حين تشتد حلكة الحياة حولي، أو حين أعيش وطأة الفقدَ ، أو عندما لا أنال ما أريده، كان ما ينقذني دائمًا هو تلك الفكرة الواحدة، ذلك اليقين الراسخ: "الجبر".
لكنني، في خضم هذا التشبث، أجد نفسي كثيرًا ما أُقلّب هذه الفكرة، أُشرّح هذه الكلمة. أتساءل : هل هي إيمانٌ حقيقي متجذر؟ أم مجرد آلية دفاع متقنة؟ هل هي "كلمة سر" ألقنها لعقلي وروحي ليصمدا ويقتنعا؟
وما هو "الجبر" في جوهره؟ إنه اليقين المطلق بأن العطاء سيعقب المنع، وأن اليد الممدودة من السماء ستأتي بعد الأخذ. هو الإيمان بأن الغد يجب أن يكون أفضل، كضرورة كونية توازن قسوة الأمس.
هو إيمانٌ مستقى من رحم التناقضات: فالنور لا يثبت معناه إلا بعد الظلمة، والشمس لا تشرق إلا من عمق العتمة، والبياض لا يكتمل إلا بتبديد السواد.
إنه التسليم بأن قانون الحياة القائم على التغيير سيحول حتمًا ما نراه "سيئًا" إلى ما هو "أفضل".
عشتُ بهذه الفكرة سنوات، بهذا اليقين المُسكّن، حتى تروّض عقلي عليه وأصبح قناعة...يقين.
بات يربط تلقائيًا، كفعلٍ منعكس، بين الشر والخير؛ فطالما حلّ "الشر"، فلا بد أن "الخير" يتربص به ليعقبه ويخلفه. هكذا، وبهذه الطريقة تحديدًا، صرت أرى النور من خلال أعتى الظلام، مقتنعةً بأنه مجرد حالة عابرة لن تدوم.
ربما كانت هذه الفكرة، في عمقها، نابعة من إيماني الفطري بعدل الله... وثقتي فيه .
ولكنني اليوم، أو في الآونة الأخيرة بالتحديد، بدأت أواجه أسئلة جديدة: ماذا لو؟ ماذا لو لم يكن النور تاليًا حتميًا للظلمة؟ أليس هذا احتمالًا مطروحًا في تجارب البشر؟ ماذا لو كان المطلوب ليس انتظار النور في الغد، بل إيجاده في قسوة الحاضر؟ ماذا لو كان الدرس أن نكفّ عن تعليق أمانينا على "القادم"، وأن نكتشف مصادر السكينة والراحة في "اليوم" ذاته، بكل ما فيه؟
:نعم حقيقة
مشاعر المنع قاسية، ألا تحصل على ما تريد، أن ترى الأبواب تُغلق في وجهك، أن تفقد وتتوه... إنها ليست مشاعر سهلة الهضم أبدًا.
لكننا، نتعلم كيف نتعامل معها.
نعلّم قلوبنا "الاستغناء" الرضى، ونعلّم عقولنا "الصبر" أو "فكرة و الجبر" كطوق نجاة. ونستخدم أحيانًا أداة "المقارنة"... ننظر ونتأمل حال من هم في وضعٍ أسوأ، فيتحول تقيمنا لأنفسنا "نحن اذا في حال جيد".
كل هذا لكي "نسلّم" وندع ما نراه "صعبًا" أو "سيئًا" يمر، ونحن نحاول أن نبقى هادئين، مطمئنين، ساكنين مرتاحين قدر الإمكان.
نحاول الوصول للسلام، التسليم... حتى ولو كان هناك جزء انساني بداخلنا لا يكف عن التساؤل، أو الرفض، أو الشكوى. جزءٌ لا يزال متحيرًا، أو يطلب بإلحاح، أو يتألم بصمت. نتعلم أن نتعامل مع هذا الجزء الصاخب، أن "نسكنه" و"نروّضه"... حتى لو لم ننجح في إسكاته تمامًا.
في كل ما نمر به، تظل المعضلة الأساسية واحدة: كيف سنتعامل مع "أنفسنا"؟ خاصة حين ترفض الحياة ما نريده، أو حين نرفض نحن ما تقدمه الحياة.
وحين نتعلم "الكيفية"... حين نتقن فن ترويض النفس ونأقلمها على تقبل الألم وإدارة التوقعات... تتغير تجربتنا الحياتية تماما، ونصبح أقدر على مواصلة الطريق.
No comments:
Post a Comment