كتبتُ عن الخوف،
عن طعمه ورائحته،
ووصفتُ القلقَ كما لو كان كائنًا...حي.
لكن ماذا عن الغدر؟
ما مظهره؟ رائحته؟ ملمسه؟ شكله؟
وهل يمكن أن يُجرَّب شعور الغدر فعلًا؟
المشكلة الحقيقية أنه لا ملمس له،
لا شكل، لا رائحة، لا حضور علني.
الغدر هو غياب الحضور.
لا وجه له، لا عينين، لا شفتين، لا صوت، لا طعم.
يشبّهونه بالبحر، ورغم رفضي للتشبيه،
إلا أن بينهما وجه شبهٍ وحيد: كلاهما شفاف.
لكن الفرق أن البحر، أنتَ من تذهب إليه،
تعرف تقلبه، وتدرك أنه قد يبتلعك إن اقتربتَ أكثر من اللازم.
أما الغدر،
فيأتيك في مأمنك،
من حيث لا تحتسب،
لا تتوقعه، لا تنتظره، ولا تشعر بقدومه.
يأتيك من الخلف،
لا يواجهك،
لا يقف أمامك،
لا ينظر في عينيك،
ولا يخبرك بما سيفعل.
وإن فعل... لا يعترف.
الغدر هو الخفاء،
هو البرود،
هو الصمت،
هو التحركات المدروسة.
هو الموت... يشبهه في أثره، في صمته، في مفاجأته، في مصيبته.
وكما الموت يقتلع منك شيئًا،
فإن الغدر يقتلع ثقتك بالحياة، وشعورك بالأمان.
لا، لا يشبه الخذلان،
وإن كان الخذلان أحيانًا نتيجةً له
.
.
أتدري ما الذي يجعل الغدر أكثر المشاعر الإنسانية قسوة؟
لأنه شرٌّ عن قصد،
عن سبق إصرارٍ وتفكير.
فالغادر يفكر فيما سيفعل،
يدرك سوء ما سيتركه فيك،
ولذلك لا يواجه.
يفعل فعلته في دقائق،
ويهـرب بعدها.
تلك هي قسوة الغدر:
برودة الدم،
وغياب الإحساس،
أو وجوده دون أن يكون رادعًا كافيا للفعل.
ولماذا لا يُغتفر الغدر؟
لأنه الأذى المقرّر مسبقًا،
حيث لا مكان للخطأ أو العفوية.
أن تؤذي وأنت تعلم،
أن تسكت وأنت تخطّط،
أن تبتسم وأنت تنوي الطعن.
لأن الغدر لا يأتي من بعيد،
بل من أقرب نقطة… من خلفك.
وسألتُ نفسي طويلًا:
لماذا يغدر الناس؟
أهي الأنانية؟
التفكير المفرط في الذات دون أدنى اعتبارٍ للآخر؟
أم الخوف من المواجهة؟
من قول الحقيقة؟
من تحمّل تبعات الصدق؟
أم هو طبعٌ في بعضهم — لا يعرفون سوى التسلّل،
ولا يجيدون المواجهة إلا إذا كانت لصالحهم؟
الغادر لا يطعن دائمًا لأنه يكره،
بل لأنه يريد النجاة على حساب غيره،
أو يريد أن يكسب دون أن يدفع ثمن الخسارة.
وحين حاولتُ، كما من يمسك بخريطةٍ ممزقة،
أن أجمع القطع لأفهم،
لم أكن أبحث عن عذر،
بل عن منطقٍ يحمي ما تبقّى من إيماني بالطبيعة البشرية.
لكن الرعب الحقيقي يكمن في اكتشاف
أن بعض الأفعال المؤذية لا تحتاج إلى دوافع كبرى.
فعل الغدر لا مبرر له،
حتى وإن كانت له أسبابٌ تبدو منطقية.
إلا أن "التسلل" و"الخفاء" لا دافع يدافع عنهما.
وسأعيد سؤالي الأول ولكن بصيغة أكثر صراحة:
هل جرّبتَ أن تغدر بأحدهم؟
No comments:
Post a Comment