2025/10/03

قطة وعصفور

 وحدث أن وجدت عصفورًا ملقى في حديقة منزلنا.

كان ساكنًا، لا حراك فيه، .
وبجانبه، جلست قطة صغيرة، لم يمضِ على ولادتها سوى أيام.
كأنها لا تدري ما فعلت، أو لعلها تدري ولا تبالي.

كنت أعتني بها كل صباح، أول مهامي في اليوم أن أضع لها الحليب والطعام.
شعرت نحوها بمسؤولية غريبة، محبة .

لكن هذا الصباح... رمقتها بنظرة مختلفة.
في عيني، أصبحت القطة مجرمة.
قاتلة.
كأنها ارتكبت جريمة لا تُغتفر، حين التهمت العصفور ثم جلست بجانبه بلا ندم، بلا حزن، بلا اعتذار.
وكأن شيئًا لم يكن.

تساءلت: كيف لم تهتزّ لموته؟
كيف بدا لها مشهد الحياة والموت مجرد لحظة عابرة؟

لكنني عدت، وتذكرت...
في قانون الحيوانات، لا يوجد ظالم ومظلوم.
كل كائن يبحث عن بقائه.
والقطة لم ترَ في العصفور سوى طعام يسد جوعها.
لا ذنب، لا جريمة، لا خيانة في ذلك.
لا شر.

فلماذا إذن، لم أرَ المشهد كما هو؟
هل أبالغ؟ أم أنني أتحيّز؟
حبي للطيور — الذي يفوق بكثير حبي للقطط — طغى على الحقيقة.
حكّمت على القطة من منظوري، لا من واقعها.

وهل هذا ما نفعله دائمًا؟
نرى العدل من زاوية الهوى،
ونصوغ الصواب بمقاييس قلوبنا لا بالعقل؟

أم كنت أميل — دون أن أشعر — إلى "الضحية" فقط لأنها أصغر، أضعف، أقرب إلى قلبي.
وهكذا نفعل في حياتنا، في أحكامنا، في حكاياتنا التي نرويها للآخرين.
أليست هذه طبيعتنا البشرية؟
أن نخلط بين العدل والتعاطف، بين الحقيقة والميل القلبي؟
أن نجرّم الغريزة حين تصطدم بحبنا؟

وهل هكذا نرى المواقف في حياتنا؟
فحين نصيب شخصًا بأذى، لا نرى أننا آذيناه، بل نبرر ذلك بأننا كنا نمارس حقنا؟
لأننا نرى المشهد من خلالنا فقط.

هل الفاعل... لا يتعاطف؟ حقًا؟
لأنه يفكر في نفسه، هدفه، مصلحته؟
وهل الشاهد، مثلي، يتحيّز دومًا؟
يميل لمن يهوى قلبه؟

والمفعول به قد لا يكون دائمًا المظلوم حتى وإن بدا كذلك؟
أم أن المشهد أصغر من كل ذلك، وأنا من يبالغ؟

وقفت لبضع دقائق أتأمل القطة، وأتحاشى أن أنظر إلى العصفور.
ثم أدرت ظهري لهم، ودخلت لأحضِر الحليب والطعام للقطة،
وأنا أردد في داخلي، بصوت خافت:
"هي ليست مجرمة... فقط تمارس طبيعة الحياة."
علّي أكف عن المبالغة، وأقبل الحقيقة كما هي،
أقبل الحياة كما هي...

No comments:

Post a Comment