درجة أن يصبح جزءًا من هويتنا،
فلا نعود نميّز بين ما نحن عليه وما أُجبرنا على أن نكونه.

المعضلة ليست في غياب الحرية،
بل في ضمور عضلة الرغبة.
لقد أتقنّا فن التأقلم حتى نسينا كيف نتمنى.
بتنا نعيش داخل قفصٍ مفتوح، قفصٌ صُنعت قضبانه من أيامنا المتشابهة،
وبابه هو الأفق الذي نسينا كيف ننظر إليه.
نحن لا نبقى فيه لأننا عاجزون،
 بل لأننا نخشى التيارات الهوائية المجهولة خارج قضبان الألفة.

الصوت الذي بداخلنا لا يموت، لكنه يتعلم كيف يهمس بدلًا من أن يصرخ.
 ضجيج مسؤولياتنا، التزاماتنا، وصورة النجاح التي رسمها لنا الآخرون،
 كل هذا الضجيج يخفت صوته الفطري، حتى يتحول إلى مجرد حلم باهت نزوره في نومنا وننكره في صحونا.
حتى ننساه تماما

إننا لا نكذّب على أنفسنا مجانًا.
إننا نقايض حقيقتنا الكاملة، المرعبة أحيانًا، مقابل أمانٍ جزئي ومؤقت.
 هذا ليس جهلًا جميلًا، بل هو تخدير طوعي للروح.
 نختار أن نكون "بخير" بدلًا من أن نكون "أحياء".

وربما لا يكمن الخوف الأكبر في اكتشاف أننا في المكان الخطأ،
بل في إدراك أننا أصبحنا نسخة باهتة من الشخص الذي كان بمقدورنا أن نكونه...
نسخةٌ تجيد البقاء، لكنها نسيت معنى التحليق.
تتوهم أن باب القفص مغلق بينما هو مفتوح...

No comments:

Post a Comment